في جامع الفنا لا تكاد تطفأ نارهنا حتى تشتعل في الجهة الأخرى. قد تتشابه احتمالات الإضرام وتأليب عناصره، لكن نتائج الإحراق وتداعياته تبقى واحدة ومؤكدة.
الساحة العالمية الشهيرة أضحت في السنوات الأخيرة ملاذا للبوليميك والجدل العقيم بين الفرقاء السياسيين من جهة، والتجار الحرفيين وأصحاب البازارات من جهة ثانية. ليس لأن الساحة الشهيرة بالكوميديا الشعبية وخليط الفنون المغربية، من ترويض الأفاعي وقرود الجبال إلى التحليل النفسي وضروب الشعودة والسحر، مضربا للانفتاح على إدماج طاقات روادها وإسباغ علامات التحضر في وسائل تدبير شؤونها وتمكين فضائها الأسطوري الفانتازي من الانجذاب للمعالم الحضارية والثقافية، بالتطبيع مع المستقبل والرهان على تشكل مساحة جديدة للتآمل وتجديد المقدرات البشرية للساحة وروادها الرمزيين، ولكن لأن الحاجة إليها تفتقت عن رغبة سادية من قبل مدبريها، جماعة حضرية وسلطة محلية وسماسرة إقطاعيون ورأسماليون متوحشون، للحؤول دون إدماجها في النسيج الحضاري والعمراني والثقافي للمدينة العتيقة.
والغريب أن هذه الرغبة الكبتية الجامحة تتطور تباعا واستتباعا بتطور فواصل الزمن البليدة وظروف امتداد تجارب النهب السافر للمال الجماعي العام، حيث تمتد حالات الاستنزاف دون منطق أو عقل، ومن دون حد أدنى للمسؤولية أو ربط أي طرف منها بما يوائم موضوع التدبير.هكذا تصبح ساحة جامع الفنا الراوية المفتزضة لحكايا وقصص البشرية مثار حديث لآلام تجترح أفقها الضحل وأزماتها المتكررة على أكثر من اتجاه.
خلال الست سنوات السابقة، وهو عمر الولاية السابقة التي ترأست فيها أول امرأة في تاريخ العمل الجماعي ببلدية الحاضرة المراكشية، تزاحمت مشكلات الساحة وتحصرمت بفعل جموح روادها واتهام المنتخبين المحليين بالسطو على مدخرات مسعى الرزق وموطن الحياة، حيث طالبوا السلطات الجماعية بتنفيذ قرارات اليونسكو التي سبق وأعلنت جامع الفنا تراثا عالميا شفهيا، والتي بموجبها يستفيد المجلس الجماعي من إعانات وإمدادات مالية لم يعلن عن فحواها.
وفي خضم تهديدات “لحلايقية” بالاضراب والتوقف عن العمل، وهي سابقة تاريخية طريفة،انكمش المجلس الجماعي عن فعل ما يؤكد أو ينفي المعلومات المالية، ثم اختفى الصراخ دون حقيقة تذكر.
وبعدها تعالت أصوات زواد ساحة جامع الفنا من جديد لتؤكد على ضرورة استعادة الدور الهام والبارز لتراثهم الحضاري والإنساني مع ضمان حد أدنى للعيش الكريم.وفي ظلمة هذه الأحداث تساقطت العديد من الأسماء التي أتحفت جماهير الزوار ومحبي الساحة العالمية، مثل الصاروخ ومول الحمام وطبيب الحشرات والساعاتي وجحاوات ولفقيه الحاكي..إلخ. ولم يلتفت إليها أحد، فقد رحلت في صمت وغابت عن المشهد السحري لعاصمة المرابطين.
وقبل أسبوع تفاجأت برسالة موقعة من قبل مستشار جماعي بمجلس مقاطعة مراكش المدينة، يحث فيها المصالح البلدية لوضع حد نهائي لحالة الجمود التي تعرفها القضية الشهيرة “عقار نادي البحر الأبيض المتوسط” المعروضة على المحاكم منذ ستينيات القرن الماضي. بالتراجع الفوري والعاجل عن اتفاق أبرمه سابقا مجلس الجماعة الحضرية لمراكش عام 1969 والقاضي بتفويت القطعة العقارية الواقعة في قلب ساحة جامع الفنا على وجه الكراء مدة ثلاث سنوات يتم بعدها اللجوء لمسطرة التفويت بثمن رمزي.
