المفتش محمد صالح حسينة يحلل الظاهرة الرياضية : بكاء بعض المغاربة لخسارة الارجنتين وتهليل آخرين لفوز البرتغال
أطلس سكوب
انهزم المنتخب الارجنتيني للمرة الثانية في ظرف سنة واحدة امام نظيرة الشيلي بنفس الطريقة، وتبعا للسيناريوهات عينها: 120 دقيقة من اللعب، اللجوء الى ركلات الجزاء الترجيحية، المناسبة ي نهائي كأس أمريكا للمنتخبات، سيطرة الارجنتين وفوز الشيلي…حدث هذا ليلة 27/06/2016 بالبرازيل.
والواقع يشهد أن ليونيل ميسي شارك في هذه الدورة احياء للذكرى المئوية لانطلاقها، وكان همه ان يتوج مع منتخب بلاده بأول كأس قارية لطالما تعطش الى الحصول عليها، خاصة ان خزينة الرياضة الارجنتينية تفتقر الى مثل هذا الانجاز الذي لم يتشرف لا ميسي و لا مارادونا قبله بالظفر به. والتاريخ شاهد كذلك على ان الفريق الارجنتيني بقيادة باتيستوتا، كرسيبو، أيالا، أورتيغا، باليرمو، سيميوني، فيرون…كان يمثل كوكبة نجوم لا ينكر احد عبقريتها في الفنيات و المهارات الفردية…ولكنه لم يكن محظوظا، او لنقل ان الحظ كان مع خصومه، وان الكرة لم تنصفه.
ولنعد الى لعنة النهائيات التي لازمت الارجنتين: ثلاث خسارات في ثلاثة نهائيات متتالية، 2014/2015/2016… الاولى بالبرازيل امام المانيا (1/0) خلال الشوطين الاضافيين، وهي التي سحقت البلد المنظم في نصف النهائي بـ (7/1) امام ذهول كل متتبع، وكانت اول دولة اوروبية تخطف الكأس العالمية من القارة الأمريكية في تحد غير مسبوق… لم يكن ميسي في يومه في تلك الامسية الرمضانية الجميلة بالمغرب… راهنت الجماهير المغربية المتعاطفة مع فريق برشلونة على ميسي وزملائه لفك عقدة الالمان الذين دكوا شباك الارجنتين برباعية نظيفة (0/4) برسم مونديال 2010 في جنوب افريقيا في ربع النهائي، وكان وقتها مارادونا مديرا فنيا لفريق بلاده.
وزكى نادي بايرن ميونيخ عقدة ميسي وألهبها سنة 2012 وبرسم نصف نهائي كأس رابطة الابطال الاوروبية حينها هزم فريقه برشلونة (0/7) : (0/4) بميونيخ و (0/3) ببرشلونة، في وقت كان الفريق الاسباني يعيش مرحلة انتقالية عصيبة تلت انسحاب مدربه التاريخي غوارديولا… لقد بدا للمتتبعين قلة حيلة المهارات الارجنتينية امام اللياقة البدنية و الارادة الفولاذية للآلة الالمانية التي لا تعتمد على النجوم بقدر جنوحها الى اللعب الجماعي في اطار فريق متماسك.
ولم يشفع لميسي فوزه بالكرة الذهبية لولا انه تدارك الموقف في ليلة أربعائية تاريخية عام 2015 حينما نجح في هز شباك مانويل نوير مرتين في ذهاب النصف النهائي ببرشلونة (0/3) قبل ان يعبر فريقه البارصا الى النهائي بمجموع (5/3) وينتزع لقبا مستحقا من يوفنتوس (3/1) ويسجل بصمته الخامسة في عصبة الابطال، لينضم مدربه الحالي الاسباني لويس انريكي الى الراحل الهولندي العالمي يوهان كرويف (1992) ومواطنه المتميز فرانك ريكارد (2006) و العبقري الاسباني غوارديولا (2009 – 2011)… في قائمة المدربين الذين الهبوا حماس جماهير البارصا، وسجلوا أسماءهم بمداد الفخر و الاعتزاز في ذاكرة هذا النادي العريق.
لقد تعصب بعض المغاربة الشباب بصفة خاصة لليونيل ميسي واعتبروه اسطورة لا تقهر وبكوا لبكائه وحزنوا لحزنه ليلة اضاعته لضربة الجزاء الاولى امام الشيلي.
والواقع ان جل هذه الجماهير المتعاطفة مع ميسي انما هي متماهية مع الفريق الكاتالوني (اف.س برشلونة) قلبا وقالبا، لأنها تؤمن لاشعوريا ان هذا النادي من كوكب اخر كما يحلو للاعلام ان يتلاعب بعقول الناس بعد الاستحواذ على مشاعرهم.
خلال موسم 2011/2012 وعلى ملعب أولدترافولد بالعاصمة الانجليزية لندن، تكهنت صحيفة ” الغارديان” البريطانية الشهيرة أنه لا يمكن لأي مدرب و لا لأي لاعب في العالم أن يوقف ميسي لأنه من كوكب آخر…
وأن فريق تشيلسي سيكون محظوظا اذا سقطت الأمطار وتحول الملعب الى برك مائية، و أضحى عبارة عن مساحات للانزلاق و التزحلق… وهذه هي الحيلة الوحيدة لايقاف ميسي في تهكم واضح لصحيفة بريطانية ضد فريق عاصمتها. صحيح أن لندن هي مدينة الضباب وعاصمتها بامتياز… لكن في ذلك اليوم التاريخي لم تسقط الأمطار، ولكن ذوي الخبرة من أبناء تشيلسي هزموا برشلونة (1/0) بقيادة المخضرم العاجي ديديه دروغبا، وقد أثنى عليهم المدرب الايطالي دي ماتيو ورد أسباب النجاح في هذه المقابلة الرياضية (وليست موقعة حربية كما صورها بعض الاعلاميين المتطفلين) الى ذوي الخبرة في فريقه: كول/ دروغبا/ راميريز/ تيري/ تشيك/ لامبارد…)
سجل دروغبا الهدف الوحيد في هذه المواجهة بعد تمريرة من البرازيلي راميريز بعد تلقيه لكرة طويلة من لامبارد اختطفها من ميسي في وسط الميدان.
في الاياب تقدم برشلونة بهدفين بعد طرد تيري، وقبل نهاية الشوط الاول كانت تمريرة فرانك لامبارد مرة اخرى نحو راميريز الذي أسكنها الشباك. وكان الحظ مع تشيلسي اذ ضيع ميسي ضربة جزاء اصطدمت بالعارضة الافقية بعد خطأ من دروغبا الذي عاد ليساعد دفاعه.
وكانت المفاجأة كبيرة في نهاية المقابلة، اذ اندفع كل لاعبي البارصا وتركوا اللاعب المتميز توريس يدفع كرة مرتدة امامه ويراوغ فالديس وينهي المقابلة بـ 2/2 معلنا اقصاء برشلونة. هذه الهزيمة وحدها كانت كافية لغوارديولا لينسحب من برشلونة بعد ان حقق مع هذا النادي كل الألقاب الممكنة محليا و قاريا وعالميا.
في ذلك المساء لام الكثير ميسي لانهم يعتبرونه لاعبا خرافيا و بعض المتفرجين بمقاهينا شككوا في اخلاصه لفريقه في ذلك المساء، خاصة وانه وفريقه انهزما قبل ثلاثة ايام امام الغريم التقليدي الريال بملعب نيو كامب (2/1) لكن المدرب المقتدر غوارديولا قال ان وصول فريقه برشلونة الى النصف النهائي انما كان بفضل ميسي بالدرجة الاولى، ولا توجد وصفة سحرية لتسجيل ضربات الجزاء في جميع الاوقات. وهو ما أكده في اليوم الموالي المدرب المقتدر جوزيه مورينيو مدرب الريال حينما ضيع رونالدو ضربة جزاء ترجيحية وكان قد سجل هدفين اثناء مجريات المقابلة مع بايرن ميونيخ، لتنتهي مقابلتا الذهاب و الاياب متعادلين 2/1 و 1/2 اي 3/3 ويتم الاحتكام الى الضربات الترجيحية التي افرحت البايرن مؤقتا لأنها هي نفسها من اسقطها بملعب ارينا أمام تشيلسي الفائز لأول مرة في تاريخه باللقب الأوروبي سنة 2012.
كريستيانو رونالدو فاز بالكرة الذهبية ثلاث مرات وتوج بكأس عصبة الابطال الاوروبية ثلاث مرات مع مانشستر يونايتد سنة 2008 رفقة المدرب الشهير الاسكتلندي أليكس فيرجسون، وخسر معه نهائي 2009 كما فاز باللقب ذاته رفقة ريال مدريد مع المدرب الايطالي المقتدر كارلو أنشلوتي 2014 و المدرب الفرنسي الكبير زين الذين زيدان َ2016 ، وعلى حساب نفس الفريق أتلتيكو مدريد بقيادة الملهم الارجنتيني دييغو سميوني.
ورغم ان فريق ريال مدريد احتل الرتبة الثانية في بطولة هذا الموسم 2015/2016 وأقصي من كأس الملك بسبب خطأ تقني لا يرتكبه الا الهواة، فان الكرة الذهبية تميل لمعانقته مرة اخرى… ذلك ان الفريق الاول للعاصمة الاسبانية هزم في ليلة تاريخية فريق الاتلتيكو مدريد بالضربات الترجيحية و انتزع اللقب 11 في تاريخ هذه الكأس.
لقد أخرج المدرب البرتغالي دوسانطوس ، الذي لم يذق طعم الهزيمة مع بعد مع فريقه الوطني، رونالدو من الملعب وهو يذرف الدموع امام ملايين المتتبعين من مختلف بقاع العالم بناء على رغبته، وكان حريا بالمدير الفني للبرتغال الاحتفاظ بهذا اللاعب ولو رمزيا لولا ان رأي و قدر أن حركاته ستكون معدودة، بل وشبه معدومة، وصابته ستزيده الما وحالته النفسية ستعرف تدهورا .
سنة 1970 لعب فرانز بكنباور نصف النهائي امام ايطاليا وهو يحمل جبيرة… لقد رأى مدربه ان وجوده في الملعب يمنح شحنة معنوية لأصدقائه وأن خروجه سيمثل ضربة قاضية لمعنوياتهم.
أحمد فرس اللاعب الدولي المغربي الذي فاوضه فريق ريال مدريد فرفض الانضمام للفريق الاسباني، لعب مقابلة برجل واحدة كما قال ذلك الراحل (أحمد الغربي) ومع ذلك سجل كرة برأسه أشبه بلوحات ”جايير زينهو” (و التعبير للواصف الرياضي الكبير ”الحسين الحياني”) ناب الرأس عن القدم، وهكذا حال الفنان كله مواهب ….
في سنة 1985، وبمركب الامير مولاي عبد الله بالرباط، دارت مقابلة الاياب بين فريقي الجيش الملكي بطل المغرب، وفريق الزمالك بطل مصر، أنهى الفريق المصري الذهاب لصالحه بالقاهرة (1/0) عن طريق ضربة جزاء، وشاء الله أن يهزمه الفريق المغربي وبنفس الطريقة (ضربة جزاء) ترجمها الى هدف اللاعب شيشا.
وقد كان التيمومي هو المعول عليه، لكنه اصيب بكسر وخرج يلتوي يمنة ويسرة من الألم محمولا على سيارة الاسعاف… وما ان علم زملاؤه بكسره حتى ضاعفوا جهودهم، تماما كما فعل البرتغال لحظة الانسحاب المرغم لرونالدو…فأصبح ” الغريسي ” نجما، و تحول ” هيدامو ” الى صانع العاب، وبات ”دحان” مايسترو الفريق، واشتد عود الدفاع العسكري بقيادة: الفاضلي، وداني، و حمدي، و اللمريس، ليتشكل حائط صلب يدافع عن مرمى الحارس ” أحمييد”.
وشاء الله ان يحتكم الفريقان الى ضربات الجزاء وكان آخر مسجل اللاعب شيشا من جديد، ومر فريق الجيش الملكي الى النهاية مواجها فريق بليما لولومباشي الزاييري ” وهو انغلوبير الكونغولي سابقا.
أنهى الفريق العسكري الذهاب ب (2/5) في غياب التيمومي، وبقيادة هيدامو كما عول على ذلك الراحل المهدي (خوسيه) فاريا، قبل ان ينتهي نزال العودة بالزايير بـ (1/1) ويفوز الجيش الملكي باللقب الوحيد الموجود في خزانته على مستوى عصبة الأبطال الافريقية بمجموع (3/6) وقد نقل لنا عبر الاذاعة اطوار هذه المواجهة الحاج عبد اللطيف الشرايبي بأمانة وحماس.
