أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

عبثية الحملة ، أو عندما يكون المترشح و الناخب سيان

المسلك سعيد 

1– كيف تحول الأمر باختصار من “السياسة أخلاق ” إلى  “لا أخلاق في السياسة” ؟

   السياسة من حيث هي فن تدبير و تسيير الشأن العام بغية الرقي بالمدينة نحو الأفضل ، و من حيث أن السياسي هو أكثر الناس حبا لمنفعة أهل المدينة ، فلا يمكن أن تقترن السياسة و السياسي إلا بالتهذيب و الأخلاق ، كما يشرح ذلك الدكتور أحمد شحلان في إحدى صفحات ” مختصر السياسة لأفلاطون ” مقارنة مع ما عبر عنه ابن رشد بكون السياسي هو من ” لا يغيب عن باله واجب عمل أكثر الأمور نفعا للمدينة ، و من يصعب إغراؤهم في جميع الأحوال و الظروف (1) . و بالنسبة لصاحب فلسفة الأخلاق و النزعة الإنسانية كانط kant ، فقد ظل الإنسان شخصا و ذاتا لعقل أخلاقي  قيمته و سموه يرتبطان بالتصرف  وفقا للواجبات التي يسنها عقله الأخلاقي العملي . الأخلاق هي التي تجعلنا نسمو على الطبيعة .  و أن يتحرر السلوك الأخلاقي من قيود الميول و الأهواء ، يعني أن  ترتفع الأخلاق إلى مرتبة الواجب . لذا فالقانون الأخلاقي هو الوحيد من يستحق الاحترام .

بناء على هذه الأفكار المتنورة لهؤلاء المفكرين و الفلاسفة العظام ، ظهر اليسار و تبلور مفهومه تاريخيا على مسرح الصراع السياسي للإنسانية . فقد تبلورت معه و بموازاة تطوره  ترسانة  من الأفكار و القناعات و السلوكيات و القيم السامية و النبيلة التي قدمت البشرية في سبيلها العديد من التضحيات و النضالات البطولية ، لا ريب في ثبوتها بالتجربة و الدليل ( اعتقالات ، منافي ، اغتيالات …) . مع اليسار الحقيقي ، نتحدث عن مكارم الأخلاق التي اغترفها من منابع فلسفة الخير و النزعة الإنسانيةHumanisme  ، تعايش و حرية  تقوى بها جهازه المناعي و تصلب هيكله و بنيانه لمدة طويلة . و لا معنى ليسار حتى و لو كان كامل الأوصاف محكم التنظير سياسيا و إيديولوجيا بدون استيعاب و استلهام جوهره القيمي : الأخلاق .  و لعل تتبع تاريخ اليسار المغربي على سبيل المثال منذ النشأة الميمونة ، مرورا بالمسار النضالي المؤلم ووصولا للحاضر البئيس ، يبين التأثير الكبير لتغييب الخلق على واقعه الموجع بغض النظر عن العوامل الموضوعية الأخرى التي أدت إلى ما أصابه من علل .  فصحيح أن العالم مأزوم بالأصوليات الدينية المتطرفة ، لكن لا يجب أن ننسى الأصولية الرأسمالية المفرغة من كل القيم الإنسانية و التي أثرت بشكل كبير على مكارم الأخلاق و القيم النبيلة .


العولمة اليوم ، مع ارتفاع الريتم السريع للحياة الاقتصادية و سيطرة هاجس الربح و النفعية ، جعل من أحزاب الوقت الراهن يافطات لشعارات الافتراء و التحامل على المواطن البسيط و مرتعا خصبا لبذور الإساءة و الأذى . وضع وجودي و أخلاقي  مقلق يرفع شعار ” لا أخلاق في السياسة” ، يقتلها و يدفنها ثم يعود إلى مسرح جريمة الانتهازية ليهيء مأدبة عشاء تعزية لروحها الطاهرة . و عندما يحتفل بذكرى تأبينها ( أي الأخلاق ) ، يدعو إليها كل من أزهق روحها سرا و حمل بيده الملطخة نعشها و بكى و حزن عنوة في مراسيم تشييع جنازتها إلى الأبد ..! .

