“على هذه الأرض ما يستحق الحياة:
خفقانُ قلب الأم،
وخوفُ الغريب إذا ما اقترب،
وحلمُ الأسير بحريةٍ،
ورائحةُ الخبز في الفجر،
وأمهاتٌ تقفن على خيط نايٍ
ويغنين للغائبين: ارجعوا…” — محمود درويش
في مساءٍ دافئ بالقرب من رمال الشاطئ ،ومن قلب المركز الوطني للتخييم بالحوزية ،تحول مخيم جمعية المواهب للتربية الاجتماعية الى أشبه بمدينة صغيرة ، تعجّ بضحكات الصغار ورائحة الحكايات التي لا تشيخ. هناك، بين هدير الأمواج وهمسات المساء ، اجتمعت عائلة المواهب لتفتح صندوق ذاكرتها وتفرش على المدى حكاية بدأت منذ ستين عامًا.
الكبار والصغار في دائرة واحدة من ألوان الاحتفاء، وكأن الزمن عاد بالجميع إلى البدايات… إلى ذلك اليوم البعيد من سنة 1965، حين وُلدت الفكرة من رحم الحلم، لتحمل على أكتافها فرح الطفولة وشغف الشباب، ولتجعل من المخيمات والأنشطة فضاءات للتربية ،للإبداع، للحلم والاكتشاف.
لحظة وفاء صادقة ، حيث القلوب تُصفّق قبل الأيدي، و العيون تحكي ما تعجز الكلمات عن حكيه . احتفاء برواد وضعوا اللبنات الأولى للصرح، ورسموا على جدرانه أسماءهم بحروف الإخلاص، بينما علت الدعوات الرحيمة لأرواح الذين غابوا بأجسادهم، وبقوا خالدين بما زرعوه من قيم وودّ وعلى رأسهم أب الجمعية، الغائب الحاضر الحاج صوغو.
من داخل الأمسية أعطيت الانطلاقة الرسمية لفعاليات الملتقى الوطني لطفولة المواهب، والمنظم من 09 إلى 20 غشت الجاري تحت شعار “المواهب ستة عقود: ، تطوع، ترافع، نبض متجدد “، والذي سيستفيد منه حوالي 900 طفل وطفلة من مختلف فروع الجمعية وعبر ربوع الوطن الحبيب ، في فسيفساء ثقافي يؤكد أن المواهب ليست جمعية فقط، بل وطن صغير من المحبة والعمل التطوعي.
هكذا تعانقت قلوب الصغار و الشباب من الأطر الفاعلة ،مع وجوه الجيل المؤسس والأجيال بعده من خلال الصور المفعمة بالحياة عبر طول الشريط الوثائقي ، فكانت الفقرات الفنية كأنها لوحات من دفتر المدرسة الأول للجمعية: تحكي عن الوفاء ، وأناشيد تُهدي الوطن أجنحة، ورقصات تُشبه نسيم البحر في خفته وبهجته. والكل مدرك أن ما يجمعهم هو أكبر من مجرد جمعية… إنه بيتٌ دافئ اسمه المواهب.
ومع اسدال الستار عن الحفل ، كان وعد يتجدد: أن تستمر القصة، أن تظل المواهب جسرًا بين أجيال، ومدرسة تُعلم الفرح كما تُعلم القيم النبيلة ، وأن تظل كل ذكرى ميلادها موعدًا للوفاء، وفسحة للإبداع، واحتفالًا بالحياة.

محمد نايت دراع 11غشت 2025 .