اسماعيل محمد حسينة
يقول “بدر شاكر السياب” في “رحل النهار”، مخاطبا زوجته:
رحل النهار
ها انه انطفأت ذبالته على افق توهج دون نار
البحر يصرخ من ورائك بالعواصف و الرعود
هو لن يعود
أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار
في قلعة سوداء في جزر من الدم و المحار
هو لن يعود
والسندباد في القصص العربية يرمز الى الرحلات و المغامرات غير محسوبة العواقب، و لعل الشاعر اسقط هذه الكلمة على نفسه، لأنه كان دائم التجوال، كثير الترحال و لكن من أجل العلاج… السندباد يعود كل مرة، و يفعل نفس الشيء، غير أن الشاعر العراقي السياب أيقن هذه المرة، أنه سوف لن يعود، و لذلك يعزي زوجته و يهيئها لما هو آت، والاتي ليس سوى الأسوأ، أي أن الأجل المحتوم قد أزف “لكل أجل كتاب” (الرعد).
و بتوقفنا عند جملة “رحل النهار”، يمكن أن نجزم بأنها تمثل انزياحا دلاليا، ففعل “رحل” متعلق بكائن حي، و “النهار” اسم مؤشر على ظاهرة فيزيائية غير عاقلة… اذن نحن أمام تنافر جلي، لا يمكن تفسير تناقضاته الا عبر تأويله، و عليه فان الشاعر يسقط رحيل النهار على أفول عمره. كأني به يصيح بأعلى صوته: إن عمري قد انتهى عمليا.
إن الرمز يسعى في وظيفته الى تكييف الصورة الشعرية و إغنائها، كما يضفي جمالا فنيا على ابعاد القصيدة.
لقد وظف بعض الشعراء العرب من المجددين في الشعر الحديث، الرمز والاسطورة في أشعارهم لاعطائها دلالات انسانية نابعة من التراث الانساني.
يقول احمد سعيد الملقب بأدونيس في قصيدته “الى سيزيف”
أقسمت ان اكتب فوق الماء
اقسمت ان احمل مع سيزيف
صخرته الصماء
اقسمت ان اظل مع سيزيف
اخضع للحمى و للشرار
ابحث في المحاجر الضريرة
عن ريشة اخيرة
تكتب للعشب و للخريف
قصيدة الغبار
اقسمت ان اعيش مع سيزيف.
تقول الاسطورة التي الهمت أحمد أدونيس (شعر سيزيف باقتراب الموت منه، فعمل على إقناع زوجته الا تدفنه تحت التراب… و بعد موته تواصل مع ملك الموت “هيديس” في عالم الموتى، ونجح في انتزاع موافقته بالعودة الى الحياة كي يطلب من زوجته أن تدفنه بطريقة صحيحة ليعود الى عالم الاموات… و لكن (أي سيزيف) راوغ و ماطل و تشبت بالحياة، فمارس الخداع و التضليل كي لا يعود من حيث رجع… و بقي على حاله حتى هرم، و مات…. فكان العقاب برفع الصخرة بالمرصاد جزاءا له على خداعه).
و هذه الاسطورة رديفة لمعنى الاستمرار، و عنوان للتفاؤل و تكرار العمل أملا في الخلاص. و قد اوردها ادونيس في شعره ليشير بها الى موقفه الشخصي من النضال في الحياة و رفض الاستسلام، رغم التعب و الروتين و تكرار الفعل… كما يستنجد بها للتعبير عن قيمة النضال الفردي و الجماعي (للامة العربية) في احقاق الحق و إزهاق الباطل، فما ضاع حق وراءه طالب، خاصة اذا كان الحق متعلقا بمحاربة الصهيونية التي جثمت على ارض فلسطين بقوة الحديد و النار، و بمباركة دول تتاجر في ملف خاسر اسمه فرض الامر الواقع على الامة العربية.
تجربة الغربة و الضياع و الحياة و الموت.
لقد ركب الشباب العربي، بعد نكسة 1948م، صهوة التمرد، بعد أن فقدوا الثقة في انفسهم، و ثاروا في وجه بيئتهم المتخلفة التي لم تزرع سوى اليأس و الخداع، فجنت ثمار ذلك هزائم وانتكاسات وترديات، و كان من نتائج هذا السخط الجارف الذي عم باطن كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ظهور شعر جديد يتغنى بمضامين جديدة، لخصها الناقد أحمد المجاطي (1936-1995) في تجربتين: تجربة الغربة والضياع، و تجربة الحياة و الموت.