هكذا تحولت السياسة من صمام أمانها : الأخلاق ، التي نشأت في العمق في كنفها ، إلى مصدر اهتزازها و ميوعتها : اللا أخلاق ، فتورمت الانحرافات السلوكية حتى حق لنا القول : إنما الأحزاب الأخلاق ما بقيت ، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . و الحقيقة أن من يذهب و يموت في وقتنا الحاضر بسبب جشع الانتهازية و الاستغلال هو التنمية بكل ما تحمله من معنى لتترك مكانها لتأخر المدينة على ركب التخلف و النقص المهول على جميع الأصعدة . …

 

2- لا نحلم “بالمدينة الفاضلة ”  و لكن ..

    انطلقت لأيام حملة المنتخبين المحتملين ، و كثرت وجوه المترشحين ، و ازدحمت البرامج في  رؤوس الناخبين ، و تفاوتت إمكانيات الحملة بين الأحزاب و المتنافسين ، و اختلط الحابل بالنابل ، و تميع العمل السياسي كسائل سائن ، و تاهت عيون المواطنين البسطاء بين ألوان الرموز و اللوائح ، و بين وجوه تستبدل الحزب فجأة كما تستبدل السراويل و المعاطف ، أو كما ينتقل اللاعب من فريقه الأول إلى فريق آخر ليصبح خصمه المخالف .. يزعم بعض المتتبعين أنه زمن اللغط السياسي كما قال درويش، لغط قد يبشر الجرار – من خلال الحملة و قبلها –  بمستقبل زاهر قد تزداد فيه السنابل انتفاخا فتجدب إليها شهية  الأحصنة لتستقوي بقيتها . مستقبل قد يخبو فيه نور المصباح و تزداد فيه ” عدالة ” الميزان وميضا و قد تصدح لشعاعها بعض الحمائم و لو فوق أغصان راشية  و ورود ذابلة ، و تحت نور خافت لهلال لم يصبح بعد في المنطقة بدرا كاملا . مستقبل ستستمر فيه معاناة الشموع و المشاعل بضوئها الخافت إلى أن تتم قراءة الكتب و تفهم الرسائل . فكيف السبيل إلى  فهمها ؟ .

المعركة طويلة لا مناص منها ، و الفهم ليس بالأمر الهين في دولة المخزن ( بمفهوم المنجرة ) وما يناهز العشرة ملايين أمي . و يبقى التأطير بكل ما تحمله الكلمة من معنى ضروريا و خبزا يوميا و مسؤولية عظمى ملقاة على عاتق الأحزاب التواقة للتغيير الحقيقي نحو مدينة أفضل .

و يعزى سبب ما نعبر عنه في هذه السطور إلى ما اكتشفناه  في الحملة ببعض الدواوير . إذ أن الواقع أعطانا صورة لا غموض فيها عن التقصير الكبير الذي ارتكب في حق السواد الأعظم من المواطنين الذين لا يفقهون شيئا عن الأحزاب و البرامج الهادفة ، مما يعطي فرصة – كما في الماضي – للسمسرة و الانتهازية لتتلاعب بعقول أسر حالمة و أرباب بيوت تقض الحاجة مضاجعهم باستمرار، و بغياب التأطير اللازم ، تكون هذه الفئات من مجتمعنا الفقير فريسة سهلة للنصب و الاستغلال ، و هما أشد مضاضة على هذه المدينة المهمشة من وقع الحريق و الطاعون مجتمعـ̊ين ، بالنظر إلى النتائج الوخيمة للانتهازية الحزبية  بوسائلها اللا أخلاقية في الحملة الانتخابية على مستقبل التنمية بها .