هذه القضية أثارت ولا زالت تثير جدلا كبيرا بسبب الوضعية الهشة للمسار الذي سار عليه الملف طيلة سنوات في ردهات المحاكم دون نتيجة تذكر، وللتقديرات الخاطئة التي انتهجتها المصالح الجماعية السابقة، مع ما رافقها من عور واحتيال ومكر وتهاون.
ولم تستسغ شخصيات ومعالم تاريخية من ساكنة مراكش وخارجها ما انتهت إليه عملية التفويت المشؤومة، لأن القيمة الرمزية للساحة ومحيطها يدخل في باب تقويض الجهود التاريخية التي حافظت طيلة عشرات السنين على وعاء عقاري هو العمود الفقري للساحة ابتداء من مدخل جامع الكتبية الشهير إلى مشارف القصابين وأحياء “أزبزت” و”أسول” و”حرث السور”.
المؤرخ محمد الضويوي اعتبر الأمر استنزافا للدور الذي ما فتئت تضطلع به الساحة تاريخيا وبشريا لصد هجمات المستعمرين وتحريف رغبتهم، من استيطان المعالم الأكثر حضورا في النسيج الثقافي والحضاري لبلادنا. هذا التواطؤ المستبلد لطاقات أمتنا – يقول الضويوي – سيضع مسؤولية المجالس الجماعية على المحك، بالرغبة أولا في تصحيح أخطاء الماضي وثانيا لتنظيف المدينة والساحة أولها من كل ما يشوب امتدادها وأنساقها الحضارية والمعمارية.
رجل آخر طبعت مرحلته الأدبية وحضوره الوازن كمؤثر أساسي في عملية تسويق ملف ساحة جامع الفنا تراثا شفهيا عالميا، هو الكاتب الإسباني الشهير خوان غويتوسولو استحضر في العديد من مقالاته الأدبية موقع ساحة جامع الفنا المعرفي والسوسيولوجي والتاريخي، مثابرا في رؤاه الاستقصائية السامية لتجديد مطالبه بالانتماء للساحة قلبا وعقلا والتشبت بموقع الالتقاء الانساني والكوني، موئلا للحياة والسعادة والفرح.
وبغض النظر عن مثبطات هذه الأعطاب المتكلسة، التي شارفت على تمديد فترات أحلام ضائعة إلى ما بعد السراب في استبدالات سياسوية هابطة، فإن الحسرة الآن على ماض تأخرت علامات تحلله من قيود التبعية والذيلية والخرس المبيت ينبئ بتوريط الضمير وتحميله جرم بيع الأعراض وتعرية المفتون فيها للعبودية والاستعباد. بل إنها محاولات لإعادة استحقاقات المستعمر الوهمية وتدمير الهوية الوطنية ورهنها برضا الآلة الأجنبية الغاشمة واستنزاف مقومات الو؛ن ومستقبل الشعب.
ففي الوقت الذي تنبذ فيه جهود الكفاءات وتلقى خارج أسوار المدينة، في عمليات إبادة حضارية مقصودة. وفي الوقت الذي يتعذر فيه استعادة الزخم لمظاهرنا الحضارية والتراثية المنهوبة، خصوصا ما يتعلق بترميم مآثر في حجم قصر البديع وصهريج المنارة وقبور السعديين وقصور تازيخية ناذرة كقصر الباشا لكلاوي وخزانة ابن يوسف ودار بلارج والباهية ..إلخ، يقدم الغريب الأوربي كمنقذ لزوال مآثرنا ويعضد ويسهل تفويت العقارات له بأثمان بخسة، ونساق معه على النقيض للمغالبة والغلبة، وإطمار الرغبة في التأوه فقط على عتبة الضعف والسند الخافت والتواري خلف الصمت المؤامرة.الذين يضعون أوطانهم خلف الرغبات الملحة لتقطيع الأوصال وتكميم الأفواه، هم أنفسهم الذين يستطيبون الوقوف على جماجم الموتى. وهم أنفسهم الذين لا يزالون يغامرون بالاستبداد والتسلط ومناورة الشعب.
” دعوا آمالكم تصرخ، لعلها تنشد يقظة تغري بحياة تتحرك على أعقاب الظلم والقهر والاستعباد”
ghalmane@yahoo,fr
https://www.facebook.com/ghalmane.mustapha