في صمت ثقيل لا يكاد يخلو من القلق، يواصل رجل يعاني حسب ما تؤكده شهادات محلية من اضطرابات نفسية، وأخرى تؤكد على أن سبب الاحتجاج هو وفاة ولده الجندي، اعتصامه فوق خزان مائي شاهق بجماعة أولاد يوسف، التابعة لإقليم بني ملال، وذلك منذ ستة أيام متواصلة، رافضا كل محاولات الإنزال والتفاوض الذي أجراتها معه السلطات المحلية، والساكنة المحلية، وهدد بإلقاء نفسه، أو تلويث الخزان بمادة سامة ورجحت فرضية الضغوطات العائلية سببا في تفجر هذا المشهد.
وعلى ارتفاع يقارب الأربعين مترا، يقف الرجل وحيدا، معلقا بين السماء والأرض، ثارة يكلم السلطات التي تجمهرت في عين المكان، وثارة يكلم أحد من الساكنة التي رابطت بالمكان، تنتظر نتائج ومخرجات هذا العمل الغريب عنهم، ويتفاعل معهم كما وضحت مجموعة من الفيدوهات لهذا الشخص على منصات التواصل الاجتماعي يطالب فيها السلطات بفتح تحقيق وعمل تشريح طبي لوالده الجندي الذي يقول توفي في ظروف غامضة.
فيما تقف أسئلة كثيرة بلا جواب، ما الذي دفعه إلى هذا الفعل؟ وماذا يقول لنا هذا المشهد في عمقه عن واقع أصبح فيه التهديد بالانتحار سلاحا لمن لا تسمع أصواتهم ؟
الواقعة، كما روتها مصادر محلية، استنفرت السلطات، وأدت إلى إفراغ الخزان المائي في الأيام الأولى للاعتصام، وقطع التزود بالماء عن السكان، في عز حرارة شهر يونيو ، كخطوة احترازية فرضها تهديد الرجل، وبينما تحاول عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي ثني المعني بالأمر عن قراره، الذي بدا عازما عليه الى حين جلب حقه كما يقول، وتتسع دائرة الترقب والذهول بين الأهالي، الذين لم يألفوا مشهدا أخد كل هذه الأيام، هل فعلا هو صاحب حق أم مضطرب أو مضغوط بمصاعب الحياة؟
الاختلال النفسي ظاهرة تتجاوز الأفراد
الحدث، وإن بدا معزولا في زمانه ومكانه، إلا أنه ليس سوى تجل صارخ لوضع أصبح يتكرر بصيغ مختلفة في مدينة بني ملال، فقد شهد المستشفى الجهوي نفسه، في وقت قريب، واقعة مفزعة تمثلت في اعتداء دموي داخل إحدى غرف المختلين النفسيين، وتشير روايات عديدة إلى أن مرتكبه يعاني بدوره من اضطرابات نفسية.
وهنا لم تعد المسألة مرتبطة بحالة فردية أو سلوك طارئ، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة، فرضها غياب الرعاية النفسية، وانعدام التكافل المؤسساتي، وعجز المجتمع المحلي عن احتواء هؤلاء الذين يعيشون على هامش الاضطراب.
ففي الشارع، كما في السوق، كما في المرافق العمومية، بات من المألوف رؤية أشخاص اختلطت عليهم معالم الاضطراب، يتصرفون بعنف أو ارتباك، يثيرون القلق أحيانا، والشفقة في أحيان أخرى، لكن الجميع يعرف أن لا أحد يمد لهم المساعدة، فجهة بني ملال على اتساع رقعتها لا توجد بيها دور الرعاية لهذه الفئة سوي جناح وحيد في المستشفى الجهوي وهذا ما يزيد من تأزم الوضع.
المدينة التي لم تستطع إخفاء هشاشتها النفسية
بني ملال، هذه المدينة التي تتموضع عند تقاطع السهل والجبل وكما يصطلح عليها بالدير، لم تعد تخفي هشاشاتها النفسية، ليس لأنها تشكو من المختلين أو المضطرربين وحدهم، بل لأن هؤلاء باتوا مرآة لواقع أعمق، تذوب فيه الخدمات الصحية، وتتآكل فيه مظلات الحماية الاجتماعية، وتتقاطع فيه العوامل الاقتصادية مع تراجع البنية العلاجية.
ولا يحتاج المرء إلى إحصائيات دقيقة ليشعر بأن المدينة أصبحت تعيش فوق صفيح نفسي ساخن، تتقاطع فيه اللامبالاة مع الصدمة، ويغيب عنه سؤال جوهري، من يُعنى بهؤلاء قبل أن يتحولوا إلى خطر على أنفسهم وعلى غيرهم؟
حين يختل العقل، تختل المعايير
إن المشهد في جماعة أولاد يوسف ليس مجرد “حدث خبري”، بل هو نداء مفتوح على تأمل اجتماعي عميق، فرجل يصعد إلى علو شاهق على عمود إسمنتي ويهدد الحياة أسفل منه، لا يفعل ذلك بدافع الاستعراض، بل لأنه على الأرجح لم يجد وسيلة أخرى ليقول إنه موجود، وإنه مثقل بما لا يحتمل وأنه فعلا يحتاج الى من ينصت له ويفتح مع قنوات الحوار ويواسيه في حرارة موت أبيه الجندي الذي يعتبره شهيد الواجب، فلماذا كل هذا الصمت الغريب للسلطات المختصة؟ أما المدينة، فكلما تجاهلت أمثال هذا الرجل، زاد احتمال أن تستفيق على مشاهد أكثر مأساوية، فوق خزان، أو داخل مستشفى، أو في أي مكان آخر يتيح لحظة من الخروج عن الصمت.
وفي انتظار أن تنجح السلطات في إنقاذ الرجل المعتصم منذ ستة أيام، وفي غياب أي مبادرة علاجية أو اجتماعية واضحة، يبقى السؤال الأهم معلقا، من يعتصم لأجل هؤلاء قبل أن يعتصموا هم فوق أرواحهم؟
يونس البصري( صحافي متدرب )