أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

البيئة في دار ولد زيدوح(الفقيه بن صالح) بين تراجيديا التلوث وكوميديا الحلول

تبتدئ القصّة بقناة أحدثتها وزارة الفلاحة و الإصلاح الزراعي ، كما كانت تسمّى ،و ذلك لتصريف مياه المطر و الفائض من ميّاه الريّ ، و على الرّغم من نسيان تعهّدها بالصيّانة فإنّني أذكر أنّي أكلت من الأسماك التي كانت هذه القناة تحمل بين جنبيها و تمتّعت برونق الشلّالات التي تحدثها ميّاهها عند المنحدر قُبيل ارتمائها في أحضان الوادي ، كما أكلت من أسماك نهر أمّ الربيع الذي كان الملاذ الطبيعي الوحيد للهرب من حرّ أشهر الصيف القائظ .

     في يوم من الأيّام استغربت كيف تصالح السمك مع صيّاد الأمس فأصبح يستسلم لكلّ يد تداعبه ، لعلّها تخلّصه ممّا هو فيه أو تُسرع به إلى حتفه ، فموتة في طلق الهواء خير من اختناق وسط الماء ، و لاحظت كيف امتلأت جنبات المجرى عند المصب بعدد كبير من أسماك تتلوّى من ألم الاحتضار ألقى بها الأطفال خارج الماء ، كما لاحظت عددا أكبر من الأسماك يطفو ميتا على سطح ماء النهر أو يرسو على ضفتيه ، و لم يخامرنا شكّ حينئذ أن للأمر علاقة بالنفايات الصناعيّة المصرّفة بدون معالجة إلى النهر عبر هذا المجرى و عبر غيره ، و قد تكون هذه السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي هي بداية معاناة البيئة بدار ولد زيدوح مع موسم الشمندر السكّري و الذي يدوم بضعة أشهر من كلّ سنة ، هذه المعاناة التي لا يعلم إلّا الله متى ستنتهي .

     و للمرء أن يقدّر نسبة تسرّب هذه النفايات السامّة إلى الفرشات المائيّة مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا المجرى أنشئ فقط لتصريف مياه الأمطار و الفائض من مياه السقي ، فهو لا يمنع التسرّب بل يسهّله و تساعده على ذلك كثافة النباتات التي تنمو داخله ، و ترسّب الأتربة في قعره ، إضافة إلى ما تراكم داخله من أزبال من مختلف الأصناف ابتداء من الأكياس البلاستيكية إلى جثة المواشي النافقة التي اختار أصحابها أسهل وسيلة للتخلّص منها ، و كذلك باعتبار طول هذا المجرى الذي يناهز 14 كيلومتر ،  و العقود الثلاث التي ظلّ يحمل خلالها هذه النفايات طيلة كلّ موسم شمندر من كلّ سنة  ، بالإضافة إلى المياه العادمة لمدينة مجاورة التي أضيفت إلى حمولة المجرى خلال هذه السنة الأخيرة .

إنّها كارثة بيئيّة مزمنة بامتياز ، و بما أنّ ” الحكم على الشيء فرع عن تصوره ” ، فلتصوّر حلول لهذه المأساة ، لا ينبغي ان نحلّق بعيدا عن الواقع بل علينا في خضمّ ذلك الإجابة عن أسئلة مُلحّة و لو كانت مُرّة مرارة الدواء .

 

     أليس من حقّي أن أتساءل عن هذه المياه التي نشرب صباح مساء ، أصالحة هي للشرب أم لا ؟ قد تكون مُعالجة بمادّة الكلور و لكن ماذا عن المعادن الثقيلة ؟ سؤال لا جواب يشفي غليله غير أرقام المختبرات التي لا تكذب و لا تعبّر بأصناف الفنّ أو الأدب ، و أستغرب كيف ننزعج خوفا من استنزاف الفرشة المائية  و لا ننزعج و لا نستنفر شرطة الماء حين تتسرّب السّموم إلى هذه المياه ؟ فما قيمة الاحتفاظ في جوف الأرض بمياه ملوثة قد لا تصلح للشرب و لا لغيره ؟

     أليس من مسؤوليّة البلدية إيجاد حلّ لميّاهها العادمة داخل حدودها و بعيدا عن الجماعات الجارة ؟ و هي حرّة في حدودها الترابية أن تنشئ محطّات للتّصفية أو تبني أحواضا لتبخّر هذه المياه أو تطلقها في الهواء الطلق داخل حدودها ، طبعا إن كان ذلك يرضي ناخبيها و لا يزعج الوزارة الوصية و قطاع الماء و البيئة . أليست الوحدة الصناعيّة مُلزَمة بتدبّر أمر نفاياتها ، تعالجها أو تراكمها أو تفعل بها ما تشاء داخل حدودها إن كان ذلك لا يحرّك الوزارة الوصيّة على القطاع و المعنيين بالماء و البيئة ؟

      و هل  من المعقول أو من الأخلاق أن يصدّر من يملك جاذبية (نيوطن) سلاحا في يده بتواجده على ارتفاع أكبر ، أن يصدّر نفاياته السائلة إلى الآخرين و بعيدا عن ترابه ؟ فيتركهم في حيص بيص يبحثون عن حلول ترقيعيّة من قبيل تنقيّة المجرى من الأتربة و النّباتات ، مع العلم أنّ هذه العمليّة ضرورية و روتينية يجب أن تتكرّر كل حين لتسهيل انسياب المياه ، أو من قبيل تقنين بعض الأمتار من المجرى من أجل التخفيف من الروائح التي تزكّم الأنوف و تطرد النوم من العيون .  

      أمّا عن الحلول الجذرية و المطابقة للمعايير المعتمدة في هذا المجال ، و الملائمة لقرننا هذا الذي نعيش فيه ، فليس أسهل من استدعاء خبراء القطاع العام أأأو الخاص ، و طرق أبواب الوزارات و القطاعات المعنيّة و التماس الشراكات لتوفير الاعتمادات لمحاولة التوصّل إلى حلّ نهائي لهذه الكارثة ، و إلّا  فحين يفوت الأوان لن ينفع الكيّ و لو كان آخر الدّواء ، قبل أن تقلع حليمة عن عادتها القديمة.

                                                        

 

 

 

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد