التوشيحٌ الملَكي للمُخْترِعٍ المغربي، ماجد البوعزّاوي، وهو من الكفاءاتِ المغربيةِ الاختراعيةِ العُليا، يُلفتُ الأنظارَ إلى شريحةٍ من مُبتكِرينا ومُخترِعينا الذين يطمحُون إلى تطويرِ اختراعاتِهم، بما يتلاءمُ مع الاستراتيجيةِ التّنمويةِ الوطنية..
في بلدنا طاقاتٌ ابتكارية شابة يمكن تصنيفُها إلى مواهب، وإلى كفاءات تكنولوجية عالية..
ورغم تفاوُت التُحصيلِ العلمي، فإن الطرفيْن يجمعُهما خيالٌ فعّال..
وفي «محطةِ الخيال»، يتوجبُ على مُؤسّساتِنا المختصّةِ أن تلتقي شبابَنا الـمُبْتكِر..
ماذا يريدون؟
ـ ببساطة، تحديثَ قوانينِ براءة الاختراع وما يواكبُها، وتفعيلَ هذه القوانين بما يضمنُ حقُوقَهم الفكرية والمادية..
وهذا هو دورُ مُؤسساتِ الدولة ذاتِ الاختصاص..
فالاختراع يتطلبُ الاحتضان..
واحتضانُ الموهبة، هو من المهد إلى اللّحد..
الموهبة تبدأ من الطفولة..
وهذا يؤشّرُ إلى رعايةِ الطفل داخلَ الأسرة، لتوجيهِ موهبتِه الابتكارية كي يأخُذَ طريقَه التّحصيلي والتّحفيزي، بدءًا من بيتِ أُسْرتِه، وُصولاً إلى أعلى مراتبِ التعليم والتكوين والتأطير والبحثِ التكنولوجي..
ـ من الأسرة، تبدأُ ثقافةُ الاختراع..
ومع ذلك، تُوجدُ في شبابِنا انفلاتاتٌ يَعتمدُ فيها بعضُهم على أنفُسِهم، ويتجاوبون مع مَواهبِهم، فيأتون بأفكارٍ ابتكاريةٍ تُنمُّ عن عبقرية..
وهكذا نجدُ في شريحةِ مُخترِعينا عصاميين، بعضُهم تسلّقوا المراحلَ العُليا للتعليم والتكوينِ والتّدريب، وآخرون لم يدخُلُوا المدرسة، ومنهم من دخلُوها ولم يُكمِلُوا تعليمَهم..
إنهم عصاميُّون.. يُعلّمون أنفُسَهم بأنفُسِهم..
وما ينقُصُهم، يأتيهم من دُروسِ الحياة..
وهؤلاء، يُشكّلُون الأكثريةَ من مُخترعِينا ومُبْتَكِرينا..
فيهم مواهب.. ولكن مُهْمَلَة.. مُهمّشَة!
ومع ذلك، منهم ترتفعُ أفكارٌ ابتكاريةٌ من أرقَى ما تحتاجُهُ أجهزتُنا اليومية، من إليكترونية، ومنزلية، وتواصُلية، والمستعمَلَة في التّنقُّل والفلاحة وغيرِهِا من خدماتِ حياتِنا اليومية..
وفي ابتكاراتِهم قد تجدُ أجهزةً صغيرة، لكنّ فوائدَها كبيرة..
جيشٌ من المختَرِعين يتَمركزُون في أسواقٍ تجارية، ومحلاتٍ خاصة، أو يجنحُون إلى بيُوتهم، أو يتعاونون مع أصدقائهم أو شُركائهم، لإنتاج آلاتٍ يختلطُ فيها العصري بالتقليدي، ولها أبعادٌ تجارية واجتماعيةٌ وإنسانية..
ـ ألا يجبُ دعمُ هؤلاء العصاميين المخترِعين؟
الدعمُ لا يعني فقط الجانبَ المادّي..
الدعمُ يعني أيضا التكوينَ والتأطير والتوجيه.. ويعني الاحتضان من قبلِ مؤسساتٍ مُختصّة، عموميةً كانت أو خاصة..
ويعني تقييمَ إنتاجاتِهم بشكل يرفعُ من تحصيلِهم المعرفي، وتتويجَ هذا التّحصيلَ بشهادةٍ مُعترَفٍ بها..
وكم من اختراعاتٍ مغربية في أسواقِنا الشعبية تُضاهِي أحدثَ الابتكارات التكنولوجية..
اختراعاتُنا مهما كانت بسيطة، تلائمُنا وتُلائمُ احتياجاتِنا، وتحُلُّ مشاكلَ صحيةً أو خدمَاتيةً أو اجتماعية..
بينما الاختراعاتُ التكنولوجية المتطوّرة بها فوائدُ كثيرة، لدرجة أنّنا كثيرا ما لا نعرفُ مدى استعمالاتِها..
في حين تُركّزُ اختراعاتُ أسواقِنا على السّهل الممتنِع، وعلى الإجابةِ عن احتياجاتِنا بالضبط.. فتجدُ هذه الاختراعاتِ الشعبية، رغم بساطاتِها، تجاوُبًا مع الناس، لأنها تستجيبُ لمتطلباتِنا اليومية..
هكذا هي الاختراعاتُ في بساطتِها وقُوّتِها..
تُركّزُ على احتياجاتِنا اليومية..
وطبعًا، إلى جانبِها، تُوجَدُ عبقرياتٌ عالمية في شُبّانِنا العُلَماء..
وعُلماؤُنا المخترِعُون لهم حضورٌ عالمي..
ـ إذن، نحنُ أمام فئتيْن..
تتفاوتان في التّحصيل العلمي، وتلتقيان في قراءة السُّوق، ومن ثمّةَ الإتيان بأفكارٍ جديدة تستجيبُ لمتطلّباتِ السوق..
وعلى الدولة أن تهتمَّ بالجميع..
ومنهم مُخترِعون بُسطاءُ ليس بجانبهم من يَدْعمُهم ويُؤطّرُهم ويجعلُهم قادرين على نقلِ الموهبةِ إلى الإنتاجِ المهني..
مُؤسّساتُ الدولة تستطيعُ أن تؤطّر هذه الفئة، وفي نفس الوقتِ تحْميها من القرصنة!
والقرصنةُ ليست فقط موجودةً في أسواقِنا.. هي موجودةٌ أيضا حتى في الشركاتِ العابرة للقارّات..
والحربُ التجاريةُ العالميةُ قد بدأتْ من زمان..
هي حربُ مُنافَسة اقتصادية، وفي نفسِ الوقت تجسُّسٌ وسرقةٌ وقرصنة..
التجارةُ العالمية ليستْ بريئةً من اللاأخلاق..
وعندنا أيضا، ورغم كلّ البنودِ القانونية المتطوّرة، الحاجةُ ماسّةٌ إلى تفعيلٍ للقانون..
قانونُ حماية المِلْكية الصناعية لا يجبُ أن يقتصر على كلامٍ في ورَق.. يجبُ أن يُطَبَّق، وأن تكُون بجانبه سُلطةُ التنفيذ..
ها نحنُ بحاجةٍ إلى أمنٍ مُختصٍّ في الاختراعات.. أمنٍ لا يجنحُ إلى المكاتب، بل يتنقّلُ في الأماكن..
ولا يتنقّلُ بحثًا عن «أُمُور»، بل بحثًا عن قراصنةٍ يُهدّدُون «براءةَ الاختراع»..
وبراءةُ الاختراع ليست عندنا في مُتناول الجميع..
عندنا تعقيداتٌ إدارية وقانونية يجبُ البحثُ فيها وتحديثُ النصوص التي تدفعُ إلى التعقيد..
وعلينا بتجاوُزِ التعقيدات.. وتجاوُزِ البيروقراطية المعقّدة..
بلدُنا يطمحُ إلى أعلَى..
إنّ المغرب تربطهُ بالعالم اتفاقيةُ مراكش (15 أبريل 1994) ذاتُ الجوانب المتصلة بالملكية الفكرية…
حان الوقت لإعادة النظر في ملفّ المخترعين المغاربة، كبارا وصغارا، ونحنُ في بلدٍ سائرٍ بخُطى ثابتةٍ في مشاريعَ كُبرَى..
المشاريعُ الكُبرى تعني، من جُملة ما تعني، الابتكاراتِ والاختراعاتِ في مُختلفِ المجالاتِ الحيوية..
ولا يُعقَلُ أن نظلَّ مُجرّدَ «مُستهلِكين» لاختراعاتِ غيرِنا..
عندنا كفاءات، من كلّ الأنواعِ والأحجام، نستطيعُ الاعتمادَ عليها في إنتاجاتٍ تكنولوجيةٍ حديثة، في مختلفِ احتياجاتِنا اليومية، من البسيطةِ فيها إلى ذاتِ التّعقيداتِ التكنولوجية..
ولا يبقَى إلا أن نلتفتَ، كي نرى بأعيُنِنا هذه الفئةَ المنْتِجة..
ـ انتهى زمنُ اللاّمُبالاة!
بلدُنا بحاجة إلى كل كفاءاتِه.. من الصغيرة فيها إلى الكبيرة..
وتَستطيعُ مهاراتُنا الاختراعيةُ الوطنية، ذاتُ الكفاءاتِ العِلْمية العُليا، أن تقُودَ مسيرةَ الإنتاجِ التكنولوجي الوطني، إلى الأفضَل، والأحسَن، والأجْوَد…