اما زين الدين زيدان الفرنسي فقد انسحب من منتخب بلاده الوطني، ولكنه تحت ضغط وسائل الاعلام التي أظهرت استطلاعاتها أن رايمون دومنيك على وشك الفشل في التأهل الى نهائيات كأس العالم بألمانيا سنة 2006.
ولهذا بادر زين الدين زيدان فأعلن عودته مرفوقة بكلود ماكليلي و ليليان تورام، وهو ما سهل على الفريق الفرنسي التأهل الذي كان بعيد المنال.
وفجرت فرنسا مفاجأة من العيار الثقيل اذ هزمت البرازيل في ربع النهاية بقيادة رونالدو ورونالدينهو بهدف يتيم كان من توقيع تيري هنري.
وتألق زيدان مع مرور الوقت وأضحت فرنسا المرشحة الاولى للفوز بالكأس العالمية رقم 18 في تاريخ اللعبة…لولا ان ايطاليا تحت اشراف مارشيلو ليبي وبوفون تعادلت (1/1) وسجلت ضربات الترجيح الخمسة، بينما اصطدمت قذيفة تريزيكي بالعارضة وقد طرد الحكم زيدان لارتكابه مخالفة واضحة متعمدة بضربة رأسية في صدر اللاعب ماتيرازي.
وما يهمنا هنا بالدرجة الاولى هو ان بعض اللاعبين يمثلون روح الفريق فبوجودهم ترتفع الروح المعنوية لزملائهم، وفي غيابهم قد يفشلون وتنتابهم حالة من الفراغ، ويغالبهم الاحباط، اللهم الا كان الفريق قد خضع لمساندات نفسية مسترسلة تحفز المجموعة على تجاوز النجومية و التكتل في اطار فريق متكامل يفجر طاقاته الاحتياطية.
وعاد رونالدو نفسه ليرفع كأس الاتحاد الاوروبي للفرق عندما فجر منتخب بلاده مفاجأة من العيار الثقيل وهو يهزم الفريق الفرنسي فريق البلد المنظم…وفي عاصمة الأنوار باريس، وأمام جماهير غفيرة حجت لملعب سان دوني لمساندة فرنسا، وهي شبه مؤكدة ان الفرنسي أنطوان غريزمان سينتصر لنفسه، وسينتقم لفريقه الاتلتيكو من رونالدو ورفاقه…لم يكن غريزمان في يومه. وفي الدقيقة 78 أقحم مدرب البرتغال لاعب ليل الفرنسي Ider الذي هزم الجميع.
ورفع رونالدو، (الذي غادر الملعب باكيا) في الدقيقة 24 بعد اصابة في الركبة، الكأس عاليا ولأول مرة في تاريخ البرتغال.
عندما خرج رونالدو اعتقد بعض قليلي التجربة من الجمهور الشاب، من عشاق اللاعب البرتغالي ان هذا الانسحاب سيكون وبالا على الفريق…لكن الفريق البرتغالي تدارك ذلك وتحول الى فريق دون نجوم يلعب بطريقة جماعية رائعة، لقد تخلص رفاق لاعب العاصمة الاسبانية من عقدة رونالدو الذي يمرر و يقذف وينفذ ركلات الترجيح و الضربات الثابتة، ولا بد من إرسال الكرات تجاه رأسه لعله يقتنص واحدة منها كما فعل أمام ويلز في نصف النهاية، او كما ابدع عندما سجل في مرمى برشلونة كرة جميلة برأسه كانت كافية لفريقه الريال ليفوز بكأس ملك اسبانيا سنة 2011.
لقد لعب المنتخب البرتغالي كرة جميلة في غياب العميد المعول عليه الذي بكى وهو يغادر الملعب، وبكى معه أنصاره وشاركه المعجبون بريال مدريد بكاءه…فالبعض كان يستحضر الريال ومصير النادي الاسباني فيما اذا بقي كرسيتيانو رونالدو أسير آلامه تعاوده بين الفينة و الاخرى. ولعل الجمهور يتذكر ملايير الدولارات التي صرفها الفريق الملكي وهو يعالج البرازيلي الاسطورة رونالدو مما أضاع على النادي المدريدي نقطا كثيرة وفرصا لا تعوض في غياب نجمه البرازيلي.