عوامل انبعاث الغربة و الضياع: أحس الشاعر العربي بزلزلة تحت اقدامه بعد نكبة 1948م،لذلك حاول تسليط مصباح النقد على هذه المرحلة الحالكة من تاريخ الامة العربية، فتغنى بالغربة و الضياع و الكآبة و التمزق، و قد عانى الشاعر العضوي و هو يلتصق بهموم الشباب العربي الذين كانوا يعيشون حقبة عسيرة على المزاج، غير يسيرة على الروح، و هي أشبه ما تكون بفترة حداد. حيث استحوذ الكسل على تفكير خيال المثقف العضوي في العالم العربي من المحيط الى الخليج.
و ما يهمنا ان الشعر تحول الى فن معبر عن احساس مرير بواقع لا يستسيغه كل ذي كرامة، او صاحب مبدأ او موقف.
و من ذلك مثلا ما جاء على لسان صلاح عبد الصبور واصفا غربة الزمان:
هل تدري في أي الايام نعيش؟
هذا اليوم هو اليوم الثامن
من ايام الاسبوع الخامس
في الشهر الثالث عشر
لقد تنكر الزمان لشاعرنا، فأضحى في غربة قاتلة قاتمة، تمنى معها لو اعيد خلق الكون من جديد، لعله يجد فيه نفسه: الا صورة من جديد لهذا الوجود؟
و معنى هذا ان الشعراء دخلوا في جدال مع الكون و المدينة و الاحباء، بل و مع السماء، و منهم من تمنى الموت كوسيلة للخلاص من الواقع المأزوم و لم يكونوا الا معبرين امناء عن استياء المثقف و المفكر و العالم من ازمة واقعهم المعيش.
وانظر الى الشاعر يوسف الخال كيف صاغ فكرة الغربة و الضياع في كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في ميزان الدلالة:
رجلاي في الفضاء
و الفضاء هارب
وبصيغة على مقاس اللفظ الجامع المانع، عبر صلاح عبد الصبور عن انزعاجه من تنكر مدينته له، حينما تخيلها مدينة منيرة، لكنه سرعان ما اكتشف بانها وهم لا حقيقة:
اواه يا مدينتي المنيرة
هل انت وهم واهم تقطعت به السبل
ام انت حق؟
ام انت حق
و خلاصة القول ان تكسير البنية يعد بحق ، مرحلة ثانية في الشعر الحر المعاصر. جاءت لترفع شعار التجديد المفضي الى التعيير، و بالتالي فهي فترة تمرد و عصيان على الجمود او التجديد المحتشم الذين لازما القصيدة العربية، و هي ثورة ، ليس على الشعر الوفي لاصوله الاصيلة فحسب على بنية المجتمع العربي الذي يخضع افراده لا شعوريا للطاعة العمياء، و يعارضون في اغلبهم ثقافة التغيير، و جلهم يميل الى العض بالنواجذ على التقليد، معتقدين انه من تعاليم الاسلام، و اغلب هؤلاء لم يتبينوا قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ .
فالفرد العربي يستكين الى المحافظة التي اضحت لديه حفاظية، و يحن الى الماضي حتى لو كان مؤلما، و ينشغل بالمستقبل دون تخطيط او اعداد، مستعملا الميكي فيلية و الانتهازية و الانانية كأدوات لتحقيق اطماعه (ويا ليتها كانت طموحات مشروعة). يقول الشاعر السوداني الهادي آدم في قصيدة (اغدا لقاك) المؤداة من طرف كوكب الشرق المرحومة أم كلثوم، ومن الحان العبقري الاستاذ محمد عبد الوهاب رحمه الله:
قد يكون الغيب حلوا انما الحاضر أحلى
لقد كسرت هذه التجربة الجديدة القواعد الضاربة التي كانت متحكمة في القصيدة الاحيائية، وما قبلها…. فتم اعتماد نظام التفعيلة، والسطر الشعري بدل البيت و الاشطر. كما لجأت الى تبني التنويع في القافية و الروي، مع الاهتمام بالوحدة العضوية، واستعمال لغة بسيطة مستوحاة من الحديث اليومي.
