أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

سيدي الملك حبنا للوطن عظيم لكن عفوك عن معتقلي الريف أعظم.

نورالدين برحيلة

كشف حراك الريف حجم غابة الفساد التي تنخر الوطن، وهي غابة فساد سوداء عبثا حاولت مساحيق شعارات المسؤولين الفاسدين إخفاءها عبر خرجاتهم الإعلامية التضليلية، التي كانت تروّج لمُنجزات وهمية ومشاريع مشلولة، فضحها حراك الريف، دون أن ننسى أن بعض هؤلاء المسؤولين نعتوا مناضلي الحراك بالانفصاليين والعدميين.

غير أن مكر التاريخ سيطيح برؤوس من المسؤولين، اعتقدوا أن “حصونهم” مانعتهم من الإعفاء والإقالة، لكن الزلزال الملكي أسقط الكثير من الوزراء: محمد حصاد و نبيل بنعبد الله والحسين الوردي و العربي بن الشيخ وعلي الفاسي الفهري، إضافة إلى مسؤولين أخلوا بالثقة الملكية وهم رشيد بلمختار ولحسن حداد ولحسن السكوري ومحمد أمين الصبيحي وحكيمة الحيطي.

هذه الخطوة ستدشن لسياسة جديدة، تجاوزت منطقة الحسيمة إلى العديد من مناطق المغرب، وتهم كل المسؤولين على اختلاف مستوياتهم. في نطاق إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

هكذا امتدت تصدعات الزلزال الملكي إلى المؤسسة العسكرية، والداخلية بعزل وتوقيف ولاة وعمال وباشوات وقياد وغيرهم من أبناء الداخلية البررة، وهذا ليس موضوع المقال، لكن طريقة الإعفاء والعزل دون محاكمة عادلة، تضم لجانا مختلطة وتوفير شرط الحكامة الجيدة الرشيدة، وإسنادها مثلا في “أم الوزارات” إلى وزير الداخلية عبد الوافي الفتيت، ونهج سياسة انتقائية في إنجاز التقارير العقابية، تفوح منها تصفية الحسابات وليس ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما قد يُفقِدُ هذه الخطوة مصداقيتها ونجاعتها، ويجهض هدفها المركزي الذي يتجلى في استنبات قيم الوطنية الحقة والمواطنة الملتزمة بخدمة الصالح العام، على اعتبار أن هذا السلوك يتنافى ودولة القانون والمؤسسات، التي تُنجز تحقيقات شفافة نزيهة وتقدمها لوسائل الإعلام لتنوير الرأي العام.

والمفارقة الخطيرة أن مناضلي حراك الريف الذين فضحوا الفساد والبيروقراطية الإدارية، وشلل المرافق العمومية وضعف الخدمات الاجتماعية، والشطط في استخدام السلطة، والاستخفاف بكرامة وحياة المواطنين والأمثلة أكثر من أن تحصى أبرزها طحن الشهيد محسن فكري في شاحنة للقمامة، والشاب الجامعي الفقير الذي لم تُقدِّم له شهاداته التعليمية فرصة عمل تنتشله من البطالة، فقرَّرَ أن يمتهن بيع السمك، في دولة لا تعطيك حقَّك من السمك، ولا تُعلمك كيف تصطاد السمك، وتمنعك من بيع السم.

علما أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات أكدت وجود الكثير من الاختلالات التدبيرية التي تؤثر على ظروف حياة ساكنة الحسيمة، (طبعا هي اختلالات تهم المغرب كله) وهو ما سيفضي إلى الاحتجاج ضد الفساد والشطط في السلطة، لكن الدولة ستتعامل مع هذه الاحتجاجات باعتماد المقاربة الأمنية القمعية، في الوقت الذي كان يجب تدبير الاحتجاج بمقاربات قانونية، حقوقية، سياسية، اقتصادية، واجتماعية، بالبحث عن أسبابه الظاهرة والخفية ومعالجتها، وإذا احتج المواطنون ضد الفساد فيجب معاقبة المفسدين وناهِبي المال العام المخصَّص لبناء المرافق العمومية والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية واعتقال لصوص المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لا معاقبة فاضحي الفساد.

وحتى لا يعود المغرب إلى نسخة جديدة من سنوات الجمر والرصاص، وتثمينا للمبادرات الملكية البناءة من أجل مصلحة الوطن والمواطنين، يلتمِس الشعب المغربي بمختلف مكوناته ونخبه الفكرية والإعلامية والسياسية والدينية والفنية والرياضية وكل الهيآت الحقوقية وفعاليات المجتمع المدني من الملك محمد السادس تمتيع معتقلي حراك الريف من نشطاء وصحفيين بالسراح والحرية، سيما وأن احتجاجهم أزال ورقة التوت التي كانت تخفي غابة الفساد، وتُغطي المياه الآسِنة التي تجري تحت جسر الشعارات المزيفة التي كانت تُروج لأكاذيب تنموية استنزفت الملايير من المال العام بدعوى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، ليتضح أنها كانت أشبه بالدجاجة التي تبيض ذهبا في حسابات المفسدين حتى وإن بيَّضت التقارير ذمة بعض المستفيدين من أموال المشاريع المخصصة للتنمية.

نحن المغاربة متشبثون بالمؤسسة الملكية التي نعتبرها من المكونات المركزية لهويتنا الوطنية، وهي صمام أمان وحدة المغرب، وما قيل عن مناضلي حراك الريف من كونهم يتآمرون على الوطن هي تُهم عارية من الصحة، يزرعها الحاقدون الذين يريدون زعزعة التماسك الاجتماعي بين المغاربة، وإطلاق سراح فاضحي الفساد هي بادرة ملكية ينتظرها كل المواطنين، وليس فقط أُسرُ المعتقلين، الذين أرهقهتهم رحلة الذهاب والإياب من الحسيمة صوب سجن عكاشة بالبيضاء، سيدي الملك من أجل أم عجوز مريضة وأب شيخ عليل لا يتحملان عناء السفر، وقد أصبح الحزن نافورة تتدفق بآلامها الرهيبة وفلذات الأكباد تتلظى داخل جدران السجون، وما حركهم للاحتجاج ضد الفساد سوى حبّ الوطن، لأن حب الوطن من الإيمان.

سيدي الملك حبنا للوطن عظيم لكن عفوك أعظم.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد