الحياة مهزلة كبرى،ومناحة قاسية لا تتوقف ينابيع نواحها،إلا بعد أن تذيق من لاحظ لهم كل أصناف المفاجا ت الغريبة،والمشاهد المروعة الساخرة التي لا تسر لا صد يقا ولا عد وا.
كانت الساعة تشير الى السا د سة مساء،من ذلك اليوم الملعون،حين كنت أنا وزميلتي ليلى مكلفين بالحراسة، داخل المؤسسة التعـــليمية الخاصة التي نشتغـــل بها مؤقــــتا لمحاربة الفراغ والبطالة والهم الذي غاص في اعما ق كل واحد منا.
لحد ود تلك اللحظات الأ ولى من الحــراسة كانت قوى الشر لم تستيقظ بعد من سباتها،وترينا النجوم في عــــز الظهر الأحمر.كنت في القسم الآخر حين ناد ت علي ” ليلى” للا لتحاق بها في الحجرة الأخرى،حيث يوجد طفــــل مضرج في د ماء ساخنة تنبجس من رأسه متحدية كل مجهوداتنا أنا وليلى لإ يقاف النزيف الأخرق.كان يصرخ بصوت جهوري،كأنما منحه الله هــــذا الصوت الصاخب،ليتحـف مسامـعـنا نحن المرعوبين بآخر صرخات الديناصورات الحديثة الممثلة في أطفال العـــولمة والأ نابيب.ذكرني بكاءه المجنون، بذلك الغجري الذي فقد دابته في أحد أسواق المكسيك،وظل يصرخ طيلة النهــــار ناد با حماره الخدوم.
لاأحد يعلم كيف ضرب؟ ومتى؟ كل شيء تم بسرعة جنونية،الدم يفور،نمسحه كيفما اتفق،إستنفذنا كـل أوراق القمامة،الد م يسخرمنا،ينساب عبر عـنق المصاب،كشلال عتيق،نتبادل النظرات،
نحن المسؤولان عــن هذه المخلوقات الصغيرة التي لا تعرف متى تصحو غرائزالعنف بداخلها.
دم …دم..د م.. لعننا الد م والدماء،والأ طفال وشيطنتهم،الكل يحملق في وجهينا،وأصابع الاتهــام موجهةإلينا،رأيتهافي عيونالأطفال،هؤلاءالصغار،لا شيء أخطرمن تصريحاتهم واعترافاتهم،
كـلمة واحدة منهم أمام قاضي التحقيق كافية للرمي بنا أنا وليلى في غياهب السجون.
كان جرح الطفل غائرا،وكلما حاولنا تهدئته وطـمأنته،إلا ورفع عقيرته بالصراخ كحمار حرون،ولا يفتر لسانه عن ترد يد كلمة واحدة،كببغاء حفظها عن ظهرقلب” وا بغيت أمي ..
وا بغيت نمشي لدارنا”
واع ..واع ..واع ..إختلطت أصوات الأ طفال الشياطين،بصوت صاحبنا(مول دعوتنا) الذي يصلح بصوته هذا أن يكون أكبردلا ل في السوق أوبراح في المواسم والأعياد،ارتفاع وثيرة احتجاجه لم تترك لنا فــــــرصة أنا وليلى للتفكيرفي حل يخرجنا من هذا المأزق،سيارة النقل المدرسي حملت الثلث الناجي من الحوادث الى ديارهم،وبقي صاحبنا في عهد تنا،وقلت في نفسي ” سبحان الله الذي منحنا طفلا له صرخة اسرفائيل،يوم ينفخ في السور” ما لنا ولهذا المقدور،فقد كان طفلنا تحفة ما جا د بمثلها الزمان.
تساء لنا عن نقـــله للمستشفى ؟ أم نحمله لأ مه؟ ام ننتظرهنا قضاء الله وقد ره؟
كانت ليلى ساعتها تعيش رعبا حقيقيا،ممتزجة بفوضى هذا العالم الغير المنسجم،قلت لها في لحــظة العسرهذه:
ـ لعنة الله على الظروف التي حولتنا الى منظفي رؤوس الصبيان،وفي مقدمتهم رأس هذا الصبي الشقـــي،الذي لاندري إن كانت الظروف قد سا قتنا إليه،أم إ نساق هوبنفسه الينا ،لكي نقوم بتعهده وحراستـه،حتى الجن الأحمر لا يستطيع حراسة هذه الكائنات التي تحمل بداخلها عنفا،لا أحد يعلم متى ينفجر كلغم،أو كبركان،لعـلها التربية السيئة،أوتضخم الأنا المنحرف.
لما تأكدت أن لا شيء يعول عليه،وسط هذه الجزيرة الميمية،هرولت نحوالمقهى المجاورة،وجئت بقطـعة ثلج، وضعناها أنا وليلى مكان الجرح الذي تحول الى ” بوقال” كلمة رددتها ليلى،وضحكنا ساعتها وشر البلية ما يضحك،توقف الدم وسط ذهولنا،وتنفسنا الصعداء.
قلت لها في نبرة حزن” لوأسعــــفتك الظروف،لكنت الأن استاذة محترمة في ثانوية لاوجود فيها للصغار،ولكن هذا الزمن الأغبر أبى الا أن يعاكسنا”بوقال …ماء ..وثلج ..وعيون طفل منتفخة من البكاء،وجرح في الرأس،انتهى بحضورالمدير وولي الــتلميذ لأخذه،وكفانا الله شر القتال،وانتهت معالم هذه المسرحية الدامية التي تمنت لـــــيلى أن تــذهب ذكراها الى غير رجعة،وحمدنا الله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
خا لد عبد اللطيف .كاتب/ صحفي.