لاحظت منذ سنوات عديدة أن التلميذة المغربية ترتدي وزرة على عكس زميلها الذي لا يرتديها وحين سألت بعض التلميذات والأساتذة بالسِّلكين الإعدادي والثانوي فوجئت بعدم المساواة بين الذكور والإناث بحيث لا يسمح للتلميذة بالدخول الى المُؤسسة إذا لم ترتدي الوزرة في حين أن زميلها الذكر يسمح له بالدخول بدون وزرة! و وجدت أن هذه المِسطرة غير عادلة وفيها تمييز جنسي. فسألت عدة أساتذة عن سر هذه المسطرة واندهشت حين علمت منهم أنه ليس هناك نصوص قانونية تفرض على التلميذات ارتداء الوزرة وأنه نظام عُرفي بكل بساطة بدون أن يثير الأمر اهتمامهم على وجه الخصوص. ولما سألت التلميذات كذلك عن هذه المِسطرة كان جوابهن كالتالي “بْزَّافْ دْيالْ الأساتذة مَكيْبغيوْش يْقَرِّوْ بنات عْريانات والمؤسسة كتفرض البْلوزَة بْلخُصوصْ فالصيف”.
وذهبت أتساءل في فكري ما معنى عبارة “بنات عريانات” و ما تُرسخه في ذهن الأنثى وما مدى انعكاس هذا الفكر الخطير على سلوك الإناث مستقبلا في مجتمعنا المغربي وإجبارهن على زي معين يلزمهن ارتداؤه والذي يُفرض عليهن من طرف العقلية الذكورية بدون أن يتساءلن عن مدى تطاول وتجبر الفكر الذكوري عليهن و ممارسة التمييز التعسفي ضدهن!
إذن إذا لم ترتدي التلميذة الوزرة و حتى لو أنها خرجت من منزلها بزي عادي برضى والديها فإنها تعتبر “عريانة” في نظر مؤسستها التعليمية و تُمنع من دخول قسمها؟ كم هو أمر مُشين و خطير!
بطبيعة الحال المؤسسة تبرر هذه المِسطرة أو العُرف بأنها مؤسسة تعليمية ولها حُرمتها ويجب احترامها وأنا متفق تماماً مع هذا المبدأ الذي أحترمه كل الاحترام و لا أنكر أن جميع التلاميذ من واجبهم أن يحترموا مؤسستهم وطاقمها التربوي و الإداري بسلوكهم وأخلاقهم وكلامهم وملبسهم. و من الطبيعي على التلميذ أن يرتدي لباساً مُحترماً ونظيفاً عند دخوله لمؤسسته وهذا ما يفسر لنا أن عدداً كبير من الدول في العالم تلزمُ تلاميذها إناثاً وذكوراً بارتداء زي مدرسي موحد مثل المدارس العسكرية مثلا. فإذا كان هذا هو سر ارتداء الوزرة فلماذا المؤسسات التعليمية المغربية لا تفرضها كذلك على التلاميذ الذكور؟ وبهذا الشكل نتجنب هذا التمييز الجنسي العنصري الذي يُمارس ضد التلميذات في الصفوف الدراسية.
لكن اذا كانت للوزرة عند التلميذة وظيفة أخرى فهذا أمر خطير تقوم به المؤسسات التعليمية. الشيء الذي تمكنت من استخلاصه بعد أبحاثي في هذا الشأن هو أن التلميذة بحكم أنها أنثى وفي مرحلة المراهقة وجسمها يترعرع بسرعة ولكن بفكر صبياني فتتحرك عفوياً بدون مبالاة وهذا يشكل خطراً جنسياً على أمن شعور المؤسسة ولهذا يجب عليها ارتداء الوزرة حتى لا يتزعزع ما لا يجب زعزعته وكأن الذكر لا أخلاق له ولا سيطرة له على شعوره ويميل حيث تهب الريح. فأين هي المشكلة؟ هل هي عند التلميذة المراهقة أم عند المؤسسة؟ و من يرافق الآخر؟ التلميذة أم المؤسسة؟ من يُكوِّن الآخر ويحميه؟ المؤسسة أم التلميذة ؟
فما أبعاد تأثير هذه المِسطرة على المراهقة والمراهق وما تحمله من رموز ورسائل اللاوعي؟
فما هي رمزية اجبار التلميذة ارتداء الوزرة المدرسية على عكس زميلها؟ كأن المؤسسة تقول للمراهقة :”جسمكِ يشكل خطراً جنسياً ويفتن المؤسسة استريه بواسطة الوزرة الإلزامية”! فكيف للمراهقة أن تتطور وتنضج بشكل طبيعي في جسم يشكل خطراً على الذكور؟ و حينما نفرض ارتداء الوزرة على التلميذة فإننا ننمي عند الفتاة الحس بقوة جسمها وقدراته على زعزعة الأحاسيس الجنسية “الهشة” لدى الذكور وبهذا الشكل نشجعها لا شعورياً على الانحراف الخلقي وعلى توظيف جسمها بشكل غير لائق! و حينما نجبرها على الانصياع و الخضوع لوصاية المؤسسة بحكمها أنها أنثى فإننا نعدها بشكل تلقائي للخضوع و التبعية الكلية و الانقياد الأعمى للسلطة الذكورية مستقبلاً دون أي وعي او استقلالية.
أما التلميذ فما الذي سيقرؤه من فرض ارتداء الوزرة على الأنثى وليس عليه؟ أول شيء سيقرؤه هو انعدام الانصاف في التعامل بين الجنسين والسكوت عنه وبأن الذكر أعلى مقاماً و امتيازاً من الأنثى ويجب عليها وحدها أن تخضع لقوانين خاصة بها تطبق عليها فقط وبأنه ليست لها نفس الحقوق والحريات التي يتمتع بها الذكر. وطبعاً هذا يزكي التربية التي تلقاها في المنزل بحيث يُباح له ما يُمنع على الأنثى ومن هنا نُرسخ في ذهنه بأنه له الحق مستقبلاً في تسيير زوجته حسب مزاجه و ممارسة التمييز ضد بناته. وكما أن المؤسسة بهذا العُرف غير المنصوص عليه قانونياً قد فُرضت الوِزرة على التلميذات فما الذي يضمن أن تفرض عليهن بنفس المنطق النقاب ؟
فما هو دور المؤسسة التربوية إلى جانب التعليم؟ اليس غرس المبادئ الانسانية والمدنية والوطنية وفق نهج ديمقراطي؟ اليس من دور المؤسسة التعليمية ترسيخ مبادئ المساواة بين المواطنين ذكوراً و إناثاً ؟ فهل إجبار التلميذة على ارتداء الوزرة على عكس زميلها لا يعتبر تميزاً جنسياً ينتهك قيم المساواة بين الجنسين و يهتك حقوق المرأة و يمس حقوق الانسان؟ً فكيف لأبناء مدارسنا بناء مجتمع أفضل و أكثر تناغماً و ازدهاراً بهذا السلوك المؤسساتي التمييزي الغير المنصف و الجائر في حق بناتنا و وطننا؟