 الاستغلال إذن لا زال قائما ، و الأمية لا زالت حاضرة و التأطير الشمولي من طرف الأحزاب المناضلة لا زال غائبا … هذه هي المعادلة الثلاثية المتكاملة التي بدت بالملموس خلال الحملة .

فعندما يقدم مترشح وعدا إلى سكان أحد الدواوير ببناء مسجد بالحي ، في استغلال تام للوازع الديني الزائف لغاية استمالة أصوات الناخبين بحي تغيب فيه أبسط شروط الانتماء للمجال الحضري باستثناء الصفائح المعدنية المعلقة على جدران بعض البنايات العشوائية و الحاملة لاسم الحي و رقم الأزقة التي يتدفق منها و عبرها ماء آسن  و رغوة صابون استنفذ كل أثر للطهارة فيه ، لتحل محلها رائحة كريهة تزكم الأنوف و لا تنتهي عند حدود مزبلة الحي التي تكد جماعة من الدجاج بالبحث فيها عن بعض فضلات الأكل المتبقية من الأطعمة البسيطة لهذه الساكنة الفقيرة التي لازال البعض منها يقطن بيوتا بمعية قطيع من الغنم … عندما يقدم هذا المترشح وعدا ببناء مسجد في مقابل التصويت عليه ، فينجح في استمالة أغلبيتها ، فأقل ما يمكن استنتاجه من هذه المقايضة السخيفة هو أن المترشح و الناخب سيان :

المترشح مستغل لماله و حزبه الإداري لقضاء حاجته بكل أنواع الوسائل ، و الناخب ساذج لاقتناعه ببناء مسجد بحي ينطبق عليه المثل القائل ” أش خاصك ألعريان .  إنه العبث بعينه !.


أعتقد شخصيا – بعيدا عن توجيه كل اللوم للناخب بهكذا أحياء ناقصة التجهيز و لا تحمل من تسمية الحي إلا الإسم – فالمسؤولية ملقاة أيضا على عاتق الأحزاب التقدمية التي تحترم نفسها و تجعل من مصلحة المدينة مبدأ أساسيا في كل تحركاتها ، و ذلك بتأطير المواطن البسيط باستمرار في الفترة الممتدة بين الولايتين . تأطير مبني على العمل الدؤوب يقوم على شرح دوري لمفهوم سياسة المدينة و التنمية المجالية ، تعليم مزايا الاختيار الحر المبني على الرؤية الاستثمارية لتنمية الحي و المدينة ، تفسير دور الأولويات و أهمية النضال من أجل تحقيق جزء من الكماليات و كيفية إدراك المترشح المعقول في علاقته بالبرنامج الانتخابي  الهادف و الإصلاح المنشود …إنه عمل لا ينتهي .

بالتالي ، فما رأيناه خلال الحملة من أمور لم ترضينا ، يجب أن تجعلنا نفكر في خطوات من أجل الانتصار على بعض الكسل و نعدل عقارب ساعاتنا و نسابق قدرنا الذي هو : العمل المستمر و المعقلن ينضاف إلى مجهود الاعتصامات و الوقفات التي ننظمها ضد كل الخروقات ، لأن الفوز يبدأ بالتأطير الشامل لمواطن لا زال في حاجة إلى فهم الكثير .

 

إن استنتاج اقتناع الناس بإنجاز مشاريع بسيطة لا تعد من الأولويات داخل أحياء تعيش نقصا مهولا في التجهيز ، في مقابل التصويت على من يعدهم بتشييد مسجد أو التكفل بمنحة دراسية لأبنائهم أو مصاريف كرائهم و غيرها من الوعود التي لا تكاد تكون سوى قلاع في الأحلام ، أمر يجعلني شخصيا أحتار لمستقبل هذه المدينة التي أفسدتها أيادي الفساد عبر عقود من الزمن .   حيا على العمل !.  

 

 

(1) : كتاب لأحمد شحلان مع مدخل و مقدمة تحليلية و شروح للدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله .      

 

 

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد