أطلس سكوب ـ (ومع) يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، بعد غد الجمعة، الذكرى ال79 لانتفاضة ماء بوفكران (معركة الماء الحلو)، والتي تعد مناسبة لاستحضار أمجاد وروائع الكفاح الوطني واستظهار رصيد القيم الوطنية والنضالية، باعتبارها معلمة مضيئة ومحطة وازنة في مسار ملاحم الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.
وأكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بهذه المناسبة، أن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد هذه الذكرى المجيدة، لتحرص على صيانة الذاكرة التاريخية الوطنية، وتلقين الأجيال الجديدة والناشئة تاريخ الكفاح الوطني الطافح بالملاحم والبطولات والأمجاد، تماشيا مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الداعية إلى مواصلة الاحتفاء بأمجادنا وذكرياتنا الوطنية الخالدة، والإشادة بالأعمال الجليلة للشهداء الأبرار وبإسهامات كافة فئات المجتمع في ملحمة التحرير والاستقلال، واستلهام دلالات نضالهم وبطولاتهم وتضحياتهم الجسام، لنشر روح وقيم الوطنية الخالصة والمواطنة الإيجابية وإشاعتها في نفوس الناشئة والشباب وأجيال الوطن الصاعدة.
وفي استرجاع تاريخي، ذكرت المندوبية السامية بأنه في مستهل شتنبر 1937، اندلعت انتفاضة ماء بوفكران عندما اصطدمت ساكنة مكناسة الزيتون بغلاة المستوطنين والمعمرين المتطاولين على الموارد المائية للسكان والفلاحين، فكانت تلك المعركة الحاسمة التي خاضتها الجماهير الشعبية الغاضبة بالعاصمة الإسماعيلية، لتنذر الاحتلال الأجنبي باستمرار روح النضال وصمود المغاربة في الدفاع عن وطنهم ومقدراته وخيراته وسيادته، وبأن الإجهاز على المقاومة بجبال الأطلس والجنوب المغربي في أواخر سنة 1934، لم يكن يعني استسلام المغاربة للأمر الواقع.
وقد أصر المناضلون على سلوك خيار جديد بنقل المعركة من الجبال والأرياف إلى المدن والقرى، والانتقال من أسلوب المواجهة المسلحة المتفرقة إلى مرحلة المقارعة السياسية الواعية، وتعبئة الجماهير الشعبية منذ منتصف الثلاثينات بالعديد من الحواضر المغربية، إلى حين إنهاء عهد الحماية ووضع حد للتسلط الاستعماري، وذلك بعد تضافر عدة عوامل لاندلاع “معركة الماء لحلو”، من أبرزها إقدام السلطات الاستعمارية على تحويل جزء من مياه وادي بوفكران وحصره على المعمرين لتستفيد منه ضيعاتهم، وكذا المرافق المدنية والعسكرية الفرنسية بالمدينة الجديدة، في وقت كانت فيه حاجة السكان إلى هاته المياه متزايدة.
وقد تزامن هذا الحدث، حسب المصدر ذاته، مع بداية تبلور الوعي الوطني عند ثلة من الوطنيين المكناسيين الذين كانوا على اتصال دائم بقيادة الحركة الوطنية في أهم المدن المغربية وخاصة بفاس، واستشعارهم تذمر السكان جراء النقص الحاصل في المياه التي تتزود بها المدينة وأحياؤها الشعبية العتيقة، خاصة أن الأمر يتعلق بمادة حيوية، وهو ما ساعد على شحذ همم وعزائم المواطنين وإلهاب حماسهم لخوض غمار المواجهة المباشرة مع قوات الاحتلال الأجنبي في بداية شتنبر 1937، بعد إصدار السلطات الاستعمارية لقرار وزاري في 12 نونبر 1936، ونشره بالجريدة الرسمية في 12 ابريل 1937 لتوزيع ماء وادي بوفكران بين المستوطنين والمعمرين وسكان المدينة، وإحداث لجنة لتنفيذ هذا القرار في 12 فبراير 1937.
وقد نجم عن هذا الوضع الجديد والطارئ انعكاس سلبي وتأثير قوي في تفاقم أحوال ساكنة مكناس، لاسيما وأن المجتمع المكناسي كان يعيش ظرفية صعبة تمثلت في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي مست أوسع الفئات والشرائح الاجتماعية، مع تسلط الإدارة الاستعمارية في فرض ضرائب مجحفة، وحرمان السكان والتنكيل بهم وتهجيرهم من المدينة القديمة إلى المدينة الجديدة بغية الاستحواذ على أجود الأراضي الفلاحية الخصبة بنواحيها، وهي أوضاع أدت إلى تفجير ثورة المكناسيين بعد أن استنفذوا كل أشكال النضال السلمي والاحتجاجات الهادئة وتقديم العرائض وتكوين لجنة الدفاع عن ماء بوفكران.
ومع تمادي السلطات الاستعمارية في تعنتها، كانت انطلاقة انتفاضة ماء بوفكران في فاتح وثاني شتنبر 1937 حدثا تاريخيا وازنا ومتميزا، جسد فيه المكناسيون كل مواقف الوطنية الخالصة، مسترخصين التضحيات الجسام في مواجهة القوات الاستعمارية التي أدهشها رد فعل أبناء المدينة، فكانت معركة ضارية ورهيبة لم يتوان الوطنيون والمناضلون وساكنة مكناس بكل فئاتها وشرائحها في خوض غمارها بشجاعة وإقدام، تحديا للوجود الاستعماري، وصونا للعزة والكرامة.
وأبرزت المندوبية، أن احتفاليات هذا الحدث التاريخي المجيد، تتميز بأجواء التعبئة الوطنية المستمرة واليقظة الموصولة التي تشهدها البلاد دفاعا عن الوحدة الترابية، وصونا وتثبيتا للمكاسب الوطنية، على هدي مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة إحياء الشعب المغربي للذكرى 17 لعيد العرش المجيد والخطاب التاريخي بمناسبة الذكرى 63 لثورة الملك والشعب، واللذين حملا رسائل بليغة وإشارات قوية لمواصلة الثورة المتجددة والمتقدة من أجل مغرب الوحدة الوطنية والحداثة والديمقراطية والتقدم والتنمية.