وما دمنا نتحدث عن التقليد كسمة من سمات الانسان العربي، وجب لفت الانتباه الى ان هذه الموجة الجديدة التي هزت الشعر العربي قد تأثرت بالباحث الانجليزي “توماس اليوت” ، و بعض تعبيراتهم انما هي مستنسخة من قصيدة “الارض و الخراب”.
اما تيار ” تجديد الرؤيا” فقد ولد من رحم “تكسير البنية” و بقيادة ابرز رواد هذا النموذج الاخير كبدر شاكر السياب ، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور اضافة الى البياتي… دون ان ننسى احمد المجاطي الذي بالغ في انتقاد ” الاحيائيين” و “الرومانسيين”، و كانه يرى في “تجديد الرؤيا” المحطة الختامية التي كان لابد ان ترسو عندها سفينة الشعر و الشعراء…. على غرار ما فعله صاحب نظرية “نهاية التاريخ”. هذا وقد سبق “لفوكوياما” المفكر الامريكي من اصل ياباني ان تحدث بمناسبة سيادة العولمة- عن نهاية الانسان، والدولة، والتربية، و الاقتصاد، والسياسة. بمعنى ان الانسان الليبرالي و الديمقراطي هو اكمل و أتم صورة للانسان.
وهذا تصور ايديولوجي محض يجافي حقيقة الانسان المتغير بطبعه، و الذي لا يرضى بالجمود ولو سميناه استقرارا، فالتدافع سنة الله في كونه و في خلقه. و الافكار، انما هي بنات عقل الانسان، وهي اسقاط لمكبوتاته، و تفسير لمعاناته و ازماته:
واذا كان هاجس خطاب تكسير البنية يدور حول الدفاع عن الشكل الجديد للقصيدة العربية، و المتمثل في التفعيلة بدل العروض التقليدي، فان خطاب تجديد الرؤيا قد ذهب الى ابعد من ذلك: حيث التركيز على الانتقال من القصيدة الى النص، و من الدلالة الى الرؤيا. و من شعر التفعيلة الى قصيدة النثر.
و قد ساد خطاب “تجديد الرؤيا” في العالم العربي بعد ما صفع الانسان العربي بصدمة 1967م حيث قضت المقاتلات الاسرائيلية على حوالي 80 بالمائة من الطائرات المصرية و هي رابضة في مطاراتها، و لتسقط بعد ذلك اسطورة جمال عبد الناصر الذي لطالما ردد شعار”سنلقي باسرائيل في البحر”.
و هذه نكبة افظع من الاولى (1948): حيث احتلت الضفة الغربية بكاملها، و بسط اليهود سيطرتهم على القدس الشرقية و غزة و سيناء المصرية، و الجولان السورية… هذا الحدث كان كافيا لاعتناق معظم المثقفين و الشعراء، و الشباب العربي للايديولوجيا الاشتراكية و التحررية، و النهل من الثقافات الغربية على مستوى الابداع و النقد، و معانقة الحداثة التي قد تعني قيام بنى اجتماعية جديدة، و الثورة على السائد الذي اصابه الصدأ: أي ان خطاب تجديد الرؤيا كان له مطلب يتمثل في التساؤل حول الممكن، مع الاحتجاج على السائد… بمعنى اخر تجديد الرؤيا هو تيار انخرط بقوة في معالجة المشكلات الفكرية، و ساهم في تحرير العقل العربي من الخوف و الهزيمة و الاستسلام.
لقد حاول أدونيس و البياتي و السياب… الترويج في خطابهم:
لقيمة الانتصار على عقدة الخوف و العجز: فالهزيمة ليست سوى شيء نسبي، و الاهم ان يستفيد الانسان من اخطائه، و العجز كل العجز انما هو ان تبقى حيث سقطت، اما اذا نهضت و سايرت و عزمت على نصر جديد في ظروف مناسبة، فهذا ليس عيبا… خاصة و ان المثل العربي يقول : ” لكل جواد كبوة”. و القران الكريم علمنا انه:” و تلك الايام نداولها بين الناس”.
مبدأ التضحية و ثقافة النضال: حيث نبذ الاستسلام و الخنوع. و ركوب قطار الاجتهاد و السعي نحو الافضل… لقد تعلمنا من المصطفى صلى الله عليه و سلم ان التواكل مذموم. و التوكل محمود، و من ذلك ان رجلا سأل النبي (صلعم)حول ناقته: ااعقلها، ام اتوكل؟ فكان جواب رسول الانسانية:” اعقلها و توكل”.
فالموت عند احمد المجاطي ملتصقة بالتضحية، و العمل و الفعل، والمبادأة والمعاناة ، وهي طريقة محفوفة بالمخاطر، و لكن يؤدي ذلك الى النصر و الحياة بكرامة و حرية.
لثقافة التشبع بفحولة التاريخ، و اللجوء الى الاسطورة، و التعبير البليغ عن طريقة فك شفرة الرمز و دلالاته.
للتنزيل الميداني بالفعل، لا بالانفعال، لمبدأ التساؤل و التسلح بعزيمة الصراع… فما ضاع حق وراءه طالب، فما بالكم اذا كان الحق مغتصبا من طرف عصابات تؤمن بالخرافات و الاوهام، و تأبى الا ان تطبقها على ارض محتلة، قالت “غولدا مائير” عن اصحابها يوما:” الشعب الفلسطيني؟ أنا لا أعرف شعبا بهذا الاسم.”
ولقد نجح الضغط الشعبي على الحكام، و ادى التأثير المباشر لنكسة 1967م على بنية و مضمون القصيدة العربية… الى الدفع باتجاه تبني اطروحة ثقافة “ثنائية الموت و الحياة”… و هو ما ادى الى اختراق خط “بارليف” يوم06,10,1973 م، و تحقيق انتصار عسكري معنوي على ترسانة عسكرية “لا تقهر”. و هو ما ادى الى تحرير سيناء نهائيا بعد زيارة السادات للقدس 1977م ثم التوقيع على اتفاقية اوسلو1993م مع ياسر عرفات و محمود عباس، و ابرام اتفاقية وادي عربة مع الاردن، و لكن الغطرسة الامريكية، و التحدي الصهيوني زادا عن حدهما مؤخرا.
لذلك فثقافة “ثنائية الموت و الحياة” لا زالت سائدة الى ان تصبح “الرؤيا” حقيقة تمشي على الارض.
ولكن ماهي التيارات الشعرية التي مهدت لتكسير البنية و تجديد الرؤيا؟
بواعث ظهور التيار الإحيائي
بعد غزو نابوليون بونابارت بمصر، انفتحت أرض الكنانة على الثقافة الأجنبية بفعل الترجمة. لقد لاح في الأفق تيار شعري متذمر من ثوب التقليد والجمود الذي لبسه الشعب العربي، والذي وسم الشعراء بالمبالغة في الاستجداء، والجري وراء التكسب، وممارية المدح والغزل والهجاء، وهي سمات ميزت عنصر الانحطاط ، فكان لابد من القيام بما يشبه الثورة ضد هذا الجمود الذي لازم الشعر العربي، في محاولة من ثلة من الشعراء لانتشاله من براثين التقليد.
ورغما عن مجهودات محمود شوقي أمير الشعراء، ومحمود سامي البارودي… في ربط القصيدة الإحيائية بأرقى نماذجها القديمة، مع التمسك بلغة القدامى، والاقتداء بالأساليب البيانية للغة العربية الأصيلة وفق منهجية المتنبي وأبي تمام وأبي العلاء المعري… لكن مع تطهير الشعر من كل ما هو هجاء تكسبي، أو مدح لغرض في نفس يعقوب… هذا إضافة إلى التعبير عن قضايا اجتماعية أو سياسية أو وطنية دون ممارسة المدح المبتذل الذي كان يستجدي النوال والرضى من الحكام وذوي النفوذ. ورغم تمسك بعض المجددين بهذا التيار البعثي الذي قيل عنه إنه ساهم في إنقاذ الشعر العربي، بإخراجه من ظلمات الجمود إلى نور الانعتاق، وطور الانطلاق، وشارك في طرد الصنعة والبديع والمبالغة في الكلمات، وتفاهة أغراض الشعر…
فإنه أهمل ذات الشاعر وبقي مخلصا للمعجم التراثي البدوي. لذلك طوى هذا النموذج شراعه ليفسح المجال امام ظهور صراع الذات. ويقال أن أحمد شوقي نفسه كان مجددا وكان حاضرا في هذا الانتقال، إذ يحسبها بعض النقاد على مدرسة الوجدان أكثر منها على تيار البعث والإحياء.
