بقلم جمال أسكى
كنا ننتظر يوم الدخول المدرسي كما تنتظر العروس ليلة الحناء.. كنا نقضي ليلة “الدخول” بيضاء من النوم إلا غفوات نسرقها من شدة الفرح.. كنا نضع الملابس الجديدة، التي اشتريناها من عمل اشتغلناه طيلة العطلة الصيفية، تحت وسائدنا.. ما أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى نهرع إلى ارتدائها قبل أن نغسل وجوهنا السعيدة وأعيننا البراقة من العمش العسلي الأبيض اللزج..
كانت فرحة قلبية لا توصف.. في طريقنا إلى المدرسة، مشيا على الأقدام، وبدون مرافقة، نغني ونرقص طربا.. كنا نحمل قلما أزرقا من نوع “بيك” جديد وورقة بيضاء فارغة مطوية بعناية ل”تقييد” الأدوات المدرسية.. كان احترام حجم ولون غلاف الدفاتر واجبا وطنيا.. كانت تلك الورقة، بعد عودتها من المدرسة، تشكل “ضريبة” و “فاتورة” بالنسبة للآباء الفقراء المنتمين لطبقة ” مزاليطوش”..
كانت المدرسة تشكل ذلك الملاذ الآمن الذي تتفتح فيه عقولنا وتزهر فيه أوراق طفولتنا “الصعبة”.. كنا نعشق المدرسة والمدرس ونشتاق إلى التواجد بين حجراتها وفي ساحتها نتعلم ونلعب.. لم تكن الكثير من الظروف التعليمية متاحة، ولكن كنا نكافح كي نتعلم.. لم تكن كثرة البرامج والمناهج والنماذج، لكن كان المعلمون يضربون أروع الأمثلة في البذل والتضحية والعطاء..
اليوم توفرت الكثير من البنيات التحتية وغابت البنية الفوقية.. تحسنت البنية التربوية وتدهورت البنية النفسية للمتعلمين.. تم تقريب باب الإدارة من المدرسة فطارت الإرادة من نافذة الفصول الدراسية.. اهتممنا بصباغة الجدران، وأهملنا بناء الإنسان.. أطلقنا الشعارات ونسينا الغايات: طبعنا مدرسة الفشل بوسم النجاح كما “يطبع الدلاح”.. أطلقنا شعار الجودة دون العودة لتصحيح أرقام المنظمات الدولية “السوداء”…
أيها الواقفون على ثغر المدرسة:
لطفا.. رجاء.. من فضلكم.. أعيدوا للتلميذ عشق المدرسة.. أعيدوا للمدرس حب المهنة.. أعيدوا للتربية والتعليم والتكوين والقيم الراقية ألقها وتألقها.. أعيدوا إلينا ولع انتظار الموسم الدراسي الجديد بفارغ الصبر.. أعيدوا لنا حلاوة ترديد النشيد الوطني وسط ساحة مدرسة العزة والعلم والأخلاق والكرامة… هل تستجيبون؟
جمال أسكى