الصور التي كانت تتناقلها وسائل الإعلام، عن بلاد العرب و ما يقع فيها ، أصبح الأوروبيون الآن يشاهدونها بالبث المباشر و الحي، و أصبحت واقعا يقع بين ظهرانيهم، و الناس الذين كان يسمع بهم سكان أوربا ،هم الآن ينامون و يتوسدون سلالم منازلهم، و العربي الذي كان يبعثون إليه بالجنود والعساكر ، قصدهم فاتحا صدره العاري ، يريد شربة ماء …
السوريون والعراقيون و الفلسطينيون …الذين كانت وماتزال تدكهم الطائرات الغربية الصنع، خرجوا من تحت الأنقاض ، وحملوا أنفسهم و ركبوا أول قوارب الموت وقصدوا عرين الرجل الأبيض ( يبقى من الواجب الاعتراف للمغاربة، بالسبق في اختراع الحيلة و التسمية، ولم يبال بهم أحد حينها) ، ويكفي أن يفتح المجري أو النمساوي …شرفة منزله ، ليجد عائلة بأكملها تنظر إليه في انكسار تام.
والقطارات التي كان يستقلها الرجل الأبيض ، تلونت سحناتها و تلثمت ، وعوض أن يسمع الناس صفير القطار ، صم آذانهم بكاء الأطفال ونفت القطُر الدخان الأسود في وجوه العالم حزنا و حدادا ، على هؤلاء الناس الذين تكالبت عليهم أمم الدنيا ، و أُفرغت أوطانهم، وقيل لهم سيحوا في الأرض أربعين سنة أخرى…
خط الدفاع الأول الذي أقاموه في فلسطين و الشام و بلاد الرافدين … تراجع إلى حد بعيد ، بعيد جدا و تلاشى ، بعد أن غصت الطرقات و محطات القطار و المزراع، بهؤلاء الناس الذين يضعون أرواحهم على كفهم، و يقايضون بالوطن الجريح المسلوب ، أي فسحة على الأرض بها قطرة ماء و كسرة خبز وذرة من كرامة.
ما كان لكما أيها النبيلان الأوروبيان ( سايس و بيكو ) ـ يقول لكما الطفل أيلان ـ أن تخرما شرقنا قطعة شطرنج ، ما كان ضروريا أن تقتلوا ملكته وتشردوا أبناءها…
ها أنا أعود إليكم مسجى فوق الرمل، ولو أسعفني الوقت قليلا ، قليلا فقط ، لهمست في أذن أحفادكما ، أن الحياة ضاقت بنا ، بعد أن جئتم بأزلام الأرض و نصبتموهم علينا ، و أخرجتم الأحقاد من مكامنها.
أنا من عين العرب، العين التي فقأتم وتجاذبتم أطرافها ، و تناوبتم تمصون نسغها واحدا واحدا… ألا تكفون! ما كان ضروريا أن تفرغوا عيننا من مائها ، و تعمروها بالحقد و التقتيل.
وبعد، فإنه غير مبرر إطلاقا هذا ” الحيص بيص” الذي يتخبط فيه القادة الأوربيون ، ففي الوقت الذي ينادون فيه باحترام روح اتفاقية ” شينغن” ، أساس الاتحاد الأوربي، و التي تلغي الحدود بين عدد من دوله ، التي وقعت على الاتفاقية ، و كفلت حرية تنقل أفراد هذا الاتحاد، في الوقت نفسه الذي تبني فيه دول أوربا الشرقية ( بإيعاز من باقي دول الاتحاد ) مئات الكيلومترات من الحيطان و الأسلاك المدمية ( يبني مرشح الانتخابات الأمريكية “ترامب” حملته على وعد بناء الحائط العظيم، الذي يفصل بين أمريكا والمكسيك، استلهاما من حائط الكراهية الإسرائيلي ).
عندما يولد رضيع فلسطيني واحد ، ترتعد فرائص الاحتلال الإسرائيلي ،لأن أخشى ما يخشونه هناك ( ناهيك عن ظلال الشيخ أحمد ياسين ) هو أن يغرق الإسرائيليون ، ويذوبوا داخل الرحم الفلسطيني الولود.
لقد اعترفت مستشارة الألمان ( دع عنك كليشيهات الترحيب و المواساة ، واعلم أن اللبنانين استفاقوا ذات صباح يقرؤون الجرائد المعتادة، وصدمهم أن بلاد الدانمرك تحذرهم من مغبة التفكير في القدوم إلى بلاد الفايكينع…) أن هؤلاء الذين نبتوا فجأة داخل التراب الأوروبي ، ووقفوا على الأعتاب الألمانية لا يبغون غيرها ، يشكلون أكبر تحد يعرفه الجرمان بعد الحرب العالمية الثانية ،التي وقف فيها العالم “المتسامح” ضد رجل كان يعتقد أن الجنس الآري هو الجنس الوحيد الذي يحق له العيش و الحياة على كوكب الأرض.
لذلك لم يكن ضروريا إحداث كل تلك الفوضى ، و إغراق المنطقة بالدم و الحقد والثأر، كان عليهم فقط أن يدعوهم يستبدلوا وطنا بآخر.
عبد الحكيم برنوص
facebook /abdelhakim.barnos