مدرسة الديوان
ولعل روادها الكبار هم:
عبد الرحمان شكري: الذي يحصل الوجدان في كونه تأملا في أعماق الذات في مختلف أبعادها الشعورية واللاشعورية، ويرى أن المعاني تدرك بالنفس أو القلب، أو ما سماه “عين الباطن”. لذلك ركب هواجسه وآلامه، وطار على جناح الأحلام محاولا استشراف الغيب على أمل معرفة سر شقائه.
عبد القادر المازني: والوجدان عنده هو كل ما تفيض به النفس من أحاسيس ومشاعر وآهات وجدانية… نزعته التشاؤمية ميزته عن غيره، إلى درجة تمنيه الموت لنفسه، وكرهه للحياة.
عباس محمود العقاد: صاحب “العبقريات”، وقد رآى أن الوجدان هو مزيج من الشعور والفكر؛ ولا غرو في ذلك ما دام العقاد يعتبر مفكرا وكاتبا قبل أن يكون شاعرا وجدانيا. ويحسب للعقاد أنه دافع عن اللغة العربية والعقيدة الإسلامية بأسلوب حجاجي صرف، قاعدته الحوار والإقناع، وعناصره الحجة والتفسير والتوضيح والمقارنة والاستفهام الاستنكاري، ومن مبادئه التماسك والملاءمة والأصالة، والانفتاح دون الذوبان. لقد دفع العقاد في اتجاه تطوير الشعر العربي دون المساس بقدسية اللغة العربية. ويمكن أن نخلص إلى أن اختلاف رواد الديوان في تفسيرهم للوجدان، أدى إلى نوع من التباين على مستوى الإنتاج الشعري. غير أن ،صحاب الديوان يهمهم في الواقع الرابطة العضوية للقصيدة الشعرية، وقد ساهموا في حصول تحول تدريجي بطيء على مستوى القصيدة العربية.
الرابطة القلمية
توسعت في مفهوم الوجدان ليشمل الحياة والكون والنفس. من أبرز روادها جبران خليل جبران صاحب (الأجنحة المتكسرة) والذي فضل الهروب إلى الطبيعة وفر إلى الغاب. لقد آمن جبران أن “الأنا” ينبوع تتدفق منه الأشياء كلها، وإليه تعود، كما رآى ــ إلى جانب زملائه ــ أن: كل ما في الوجود كائن في باطنك. وعلى مقاسه سار زميله في الرابطة القلمية ميخائيل نعيمة الذي انقطع عن العالم، واعتبر أن الوجدان ما هو سوى تأمل في الذات لمواجهة مشاكل مترتبة عن الشقاء. إن التعمق في الذات ــ حسب نعيمة ــ هو الآلية الكفيلة بقهر الزمان، ودحر هاجس الموت، حتى ولو كان النسيان مؤقتا. لقد راى ميخائيل نعيمة أن الوجود عبث، وأن كل ما يقوم به الإنسان مجرد عمل عشوائي، لذلك نجد بأن الثلاثي جبران، أبو ماضي، نعيمة… تجاهلوا الجماعة، وفضلوا الهروب، والاستسلام للهموم، والخنوع للمطبات تماما على طريقة إيليا أبي ماضي الذي وجد ضالته في الخيال، وكان يكره الواقع. ويمكن أن نجزم بأن الوجدان الذي تغنى به شعراء الرابطة القلمية كمشروع لم يتحقق في أشعارهم وإبداعاتهم.
