يؤكد الفيلسوف المجري”ليوبولد فايس” “محمد أسد” على “أن التاريخ يبرهن وراء كل إمكان للريب أنه ما من دين أبدا حث على التقدم العلمي كما حث عليه الإسلام، وأن التشجيع الذي لقيه العلم والبحث العلمي من الدين الإسلامي انتهى إلى ذلك الإنتاج الثقافي الباهر في أيام العباسيين وأيام دولة العرب في الأندلس، وأن أوروبا لتعرف ذلك حق المعرفة؛ لأن ثقافتها هي نفسها مدينة للإسلام بتلك النهضة على الأقل بعد قرون من الظلام الدامس..”؛ لكن ينبغي أن نتساءل اليوم كما تساءل غيرنا من السادة العلماء من قبل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ فهذا السؤال في الحقيقة كتبت فيه مؤلفات ومجلدات، وعقدت بسببه ندوات ومحاضرات، وطنية ودولية، وتصدى له العلماء والمفكرون في الرد والجواب عليه، ومنهم أمير البيان شكيب أرسلان، ومازال التساؤل قائما ومشروعا إلى يوم الناس هذا، ولهذا أقول وبالله التوفيق: مادام المسلمون اتخذوا هذا القرآن مهجورا، وضربوا تعاليمه عرض الحائط، واكتفوا بحفظه وتجويده وزخرفة حروفه دون تدبره والبحث في مكنوناته وجواهره وأسراره، فلن تقوم لهم قائمة أبدا، ولن تكون لهم جولة وصولة في دنيا الناس وعالم الشهادة ..!!
فنجد مثلا القرآن الكريم يخاطبنا بأننا أمة واحدة، ويأمرنا باﻹعتصام بحبل الله المتين، وبالعدل والقسط وبعدم ظلم العباد، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والرفق واللين والسعي على الأرملة والمسكين واليتيم..بينما أمتنا الإسلامية وأهل العلم والحل والعقد فيها اتجهوا صوب تأسيس المذاهب واﻷحزاب والطوائف والفرق ، فصار لكل فرقة وكل عالم كتباً ورسائل عديدة في بيان وشرح حقيقة مذهبه وطائفته، وبطلان مذاهب الفرق الإسلامية الأخرى، وبذلوا جهداً كبيراً في ذلك الأمر، ولعل هذا أحد أسباب انحدار الأمة الإسلامية؛ بل هو أحد أسبابه الجوهرية، فانحصر فكر الكُتَّاب والمفكِّرين والمشايخ والعلماء والدعاة واهتمامهم في كتب ومضامين فرقتهم الخاصّة، والدفاع عن عقائدها ونصب المشانق لمخالفيها، مع تكفيرهم والحكم عليهم بالزندقة والضلال..!!
وهكذا أصبحت قضايا اﻷمة المسلمة وهمومها ومشاكلها والسعي في مناكب الأرض والسماء والبر والبحر نسيا منسيا؛ مع أن دور الإنسان ورسالته في الفلسفة القرآنية هو تحقيق الخلافة عن الخالق، في تعمير أرضه وتحسينها وتجويدها، وبناء علاقة سلام ومحبة مع جميع مخلوقاته، هدفها وأساسها توحيد الله وعبادته والدعوة إلى السلم والسلام والسعادة والأمان في الدنيا والآخرة، وقد كانت بداية الفعل الحضاري وصناعة التاريخ البشري الجديد بولادة الدولة الإسلامية المحمدية بالمدينة المنورة، على يد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، ومن ثم بدأت في البروز قيم إسلامية وحضارية وإنسانية جديدة، تنظم جميع العلاقات بين الإنسان وربه، وبين الحاكم والمحكوم، والإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان ومحيطه الذي يعيش فيه، وبين الكون وما فيه من أشجار وأحجار وحيوان..
وتجلت هذه التعليمات والقوانين المنظمة للمجتمع الإسلامي الجديد في دستور المدينة وخطبة الوداع، الذي أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلالهما قواعد المدنية والحضارة الإنسانية الحقيقية التي تراعي خلقة الإنسان في شقيها المادي والروحي، وجملها بقيم حضارية وإنسانية رفيعة؛ كقيم الحب والرحمة، والعدل، والوفاء والأمانة، والصدق والإخلاص والتضامن، والإخاء والإيثار..
هذه كلها قيم حضارية إيجابية ساهمت في صناعة الحضارة الإسلامية خلال قرون خلت، كما ساهمت في تطور الأمم وتقدمها ونهضتها، ومازال الغرب إلى حد اليوم يقتات من فتاتها؛ لكن -للأسف الشديد- عندما استبدل المسلمون قيمهم الإيجابية بقيم سلبية قاتلة، كالظلم، والشعوبية ، والمحسوبية والعنصرية ، والأنانية والطائفية والمذهبية، والكبر والحقد، والنميمة والكذب والخيانة، والغش والنفاق والبخل، والفظاظة، والكسل، والغضب والطيش، وقسوة القلب، وشهادة الزور، وأكل أموال الناس بالباطل، والتشاحن والتدابر والشعوذة والدجل، والفوضى وعدم التخطيط، فشلوا وعجزوا وتخلفوا تخلفا مريبا عن مسايرة قطار الحياة الذي يسير بسرعة جنونية هذه الأيام !! .
وفي هذا السياق تحضرني فقرة رائعة للداعية محمد الغزالي رحمه الله في إحدى كتبه إذ يقول: “ومن المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا، عجزة في الحياة، والصالحات المطلوبة تصنعها فأس الفلاح، وإبرة الخياط، وقلم الكاتب، ومشرط الطبيب، وقارورة الصيدلي، ويصنعها الغواص في بحره، والطيارفي جوه، والباحث في معمله..ماتقول في فتيان يريدون إشعال معارك ضارية من أجل قضايا جزئية خلافية تتعلق باللباس ونحو ذلك، وقد تأتي في نهاية سلم الأولويات، إن دين الله لايقيمه ولايقدرعلى حمله ولاعلى حمايته الفاشلون في مجالات الحضارة الإنسانية الذكية، الثرثارون في عالم الغيب، الخرس في عالم الشهادة”
وفي الختام أقول: لو سادتنا العلماء وأصحاب الثقافة والفكراهتموا بجوانب المجتمع الإسلامي الأساسية، وما يتضمنه القرآن المجيد والسنة النبوية الصحيحة من تعاليم في هذا المجال، لما جاءت كتاباتهم وما جرت به أقلامهم مخالفةً لروح القرآن وجوهر اﻹسلام، ولسبقنا الغرب في فتح الحدود فيما بيننا، وفي انشاء اﻷمم المتحدة، والسوق الأوروبية المشتركة، وحلف “الناتو” العسكري، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” ومحكمة العدل الدولية…لكن هذا لم يحصل، ولم يفكر فيه من قبل المسلمين بعد، والطامة الكبرى هو أنه وإلى اليوم لم نعترف أبدا بتخلفنا وتأخرنا، ومازال العناد سيد الميدان كما يقال، مع أن الإعتراف بالخطأ فضيلة وعلامة رشد وتعقل، وياليت قومي يعلمون .
*مديرالشؤون الدينية باتحاد المؤسسات الإسلامية