اذن فبكاء البعض، وتهجم الآخرين وذهولهم، وصمت الكثيرين صمتا مريبا انما يفسر بكون الجمهور المغربي يفكر بتفكير الريال، ويتأثر لاصابة لاعبيها حتى ولو كانت المقابلة تجري في سياقات بعيدة عن الليغا الاسبانية.
فغسيل البطولة الاسبانية يستحم به جمهور رياضي لا يستهان به في وطننا الحبيب مع الأسف، يغتسل به ويسبح فيه لا شعوريا رغما عن الروائح المنبعثة منه والتي قد تزكم الأنفاس…. لكن بعض عينات الجماهير المغربية تعودت على التبعية العمياء للريال او البارصا… وبذلك يمكن تبرير بكاء البعض وفرح البعض الآخر داخل نفس المقاهي المغربية.
لقد وصف الزعيم الهندي (رئيس الوزراء) جواهر لال نهرو الشيوعيين الهنود بقوله : عندما تسقط الامطار في موسكو يخرج الشيوعيون الهنود حاملين لمظلاتهم في شوارع نيودلهي. في اشارة منه الى غياب الوعي والتفكير السليم عندما تتماهى مع شخص او حزب او لاعب او فريق او قبيلة.
ولذلك قال القرآن الكريم ” ان اكرمكم عند الله اتقاكم “. وفي هذه القولة تأكيد على استبعاد العنصرية القبلية من تفكير الانسان السوي لفائدة الكرامة و التقوى…
فالعنصرية تستحوذ على تفكير الانسان في شكل ولاء أو ايمان مطلق بقدرات الآخر على انجاح اي مشروع في أي سياق كان، أو تبعية كلية لمجموعة او جماعة دون قدرة على ابداء الرأي أو البديل، ولا حتى ابداء معارضة أو نقد مهما كان ايجابيا.
ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن العنصرية فقال: ” دعوها فإنها منتنة “. وعليه فطالما وجهنا اساتذتنا الكرام الى ايلاء تمثلات المتعلمين أهمية كبرى أثناء ممارسة فن التدريس… فالتمثلات ليست تفكيرا خاطئا وانما هي خطأ في التفكير… ومعلوم ان المعرفة العلمية المنظمة تبنى على أنقاض المعرفة اللاعلمية العشوائية، والمعرفة اللاعلمية لا تغدو ان تكون تمثلات خاطئة…
خلاصة وتركيب:
لقد تطرقنا فيما سبق الى عشق فئة عريضة من شباب المغرب لرونالدو أو ميسي، بسبب ولائهما اللاشعوري لفريقين اسبانيين هما ريال مدريد و برشلونة، الى درجة ان البكاء انما يترجم حالة من الضيم النفسي، وينطق بالحسرة على خسارة النموذج/البطل الذي لا يقهر… وعندما ينهزم كأن محبيه يتوسلون اليه الا يلقي بالراية البيضاء، فيستسلم وينسحب، بل يؤازرونه ويشفقون عليه لعله يتراجع عن احساسه بالذنب مثلما حصل لميسي وهو يقدم استقالة من المنتخب الارجنتيني… لقد سبقه الى ذلك لاعبون كبار من امثال ميشيل بلاتيني الذي احرج زملاءه و مدربه هنري ميشيل حينما انسحب في صمت من المنتخب الفرنسي مصرحا بأن كرة القدم لم تعد تمتع. ولقد فعلها كرويف مباشرة بعد ضياع اللقب العالمي من هولندا لصالح المانيا 1974 (2/1) فهل هذه هي وضعية ليونيل ميسي حاليا ؟؟ هل وصل الى التخمة الكروية فلم يعد يحتمل المزيد ؟ أم ان ادواره كما ينتظرها منه محبوه و المعجبون به في كل مكان لم تتحقق؟؟
وفي جميع الاحوال فان انسحاب ميسي ليس نهاية الدنيا لأن البطولة الارجنتينية التي تعد اقوى دوري عالمي بشهادة النقاد و المتتبعين قادرة على انجاب نسخ طبق الاصل من مارادونا وميسي… وبامكان الارجنتين الفوز بكأس العالم للمنتخبات او بالكأس القارية بدون ميسي ( لقد تراجع ميسي عن قراره بعد ملتمس من الجامعة الارجنتينية).