جماعة أبولو
أسسها الدكتور زكي أبو شادي في عام 1932م بمصر، ومن أهم روادها ابراهيم ناجي صاحب قصيدة “الأطلال” التي أدتها الراحلة أم كلثوم، وحطمت بها كل الأرقام القياسية في مجال الغناء والفن. لكن المتتبعين لمسار هذه المدرسة رأوا أن تعطش الشاعر ناجي للحب هو المحرك الذي وقف وراء إكثاره من شعر المرأة: لقد كانت أشعاره خير شاهد فراغ على نفسه من العاطفة. ومن أبرز قادة هذه الجماعة نذكر “أبو القاسم الشابي” الذي أبدع يوما قصيدة يستمتع بترديدها وبتأملها كل إنسان يعشق قيم الحرية والكرامة، ويأبى الظلم والاستغلال والاستخفاف:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلــي ولابد للقيد أن ينكســـــر
ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثـــر
ورغم ذلك فأبو القاسم الشابي أحس بدنو أجله فقد عانى من المرض، وهو ما يفسر تغنيه بالحرية وتعلقه بالحب في قصائده، ولا يخفى على كل لبيب أن معاناة هذا الشاعر النفسية شكلت سر هيامه وعشقه للحرية، وبعبارة أوضح يجوز القول إن إحساسه بالعقدة مترجم بصريح العبارات في شعره الذي ليس سوى متنفس لفكره وتوجهه العام.
وإذا ما توقفنا قليلا مع كامل الصيرفي الذي يكثر من الشكوى والعاطفة في أشعاره، لكان من نافلة القول أن نشير إلى أن فشله في الحب هو عامل مهم في تودده للمرأة، والإقبال على الإقبال على الاقتراب منها أكثر، سلبا وإيجابا في دفقاته الشعورية المعبرة عن أحاسيسه ومعاناته.
خلاصة وتركيب
يمكن أن نخلص، من خلال مقارنة المدارس الثلاثة للتيار الوجداني؛ إلى ما يلي:
إن حركة التجديد الرومانسية عبر عنها سؤال الذات المعبر عن الوجدان.
إن التيار الذاتي دعا إلى رد الاعتبار للذات العربية المهمشة عامة، ولذات الشاعر بصفة أخص.
إن انتشار هذا النموذج على امتداد رقعة المشرق والمغرب العربيين، إنما انبثق من شيوع الترجمة، وتم بفضل تلاقح الثقافات، ونجح بفعل ظهور الطبقة البورجوازية التي قادت حركة التحرر ضد الاستعمار الغاشم.
إن تيار سؤال الذات ساد في مرحلة مهمة من تاريخ الأمة العربية حيث استفاد من تدفق الأفكار التحررية، وعلو قيمة الذاتية الفردية وشيوع مذهب الرومانسية في الغرب.
إن المدرسة الذاتية أنجبت عباقرة مثل العقاد والمازني والشابي… وقد تميزت بهجر جل روادها للجماعة وتغنيهم بالذات، وتنكرهم للواقع، واحتمائهم بالعزلة والهروب إلى الغاب مع الانكفاء على الذات قصد التأمل.
إن المدرسة الذاتية لم تكن سمنا على عسل، شأنها في ذلك شأن باق التيارات الإنسانية في مختلف التخصصات، ولم تكن كذلك وبالا أو داء مستعصيا… بل تراوحت بين هذا وذاك. صحيح ان شعراءها تحكمت فيهم عقدهم النفسية، وأزمات مجتمعاتهم، وسياقات بيئية محلية ودولية لذلك آثروا العزلة، ولاذوا بالفرار والهروب من الجماعة، وبالغوا في الاستجداء وتضخم الذات… ومع ذلك فقد ساهموا في الانتقال السلس من الإحيائية البعثية إلى تكسير البنية، فقد شكلوا حلقة وصل مهمة في مسلسل أحداثه مترابطة ومتطورة بكيفية مسترسلة.
إن الإنصاف يقتضي القول إن هذه العناصر المبدعة المحسوبة على الرومانسية العربية، وجدت مجتمعات ترضى بالذل والهوان، وتستكين للهزائم والانكسارات، على غرا المرجئة الذين استسلموا للواقع. فالمجتمع العربي كان سلبيا في ردود افعاله، وبطيئا في فهم مقاصد ومعاناة شعراء التيار الرومانسي. لذلك يئس هؤلاء من كل تغيير، ولم يعودوا يطمعون في أي تطور، لذلك فروا من المجتمع إلى الغاب والليل والبحر، وجنحوا إلى التأمل والخيال.
دمتم سعداء ، و السلام عليكم و رحمة الله