أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

بركة النساء

هل تحتاج جداتنا وأمهاتنا إلى شفيع يدخلهن إلى الجنة، أو على الأقل الاعتراف لهن أن الكسكس والمرق بالبرقوق وكعب الغزال ورأس الحانوت وما يعتلي موائدنا من أنواع الطعام لا يحتاج منهن إلى مسيرة للمطالبة بالمناصفة، لكون “العضلات التي شَيَّدت الأهرام والأبراج والمعابد والجسور والسفن، وقارعت السيوف في الحروب، وركبت الأهوال من أجل الاستكشاف، وحطمت الأرقام القياسية في الجري والسباحة، وسجلت الأهداف في المباريات… ما كان لها أن تفعل لولا الطاقة التي تستمدها من الطعام. وإن العقول التي أبدعت الإبرة والعَجلة والمفتاح وحبة الدواء والهاتف والزراعة المغطاة… وأركبت الإنسان بساط الريح فالطائرة، قبل أن تُسفر له عن الوجه الحقيقي للقمر وأترابه في درب التبانة… هذه العقول التي تجترح المعجزات كل يوم وهي تحقق مخطوطة الميتافيزيقا كأنجح ما يكون التحقيق… ما كان لها أن تفلح في ذلك لولا رصيدها من المادة الرمادية وما تتغذى عليه من طعام”، هذا ما ورد في ديوان المائدة للشاعر المغربي الجميل سعد سرحان، الذي يعتبر أن الطعام هو حجر الزاوية في صرح الحضارة البشرية، التي ما كان لها بحسبه أن تستمر وتتكاثر وتزداد نضارة… لولا الطعام وما يضخه في أصلابها من دماء.

في مدننا القديمة والحديثة وفي بوادينا، هناك بشر يحاولون العيش ما استطاعوا، إلى جوار بعضهم البعض، تحت رحمة أشخاص سلوكهم الطر والطغيان، أو تحت قسوة مجتمع يمارسها ضد مكوناته الأكثر ضعفا وفقرا، ضمنهم زهاء 7 ملايين أسرة، تديرها نساء بالمغرب، وتبلغ هذه النسبة في البوادي والقرى حوالي 16 في المائة وبالمدن 21 بالمائة، تبعا لأرقام المندوبية السامية في هذا الشأن والصادرة في العام 2011 .

ويتراوح سن النساء اللواتي يترأسن عائلاتهن ويُدرن شؤونها اليومية بين 30 و59 عاما، كما أن حوالي 58% من هؤلاء النساء المُعيلات لأسرهن لا يمتلكن أية شهادات تعليمية، أو لديهن مستوى تعليمي بسيط.

وتمثل الأرامل نسبة تصل إلى أكثر من نصف العائلات اللواتي تعيلها نساء، وذلك بنسبة بلغت 55%، والمتزوجات بنسبة 28.3%، والمطلقات 10.%، فيما تمثل العازبات نسبة أقل تصل إلى 6.5%. .

يا أصحاب العقول المتحجرة، قبل أن تسقط حبة طعام على لحيكم أو ذقونكم المحلوقة وأنتم تلتهمون وجبة كسكس، أرحموا عزيزا عليكم، وقبل أن ترموها إلى  بطونكم فكروا في من أكسبها هذا السحر المبلل بطعم الفلافل والسمن الحار، ربما تعيدوا النظر في بعض المفاهيم والمسلمات ومراجعة الحاسة النقدية قبل الذوقية.

وإن تجولتم في الأسواق، افتحوا خياشيمكم لرائحة التعب ورائحة الخبز، لا تستنشقوا رائحة العفن والبول أو السمك، بقدر ما انتبهوا لألم يعتصر قلوب سيدات اصطف بعضهن وراء مجموعة أكياس صابون تزيل وسخكم، وسلال التين وعلب بلاستيك أو ما شابه ذلك من أجل تأمين لقمة عيش يتمنين أن تكون مباركة، تفتح لفلذات أكبادهن أفقا للحياة ضمن الحد الأدنى، لأنهن يعلمن أن السماء ارتفعت كثيرا عن ميزان المناصفة، وحده الألم يرتفع… لا يمكن أن يخفف منه صندوق للأرامل أو المطلقات أو مسيرة ناعمة تصدح حناجرها بالشعارات وتلطفها بمتعة شرب رشفة ماء معدني. إنها بركة النساء فعاش ماء مريم بن صالح، الذي لا يدخل في خانة الماء. “هاو”، “مالو ما”.

تحية لكل نساء بلدي البسيطات، اللواتي ساعدننا إناثا وذكورا في قضاء حاجتنا ومسحوا مؤخراتنا ونحن صغار، ربطوا أحذيتنا وفركوا جلدنا وصففوا شعرنا، ودسوا لنا ساندوتشات المدرسة في حقائبنا، ورتبوا ربطات عنقنا ونحن كبار وزينوا موائدنا في مختلف الأعمار…


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد