أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

هنيئا للبشر لما فعلوه بكرتهم الأرضية !

هنيئا للبشر لما فعلوه بكرتهم الأرضية، بعد أن صيّروها جهنّم صغيرة، و فرنا كبيرا يحترق داخله الناس، البشر ضيفان الأرض الذين لم يستطيعوا الحفاظ على الدار كما أُورثوها أول مرة، ونزلوا فيها حرقا و تدميرا و تلويثا، وأوقدوا نارها و سعّروا جمرها، حتى أضحت أتونا كبيرا ومرجلا مسدود الفوهة، يُلقي بحممه و شواظه من كل جانب.

غار الماء وبعدت الفصول الثلاثة الأخرى، و انتصب الصيف فصلا وحيدا سرمدا، واستعجل الناس الجحيم الأكبر، وصنعوا واحدا صغيرا يلفح الناس و يشوي جلودهم قبل الأوان و الميعاد.

عندما تحل حمّارة القيظ، يسلخ الناس جلودهم ، ولا يطلبون غير الماء، و عند الهاجرة ، يهجر الناس أبدانهم و أرواحهم و يكمنوا في جحورهم، مستظلين بخيط رقيق من الفيء، إن وجدوه.

ذوات الدم الساخن تهاب الحر والقيظ، ويقتلها العرق، وينشف جلودها، ويجعل ألسنتها تتدلى من مواضعها، و أدمغتها تدور في قدورها.

وفي دربنا الكبير، نحن الذين لا ناقة لنا و لا جمل، في ما أتاه المسعّرون الحقيقيون للكوكب الوحيد، يضحي المشي على الإسفلت ، كالمشي فوق الصراط اللاهب، و بقرون استشعارهم يتحسسون التراب الندي ، تماما كما تفعل الفراشات الرمادية، فلا أحد يستطيع منادمة الرمضاء، تصهل في وجه جليسها، و تتركه عرضة للاحترار و الاجتفاف، و ماذا يتبقى منه ، عندما يتبخر ثلُثاه؟…لا شيء. كتلة من العظم و اللحم لا تكفي لصنع بشر.

لا شيء يرعب الكائن البشري، ويخل بتوازنه، أكثر من الصهَد، و العرق المالح ، ولا شيء يجعله يتقلب في مضجعه، أكثر من السموم و الحرور، فما أغبى البشر، عندما يلوون أعناقهم ، يمسحون الأرض بحثا عن ظل شجرة، و السواطير الماضية ما تزال في أيديهم، و التصاميم الهوجاء ماتزال مطوية في جيوبهم الفارغة.

ويقوم الدليل، على أن الإنسان هو الكائن الأشد جشعا وافتراسا و غباء، جشِع لأن موارد الأرض استنفذها في مهد البشرية الأول، و مفترس لأنه أباد كائنات الأرض الأخرى ( يتفرغ اليوم لإبادة بني جنسه)، وغبي لأنه يحفر عن حتفه بأظلافه، قلب ألأرض وشرّد الأقوام ، يحفر عن البترول والذهب، حتى أتته السموم تتغشاه من منخريه ، و شرب الماء الأجاج حتى انفجرت كِليتاه.

فمثَل البشر مثل النعجة العجفاء، سيلقون حتفهم بأظلافهم و بمناشيرهم و مجنزراتهم، التي غاروا بها في الأرض عميقا، ينبشون قبورهم ، يحفرون و ينقبون عن الطاقة الأحفورية، التي ستكوي رئاتهم. ينصبون مشانقهم ليتدلوا من فوقها، و يتطاولون في البنيان، حتى إذا جاء السقوط ، جاء حرّا مفتِّتا، لا يبقي و لايذر. وبسبب من ذلك، يتقلب الورى فوق الصفيح الساخن، و يكتوون بلفح اللهب ، القادم من حرّ الناس و الأنفاس.

عندما أُنزل الإنسان من جنة السماء إلى جنة الأرض ، نزل إليها و هي تعج بكل أنواع الكائنات الأخرى، تكريما له وتفضيلا، وسيغادرها و هو يعيش يتيما وحيدا منبوذا، فوق “الأرض اليباب”، أرض الجمر و الرماد. هذه هي سيرة البشر كما سطّرها لحد الآن، وهكذا نراها في الأرض التي أصبحت جُرزا، و في الهواء الذي أضحى سما خانقا، و في الماء الذي استحال رصاصا سائلا يعبه بنو الشر خاسئين.

ولعل أبلغ الدلائل على غباء البشر و سخافتهم، هذه التخريجة التي أبدعها البشر و سمّوها بحدائق الحيوان ، حيوانات ( بمعنى كائنات، وليس بالمعنى العامي القدحي) معزولة و مكبلة داخل أقفاص وزنزانات، تنظر في وجه الزوار، توسلا و شزرا، تتقافز داخل سجونها، حلما بالأبدية الخضراء المفقودة، التي استوطنها البشر و مسحوها من الوجود، يجدّ البياطرة و أصدقاء ” الطبيعة والحيوان” في الاعتناء بها و تنظيفها و تجديد نُطفها ، وهم يعلمون ( و هم أول من يعلم ) أن كل ذلك، محاولات يائسة، محكوم عليها بالفشل، بعد أن أباد البشر جل كائنات الأرض، و التفت متأخّرا إلى البقية الباقية، تداركا للخطأ الأول و تكفيرا عن الجشع الذي لا ينتهي، و ما يزيد الأمر تراجيدية، ويجعلها أقرب إلى البكائيات و المراثي، هو تلك الخُيلاء التي يمارسها الزوار، أمام تلك الأقفاص وهم يتطلعون كالبُله إلى ما تبقى من سكان الأرض الحقيقيين، وهم ينظرون إلى دليل إدانتهم.

و في الصيف ، ستُغرينا ” نايوبي” بالدمع المتفجر من حرّ الحجر و السهَام ، و متى أتى الصيف سنترجّاها أن تفيض علينا، وهي ترثي أبناها المفقودين.

يقول الشاعر الفلسطيني ” لابد من نصر إذن” و نحن نقول ” لا بد من جنة أخرى إذن”.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد