بني ملال : محمد رفيق
في إطار تنفيذ برنامج مركز ” معابر” للدراسات في التاريخ والتراث والثقافة والتنمية الجهوية الرامي الى تغطية جميع الأقاليم التابعة لجهة بني ملال- خنيفرة بدراسات علمية تهم إبراز أهمية التراث المادي واللامادي كرافعة اقتصادية واجتماعية تساهم في التنمية البشرية، وفي أفق إبرازه للرأي العام المحلي والجهوي والوطني، قام المركز بتنظيم زيارة علمية وبحثية لإقليم خنيفرة أيام 26 -27 و28 مارس المنصرم ، شارك فيها بعض أعضاء المكتب المسير للمركز قصد الوقوف عن كثب بما يزخر به إقليم خنيفرة من مواقع أثرية ذات أهمية بالغة.
يمكن لتك المواقع الأثرية المهمة عند جردها ودراستها واستثمارها اقتصاديا واجتماعيا أن تشكل دفعة قوية للتنمية البشرية بالإقليم وتساعد على خلق فرص جديدة للشغل تروم الرفع من المستوى المعيشي للساكنة خصوصا لدى الفئات الهشة ذات الدخل المحدود. ويتضمن التالي تفصيل مراحل الزيارة المذكورة.
– يوم 26-03-2021 تمت زيارة موقع ” إغرم أوسّار ” الأثريّ الواقع على بعد 35 كلم شمال مدينة خنيفرة الموجود داخل النفوذ التّرابي لجماعة الحمّام، حيث تمّت معاينة الوضعيّة التي يوجد عليها هذا الموقع من بقايا أسوار وأبراج ولقى وأبواب ومنشآت معمارية أثرية. كما أشار أعضاء المركز إلى أن المنطقة كانت محطة زيارة ودراسات لبعض المؤرخين من أمثال الحسن الوزان ومارمول كربخال ومن طرف الباحثين والمهتمين من أمثال روزنبرجيز.
وتوصل أعضاء المركز إلى أن المدينة الأثرية المذكورة عُرفت ب”مدينة جبل عوام ” كما عُرفت أيضا بمدينة “معدن عوام ” وب”قصر المعدن”. ومن جهة أخرى أشارت بعض المصادر التاريخية إلى أن السّلطان المر يني أبو الحسن بنى بها قصرا لضرب السكّة من المعدن المستخرج من المناجم القريبة منها ممّا جعل منها إحدى أبرز مدن العصر الوسيط بمنطقة “فازاز”، وهو ما تضمنته مصادر مختلفة ومنها : “الاستبصار في عجائب الأمصار” لمؤلف مراكشي مجهول و”إفريقيا ” لصاحبه مار مول كار بخال و”وصف إفريقيا ” للحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي، و” المعجب في تلخيص أخبار الأندلس والمغرب” لعبد الواحد المراكشي ومصادر أخرى ذات الصلة، وقد أعادت بعض الدراسات الأخرى استغلال المعدن بالمنطقة إلى عهد الأدارسة الذين استغلوا معدن الفضّة فيه كما تشير إلى تعاقب المرابطين والموحدين والمرينّيين على حكم المدينة واستغلال الثروة المعدنيّة في محيطها إلى غاية القرن الرّابع عشرالميلادي، حيث ستنقطع أخبار هذه المدينة التي كان قد حدث تدميرها قبل ذلك التاريخ إلى غاية بداية القرن العشرين حيث ستبدأ أشغال البحث والتنقيب المعدني مع عهد الحماية الفرنسية.
شكلت زيارة “مركز تشخيص التّراث المنجمي ” بقرية تيغزى التي تحتضن المقرّ الإداري لشركة مناجم “تويسيت” أهمية بالغة، حيث قدّم السيد مدير الشركة رفقة المهندسة المنسقة لأعمال المركز عرضا تفصيليا حول حيثيات إنشاء المركز المذكور وحول الأهداف المتوخّاة منه، والمتمثلة أساسا في التعريف بتاريخ الاستغلال المنجمي بمنطقة جبل عوام من خلال البيانات والصور والرسومات التقريبية واللقى الأثرية والمعلومات التي تشكل مواد ومعروضات هذا المتحف الثري الذي تم التنويه به من قبل السيدة المديرة رئيسة المركز الدكتورة سعاد بلحسين في كلمتها الختامية لجولة هذا اليوم، والتي شكرت من خلالها إدارة الشركة المنجمية ” تويسيت ” على مجهوداتها في الحفاظ على ذاكرة المنطقة كما نوّهت بمبادرة إحداث مركز تشخيصي أثري للمعدن معتبرة إيّاها تجربة رائدة في الحفاظ على التراث المنجمي والتعريف به على صعيد جهة بني ملال خنيفرة.
– يوم 27- 03-2021 قام أعضاء المركز بزيارة موقع ” فازاز ” الأثري الواقع شرق مدينة خنيفرة على بعد عشرين كلم تقريبا في موقع جغرافي تحصّنه الأجراف، وتوفر خصوصيته الطبوغرافية سلاسة التّحكّم في المجال وتسهيل المراقبة في كل الاتجاهات، وهو الموقع الذي عرف بأسماء مختلفة أهمها : “قلعة المهدي بن توالا”، “مدينة مهدية “، “قلعة فازاز” ، “الكارة “،” تيحبّيت” ..، حيث تم الوقوف عن كثب على الوضعية التي توجد عليه هذه القلعة الممتدة على مساحة تقارب 50هكتارا فوق ربوة تتوسط الغابة، تحيط بها أسوار وأبراج أسطوانية الشكل مهيأة بحجارة معدلة ومثبتة بملاط جيري، كما تم الوقوف على بقايا سور قد يكون من بقايا حصن في المكان المعروف اليوم ب ” تيحبّيت الكارة ” و يرجح أنّها كانت مقرّ قصبة حاكم المدينة نظرا لموقعها الاستراتيجي ولحصانتها، وقد لاحظ الوفد وجود لقى خزفية وبقايا منشآت معمارية عبارة عن حوض يرجح أنه جزء من سلسلة من منشآت معمارية كانت وظيفتها تزويد المدينة بالمياه .
هذا، وفي الورشة العلمية التي تم عقدها بعالية الموقع، أكّدت جل التّدخلات على مدى الأهمية التاريخية التي يتمتع بها هذا الموقع الذي يرجع تأسيسه، كما تشير إلى ذلك جل المصادر، إلى “مهدي بن توالا اليحفشي”أاو اليجفشي نسبة الى بني يحفش أو يجفش إحدى القبائل الزناتية خلال القرن العاشر الميلادي، وقد ورد ذكره لدى كل من الشريف الادريسي في” نزهة المشتاق في اختراق الافاق” و الحميري في “الروض المعطار في خبر الأقطار وعبد الحليم الايلاني في” مفاخر البربر” وابن ابي زرع في ” روض القرطاس” ومؤلف مراكشي مجهول في “الاستبصار” وفي مصادر أخرى ، كما لم يفت أعضاء المركز أن سجلوا استعجالية تدخل الوزارة الوصية وباقي المتدخلين لحماية الموقع عبر ترتيبه ضمن الآثار الوطنية تمهيدا لمباشرة أشغال التنقيب والبحث الاركيولوجي الكفيل بالكشف عما تختزنه هذه القلعة من لقى تاريخية مجهولة .
– كانت المحطة الثانية في جولة هذا اليوم زيارة ” قلعة إذخسان ” الموجودة بالمبسط المعروف اليوم باسم ” أدخسال” على بعد عشرة كلمترات شرق مدينة خنيفرة، وهي القلعة التي شيدها المولى اسماعيل على موقع قلعة قديمة كان قد شيدها المرابطون واتّخذوها مركزا خلفيّا لحصار مدينة ” فازاز” المذكورة، وهو الحصار الذي دام حسب الرواية التاريخية تسع سنين قبل أن يدخلوها عن طريق الصلح لا عن طريق القوة.
– المحطة الثالثة في جولة اليوم الثاني تمثلت في زيارة موقع ” أروكو ” الشّهير الواقع على بعد 15 كلم تقريبا شرق مدينة خنيفرة، وهو الموقع الذي عرف بأولى مظاهر الاستقرار بالمنطقة، حيث احتضن أولى المدراس العتيقة بمجال زيان. كما عرف باستقرار أسر شريفة به كانت تلعب دور الوساطة بين سلطة المخزن والقبائل القاطنة في الجبال المجاورة إبّان الفترة الاسماعيلية وبعدها، كما تمت زيارة ضيعة ” راحة الفارس ” بنفس الموقع للوقوف على احدى تجارب الحفاظ على وجه تراثي لامادي أصيل متمثل في تربية السلالة المحلية للخيول الجبلية المنحدرة من السلالة التي تم استعمالها في معركة لهري الشهيرة .
– المحطة الرابعة تم تخصيصها لإحدى أغنى المظاهر التراثية بمنطقة زيان وهي المتمثلة في النسيج وما يحيط به من تعابير وطقوس حيث تمت زيارة فضاء سوق الزربية بمدينة خنيفرة ومعاينة العرض الاسبوعي به المعروف ب ” الدّلالا ” الذي يتم فيه تشخيص أساليب تراثية لعمليات العرض والمزايدة في أثمان بيع واقتناء منتوجات النسيج المحلي، كما تم الوقوف عن كثب على مختلف المشاكل التي يتخبط فيها محترفو هذه الصناعة العتيقة من النساء والرجال والصعوبات التي تحيط بتداول هذا المنتوج بالنسبة للتجار المستقرين بالسوق المذكور وبالنسبة أيضا لمنشطي عمليات العرض التقليدي المعروف ب ” الدّلالا ” وذلك عبر تنظيم ورشة حيّة مفتوحة على الفاعلين في القطاع بمختلف مواقعهم المذكورة والانصات لتشخيصاتهم كجماعات ومجموعات معنية بهذا التراث لمختلف المشاكل والمثبّطات التي اصبحوا يعانون منها في ظل متغيرات السوق العالمي والوطني والمحلي وتراجع الإقبال على المنتوج التقليدي المتمثل أساسا في الزربية مما انعكس سلبا على حياتهم الاجتماعية وعلى مستقبل هذه ” الصناعة ” التراثية وهو ما يستوجب تدخلات ناجعة لإنقاذها من الاندثار. لذلك وفور وصول أعضاء المركز برئاسة السيدة المديرة كونوا حلقة قام بتأطيرها السيد عبد السلام أمرير رئيس مصلحة جرد التراث اللامادي بمديرية التراث بوزارة الثقافة والشباب والرياضة بالرباط ، حيث أوضح أن المواقع الاثرية والمباني التاريخية لها بعد لا مادي يتمثل في التعابير الشفوية ومخزون الذاكرة المحلية من خلال ما نسجه السكان من بعد جيل من الأساطير والحكايات حول هذه المعالم كما عرَّف باتفاقية 2003 لمنظمة “اليونسكو” حول التراث اللامادي وذكَّر بأهدافها مشيرا إلى ضرورة إشراك الجماعات الترابية والمجموعات المهتمة بالتراث الممارسة ميدانيا من أجل العناية به بدء من جرده إلى مرحلة حمايته وتسجيله ضمن لوائح التراث العالمي.
بعد ذلك تم فتح نقاش حول صناعة النسيج بمجال خنيفرة وتسويق المنتجات، حيث تم الحديث مع الحرفيين عن سبل جرد تقنيات إنجاز الزربية والحنبل … من جز الصوف وإعداد الصباغة الطبيعية إلى الغسل والتلوين والنسيج لعرضه على الزبناء فيالأسواق، كما تم التطرق في ثنايا النقاش الى الأشكال الهندسية وأنواعها وتعبيراتها النفسية والاجتماعية ودلالتها الفنية وعلاقة التحليل الغربي لهذه الأشكال مع ثقافة المجتمع في مجال خنيفرة. كما تم الانتقال الى عنصر ثقافي آخر وهو طريقة التسويق التقليدية العريقة المسماة “الدلالة” والتي تحدث ممارسوها وفي مقدمتهم أمين الحرفة وأمين السوق على المعارف والخبرات التي تؤطر هذه العملية، وقد أبانت المجموعات الممارسة سواء بالنسبة للنسيج أو للتسويق بالدلالة عن حرصهم على المحافظة على هذا الإرث التاريخي وتفاعلوا مع أعضاء المركز وقدموا لهم شروحات حول المهنة واستعدادهم للتعاون من أجل المحافظة على هذا الموروث.وقد ساهم أحد الممارسين لحرفة الدلالة في تنشيط هذا اللقاء من خلال ارتجاله لشعر أمازيغي لخص من خلاله الأخطار والتحديات التي تواجه حرفة النسيج.
– اليوم الثالث والأخير 28-03-2021 تم تخصيصة للتراث الطبيعي حيث زار أعضاء المركز منطقة أجدير للوقوف على الخصوصيات التي يتمتع بها كفضاء طبيعي تعرف فيه شجرة الأرز حضورا كثيفا وكفضاء تاريخي شاهد على وقائع وأحداث تجاوزت المحلي إلى الوطني.
في سياق الوعي برمزية شجرة الأرز وبأهميتها التراثية والبيئية، قام أعضاء المركز بغرس عينات من هاته الشجرة العريقة بفضاء “المدرسة الجماعاتية أجدير موحى اوحمو ” وهي العملية التي تمت في أجواء بهيجة ميزتها طقوس الاستقبال الحارّ التي خصّها أطفال المدرسة المذكورة.
-المحطة الثانية في جولة هذا اليوم همت زيارة منابع نهر أم الربيع أحد أكبر الأنهار بالمغرب، حيث تم الوقوف على ما يزخر به هذا الموقع من إمكانيات هائلة لتحقيق تنمية سياحية مستديمة بالمنطقة إن تمت تهيئته حتى يصبح أكثر جادبية.