عبارة “أنا شارلي” التي انتشرت كالنار في الهشيم في إطار الحملة التضامنية الدولية مع الأسبوعية الفرنسية بعد تعرضها لهجوم إرهابي بحر هذا الأسبوع، كشفت مرة أخرى عن ازدواجية الغرب في التعامل مع القضايا الإنسانية، و فضحت مجددا سياسة “التقليد الأعمى” التي تتبعها نخبنا، فعوض فسح المجال أمام العقل للشك المنهجي من أجل الوصول إلى “الحقيقة”، تحولت تلك “النخبة” إلى أبواق تردد الرواية الرسمية، وتسارع إلى نفي الإرهاب عن الإسلام.
وحتى أكون واضحا أكثر فأنا لا أستبعد أن تكون الرواية الفرنسية الرسمية صحيحة و أن منفذي تلك العمليات هم بالفعل إرهابيون و متطرفون، لكن ليس لأنهم لا يؤمنون بقيم المجتمع الغربي كالحرية و الديمقراطية و غيرها من القيم، كما يروج له الغرب، مستعينا على ذلك بأخطر سلاح للدمار الشامل -الإعلام- ، ولكن لأسباب أخرى سآتي على شرحها لاحقا.
سأبدأ أولا بطرح سؤالين محوريين، الأول يتعلق بالسبب في استهداف فرنسا بالذات وليس دولة أخرى و الثاني عن المستفيد الأكبر من تلك العملية، التي تأتي بعد تصويت البرلمان الفرنسي في وقت سابق على الاعتراف بدولة فلسطين وما خلفه هذا الأمر من ردود فعل داخل الأوساط السياسية في إسرائيل، لاسيما و أن فرنسا عضو بمجلس الأمن، و بلاد “الأنوار” ومهد الديمقراطية في أوربا، كما أنها تمارس ما يشبه الوصاية الفكرية على باقي دول القارة العجوز، وهذا الهجوم لا بد أن يؤدي إلى تغذية اليمين المتطرف بفرنسا وباقي الدول، وبالتالي سيدفع إلى التشكيك في جدوى سياسات الحكومات الاشتراكية، مما يخدم بشكل أكبر موقف الحكومة الصهيونية.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فأصابع الاتهام لا بد أن تشير أيضا إلى السياسة الخارجية للبلدان الغربية وتدخلها بشكل مستمر في شؤون البلدان الداخلية، فالواقع العربي اليوم و بعد مرور أربع سنوات كاملة على انطلاق الربيع- و ما عرفته هذه الثورات من انتكاسة و انحسار بسبب التدخل الخارجي وفرض حكومات بعينها من أجل الاستمرار في نهب خيرات و ثروات هذه البلدان ، حتى ولو اقتضى الأمر إبادة شعوب بأكملها- إن هذا التدخل، لهو الخزان الكبير الذي ينهل منه المتطرفون.
فعندما سئل المفكر و الفيلسوف المغربي، الدكتور محمد عابد الجابري، رحمه الله، في حوار مع راديو الـ”بي بي سي” البريطاني بُعَيْدَ أحداث الـ 11 سبتمبر، عن موقفه من “صراع الحضارات” قال بأن ليس هناك صراع للحضارات و إنما هناك صراع للحضارة الغربية مع نتاجها،أي ما يوصف اليوم “بالإرهاب”، و الهجوم الذي تعرضت له اليوم فرنسا، يمكن أن يكون مجرد رد فعل على التدخل الغربي في سياسة البلدان الإسلامية و فرض حكومات “كومبرادورية”، فاقدة للشرعية محليا، لكنها محمية لأنها ترعى مصالح الدول الغربية.
وجهة نظر الجابري، يتقاسمها معه المفكر و الفيلسوف الأمريكي ذو الأصول اليهودية “نعوم تشومسكي”، الذي ظل لحوالي نصف قرن يكشف تدخل وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ”سي أي إي” في شؤون البلدان الداخلية و التحكم في حكومات تلك البلدان لأغراض اقتصادية محضة لا علاقة لها بنشر قيم الحضارة الغربية، مشيرا إلى أن إحدى أهم الأفكار و المرتكزات التي تدور حولها السياسة الخارجية الأمريكية هي تخويف الشعب الأمريكي في الداخل.
وما لفت انتباهي شخصيا و أنا أتابع حملة “أنا شارلي”، أن المتضامنين اليوم مع مجلة فرنسية فقدت بعض صحافييها لم يٌسْمَع لهم همسا يوم أباد جنرال عسكري في شهر عظيم أزيد من أربعة ألاف مواطن أعزل في يوم واحد، ذنبهم الوحيد أنهم اعتصموا للمطالبة بعودة الرئيس الذي جاءت به صناديق الاقتراع، كما أن هؤلاء، وهم يحتفلون بعيد “الكريسماس” مع أبنائهم، لم يحركهم موت أطفال سوريا بردا و جوعا، بعدما تفنن بشار الأسد في قتلهم بمختلف أنواع الأسلحة، حتى تلك المحرمة منها دوليا.
كما أننا لم نشاهد حدادا دوليا و تنكيسا للأعلام أو حتى إطلاق حملة “أنا محمد” تنديدا بـ”محرقة مسلمي الروهينغيا” في بورما، و تضامنا مع مسلمي أفريقيا الوسطى، الذين تعرضوا لأكبر حملة تطهير عرقي، أو المطالبة بفك حصار مليوني مواطن تسجنهم إسرائيل في غزة.
afterheader desktop
afterheader desktop
after Header Mobile
after Header Mobile
تعليقات الزوار