في الشارع تسالموا و سألوا عن أحوال بعضهم ثم بدأ النقاش المألوف كالعادة، كلمة أولى يفتتح بها النقاش نفسه دون أن ينتظر مقدمات من أحد الأطراف. إنه الحديث نفسه يفرض وجوده على الناس، مزاحا و جدية، ضحكا و هزلا، سراء و ضراء، إنه حديث الشكوى من أحوال العباد و ما آلت إليه أوضاع البلاد. الكل يعيش لكنهم يشتكون من سوء المعيشة من كل الجوانب، فمعظم الناس في هذه البلاد السعيدة يعيش نكدا و حقدا على الموت. و رغم كثرة خيراتها، فالبلاد لا تستطيع أن تؤمن لمعظم ساكنيها إلا ما يدفعون به عن أنفسهم الموت جوعا أو بردا، و كثير منهم لا يزالون ضحية هذين العدوين اللدودين في الوقت الذي تعاني منه شرذمة منهم من التخمة و الغنى الفاحش. لا أحد يحمد الله على هذه المعيشة الرخيصة و لا أحد يقبل هذه المفارقة العجيبة على نفس الأرض و ربما داخل الحي نفسه، بل و أحيانا داخل العائلة نفسها. لكن لا حول و لا قوة لهؤلاء الناس إلا الشكوى على بعضهم البعض في ما يظنون أنه تنفيس لكروبهم و همومهم، فهم بذلك يبوحون بالحقيقة المرة لبعضهم البعض و ينهون عن هذا المنكر الذي عم البلاد و لو بألسنتهم. و هم يشتكون يكادون في كل مرة ينتهون إلى النتيجة نفسها، و إن اختلفت صيغة الحديث و تنوعت أساليبه: هناك خلل ما في إحدى أركان البلد جعلت الحياة فيه تبدو كمعادلة غير متوازنة، هناك خلل يقر الكل بوجوده لكن لا أحد يعرف أين ! ولنقل أن لا أحد يجرؤ على الإقرار بمكمن هذا الخلل، و لا أحد يجرؤ على وضع اليد مكان الجرح رغم أن الكل يعرفه حق المعرفة.
مجرد مرحلة تمر منها كل الشعوب المظلومة في تاريخها كمحطة لتصحيح أخطاء الماضي، لكن هذا الشعب ظل قابعا فيها دهورا و ظل متمسكا بها على أنها مكسب أو انتصار عظيم قد حققه. فأن يعرف الشعب مصدر دائه أمر محمود و لابد منه كخطوة أولية في درب المضي نحو الأمام، لكن أن يعرف مصدر الداء و يسكت عنه فذلك نفاق و جبن بل هو قمة الذل و العار. الكل يلوك باستمرار مشاكله بلسانه في أنسه بغيره و يقطر همومه شمعا حارقا على دماغه في وحدته، لكن في حذر و نفاق شديدين مخافة أن تنزلق منه كلمة الحق التي قد تسيء إلى اللصوص و السماسرة القوادين الذين هم أصل الخلل. ما هذا النفاق الحاد حتى مع أنفسنا ! نشتكي من كل شيء إلا مصدر الداء فإننا لا نستطيع أن نجهر به و لو لأنفسنا. و إذا ما تجرأ أحدنا على الجهر بالحقيقة مع نفسه فسرعان ما يجد نفسه تهرب منه و هو لا يشعر، و كأن النفوس قد تطبعت بدورها على هذا الكتمان حتى صار جزءا منها و ترسخ في لا وعيها من حيث لا تدري. صارت الأنفس مع سنوات التراكم و الخضوع تتبنى شعار ” السلامة في قلة الكلام و الندامة في الجهر و الاعلام “.
قيل لنا قديما أن التاريخ لا يمكن أن يتوقف أو يعود إلى الوراء، و بعبارة أكثر بساطة تتداولها الألسن باستمرار ” ما فات قد مات ” أي أننا مطالبون بعيش الحاضر دون محاولة العودة إلى الماضي. من كان فقيرا فليتمم عيشته الفقيرة كما و جدها و لا يسألن عمن كان السبب في حرمانه و حرمان أبيه، و من وجد نفسه هكذا في حياة الغنى و البذخ فليعشها دون أن يعرف الآخرون من أين لأبيه بكل هذا المال. ألسنا نعيش داخل البلد نفسه؟ أولسنا كلنا مغاربة إلى الأمس القريب نعيش في مستويات متقاربة جدا تحت وطأة الغزاة الفرنسيين و الإسبان؟ كيف إذن وجد بعضنا أنفسهم في ملك عظيم، بيمنا وجد معظمنا أنفسهم في بؤس لئيم؟ أيعقل أن يكون لأحدنا أرصدة لا حصر لها تملأ بنوكا لا يملك كثير منا حتى الحق في توسد أرصفتها إذا اشتد عليه الحر؟ أيعقل أن يكون للبعض مساكن و قصور ممردة من قوارير و مؤثثة بأفخر ما جادت به يد صانع، في الوقت الذي يسكن فيه البعض أكواخا لا تقه حرا و لا قرا، و بعض لا يزال يحتمي فقط بالكهوف فوق قمم الأطلس الباردة. كيف يكمن للبعض أن يتيه في عقود ممتلكاته من الأراضي و العقارات حتى صار ينسى بعضها، في حين لا يجد بعضنا قطعة أرض يقضي عليها حاجته؟
نحن نحب هذا الوطن أيضا و إن كنا فقراء، و نعشقه حتى النخاع، لكن الفرق بيننا و بينهم أننا نحبه بسذاجة و نية خالصة. لم نتعلم من آبائنا، كما تعلموا من آبائهم هم، أن نحب بالمقابل، لم نتعلم منهم أن الحب له مقابل، لم نتعلم منهم أن نتخذ حب الأوطان قناعا لنهب خيراتها. لعل لعنة الأوطان رفعت و لم يبقى لها أثر، و إلا ما كان بعضنا يشمت ببعض و ما كان بعضنا يأكل الثمار و يدفن القشور تحت التراب كي لا يعيش منها غيره. لقد غفل آباؤنا فضحوا في سبيل هذا الوطن و فدوه بأرواحهم فوجدنا أنفسنا مجبرين على تحمل غفلتهم، أما آباؤهم فقد أحسنوا استغلال الغفلة و تاجروا به فأورثوا خيراته لأبنائهم. الخلل في الغفلة أيها الناس، و التاريخ لا يرحم المغفلين.