سليمة فراجي*
قرار الرئيس الأمريكي ترامب أنموذجا
بذلنا مجهودات جبارة، سابرين أغوار القوانين من أجل البحث والتكوين واستيعاب ما ينشده المنتظم الدولي من احترام الاتفاقيات التي تتعامل مع الأوضاع التي تمس حقوق الإنسان المستمدة من قيم سامية منبثقة عن شرائع سماوية نزلت رحمة للبشرية بهدف تكريم الإنسان وتهذيب النفوس وإحقاق السلام العادل لكافة البشر.
وقد جاء القانون للتعبير عن هذه القيم بلغة قانونية تفرض الالتزام على الدول الأطراف في الاتفاقيات المكونة له، وبمقتضاها تلتزم باتخاذ التدابير للالتزام بها من خلال التشريعات أو الإجراءات أو السياسات أو البنية الأساسية؛ لكن بقدر ما أسيل الكثير من الحبر لتعظيم هذه الاتفاقيات وحرص المجتمع الدولي على محاسبة من ينتهكها من الضعاف، بقدر ما نشهد انتهاكات جسيمة من طرف من لا رقيب ولا حسيب عليهم.
من منا لا يستشهد بما يقع في فلسطين كلما تعلق الأمر بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولما جاءت به اتفاقيات القانون الدولي الإنساني؟
بعد مرور قرن من الزمن على وعد بلفور القاضي بمنح وطن قومي لليهود في فلسطين، وبعد معاينة المنتظم الدولي لجرائم مستمرة ولآثار احتلال الاراضي، وممارسات تجسد قمة الانتهاك لكل المواثيق والمعاهدات الدولية والقوانين الانسانية، يأتي اعتزام الرئيس الأمريكي ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل مع اعتزامه نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، في خرق سافر للقانون الدولي والتمادي في احتلال الأراضي الفلسطينية في مخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يمنع احتلال أراضي الغير بالقوة أو التهديد باستعمال القوة، بالإضافة الى القرار 2253 المؤرخ سنة 1967 القاضي بإلغاء التدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس، والقرار المؤرخ في 1971/9/25 الذي اعتبر جميع ما قد تقوم به سلطات إسرائيل من أجل تغيير ملامح المدينة باطل وعديم الأثر..
من ثمّ، إذا كان هذا القرار الأمريكي يعد تجاوزا صارخا وخرقا سافرا لكل المواثيق الدولية، ويعتبر ضربة في الصميم للقضية الفلسطينية وتأجيجا بينا للصراع العربي الإسرائيلي، فلماذا يطالبوننا بالتمسك بالقانون وبالشرعية في مواجهة الانتهاكات حتى لا يتم التخلي عن قانون صاغته إرادة المجتمع الدولي وأنيط بها تطبيق احكامه؟
يحاسبوننا على استرجاع حقوقنا ويعتبرون الأمر انتهاكا، ويعتبروننا جحيما للإنسانية تكريسا لقاعدة الضعيف حجته ضعيفة، فهل سنسلم بعودة شريعة الغاب وسيادة منطق القوة الأمر الذي يهدد كل قيمة لهذه الرحلة الطويلة التي قطعتها البشرية من أجل الارتقاء بمنظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والدعوة إلى تشجيع المنتهكين للتمادي في تجاوزاتهم وإنكار حقوق المعتدى عليهم؟ متى يرجح الأقوياء كفة القانون ويغلبون الخير في صراعه الأبدي مع الشر؟ أم أن هذه المواثيق والأجهزة الأممية هي عصا غليظة في يد الأقوياء لجلد الضعفاء؟ ما جدوى صياغة القوانين والمواثيق إذا كان واقع الحال يصدح بعدم احترام مقتضياتها؟ ما الفائدة إن كنا مطالبين بملاءمة تشريعاتنا الوطنية مع الاتفاقيات الدولية إذا كانت هذه المواثيق نفسها لم توضع إلا لتخرق وعاجزة عن ردع المتجاوزين بل لا تثار إلا لتخويف وابتزاز الضعاف من الشعوب، بما ينذر بتقهقر النزعة الإنسانية وخيانة لتاريخ البشرية، وكما قال جورج سانتيانا: إذا لم نستطع أن نتعلم من دروس الماضي ونتوقف عن التمادي في إعفاء الجرائم الدولية من العقاب فإننا نكرر الأخطاء نفسها وسنعاني من نتائجها.
* محامية – نائبة برلمانية سابقة