سيبقى رونالدو، أو ميسي، أو كرويف، او بيليه، أو بيكنباور، او بلاتيني، مجرد لاعبين من النوع البشري العادي يمكنهم النجاح ببراعة في مناسبات كما قد يتعثرون في اخرى…
اما الكرة الاسبانية فهي تعيش لحظات عصيبة، فبعد اقصاء منتخب بلادها في الدور الاول سنة 2014 بالبرازيل، بعد الهزيمة التاريخية امام هولندا (5/1) ثم الشيلي، ها هو الفريق الاسباني يخرج من ثمن النهائي امام ايطاليا بفرنسا 2016. نحن الآن امام اعادة ترتيب البيت الكروي الاسباني خاصة بعد انسحاب المدرب المقتدر ديل بوسكي الفائز مع الريال بعصبة ابطال اوروبا مرتين 2000 و 2002 ومع المنتخب الاسباني بكأس العالم 2010 وببطولة اوروبا للمنتخبات 2012.
صحيح ان الفرق الاسبانية استحوذت على الدوريات الاوروبية للنوادي كإشبيلية و البارصا و الريال و الاتلتيكو… لكنها تعتمد في تركيبتها البشرية على لاعبين متميزين اجانب… وقد آن الاوان لضبط الاحتراف بهذه الفرق والا فاسبانيا لن يكون مصيرها احسن من انجلترا و بطولتها ستفقد الشهرة واللمعان وسيغادرها كل متفرج او متتبع يتذوق الفن الرفيع للكرة نحو انجلترا، الارجنتين، هولندا، ايطاليا، المانيا.
أما جمهورنا المغربي فإننا ندعوه الى الانكباب على البطولة الوطنية المغربية بدعم فرقها وتشجيع نجومها، والدعاية لمنتخبنا ومؤازرته ليتأهل الى كأس العالم بروسيا بعد ان غاب عنه منذ دورة فرنسا 1998…فالبناء عملية جد صعبة و ما اصعب ان تشارك فيها، اما الهدم فسهل، والنقد الايجابي غائب لدى جمهورنا لصالح النقد الهدام، ولا يعني هذا اننا ندعو الى الانغلاق، فنحن نمارس التربية و التكوين ممارسة علمية علمتنا كيف نطرد التزمت ونحارب التعصب و التحيز لأي كان.
فقط نحن نلتمس من شبابنا تشجيع فريقها المفضل دون الاساءة الى الفريق الخصم، فبقليل من الروح الرياضية يمكن التعايش مع الآخر داخل الميدان و خارجه دون شتم او مقاطعة او لمز و همز، وبعيدا عن احداث الفوضى و التصرف وفق سلوكات همجية غير متحضرة.
وما أحوجنا الى توحيد جهودنا حول فريقنا الاول، وبطولتنا، ودعم نوادي مدننا.

خلاصة القول فلنكن وطنيين مغاربة.
أيها الجمهور المناصر، ايها المشجع الرياضي :
- عندما تشجع فريقك كن معه في السراء والضراء، فأنت ان كنت معه في اوقات السراء فحسب، وتخليت عنه في لحظات الشدة وفيها يعرف الصديق، اما في لحظات اليسر فما أكثر زوار مائدتك الدسمة…ستكون من الوصوليين و الانتهازيين. واعلم ان الطفيليين يعانقونك، والانتهازيين يفتخرون بك عندما تكون في يومك، وينأون بأنفسهم عنك متنكرين لجميلك عندما لا تكون في يومك، فلا تكن من أشباه الطفيليين الذين حملوا السيوف مع معاوية وقلوبهم كانت مع علي.
- عندما يكون فريقك متخلفا بهدف او هدفين فلا تزد الطين بلة بصفيرك واحتجاجك على اللاعبين والمدرب والطاقم الاحتياطي، فأنت في مثل هذه الحالة، ترفع درجة الغليان لدى اللاعبين الذين يحترقون وهم في اشد درجات التعصب، وعوض ذلك شجع فريقك وحتى لو انهزم فان الهزيمة ليست نهاية الدنيا وانما ينبغي ان تكون محطة وفرصة لاعادة ترتيب الاوراق.
- تذكر ان الذي يطلق الكلام على عواهنه، ويوزع شطحاته وسقطاته وزلاته هنا و هناك لكي يضحك الجمهور، انما هو انسان يحتاج الى تربية سليمة وربما قد عانى من عقد في الطفولة، وهو أسير مكبوتاته و لاشعوره. هذا الانسان لا يحتكم الى صوت العقل، وقانون اللعبة وانما يتبع هواه.