أنا المصطفى القرواني، بصفتي أستاذاً سابقاً بالمدرسة الابتدائية العمومية، قضيت 38 سنة بين الطباشير والسبورة منذ سنة 1984، لم أتمالك نفسي وأنا أشاهد ذلك الفيديو المؤثر الذي جمع بين أستاذ وتلميذه بعد مُرور 22 سنة. وجدت دموعي تنزل تلقائياً، كأني أعيش اللحظة معهم، فقد لامستُ في العمق رسالة التعليم التي رافقتني طوال مَسيرتي.
القصة بسيطة وعظيمة في آن واحد: تلميذ فقير عاش ضيق الحال ولم يكن يَملِكُ حتى أبسط الأدوات المدرسية، لكن أستاذه لم يقف متفرجاً، بل مَدَّ له يده واشترى له ما يحتاجه من كتُب ودفاتر من ماله الخاص، بل وفعل ذلك في صمت كي لا يجرح كرامته أمام زملائه. بعد أكثر من عقدين من الزمن، يعود ذلك الطفل وقد صار رجلاً ناضجاً، ليبحث عن أستاذه ويهديه رحلة عُمرَة عربون شكر واعتراف بالجميل.
كم تأثرتُ بهذه الالتفاتة التي تؤكد أن الخير لا يضيع، وأن ما يزرعه المُعلِّم في صمت يمكن أن يُزهر بعد سنوات طويلة. والحق أنني قد عشتُ في مساري التربوي مواقف عديدة مُشابهة، وكان دائماً هَمّي أن أترك أثراً طيباً في نفوس أبنائي التلاميذ، حتى وإن لم أرَهُ بعيني. واليوم، وأنا أرى هذا المَشهد، أحسستُ أن كل جُهد بذلناه لم يكن عبثاً.
إنها رسالة لنا جميعاً: لنتشبثَ بثقافة الاعتراف، ولنُعلّم أبناءنا أن الوفاء خُلق عظيم، وأن ردّ الجميل فضيلة تعيد للمعلم مكانته، وتمنح المجتمع نفَساً جديداً من القيم والإنسانية.
ولَعَلَّ ما يزيد من يقيني بعمق هذه الرسالة، أنني شخصياً كلما التقيتُ بأحد تلامذتي القدامى إلا وعانقني بحرارة وعبر لي عن امتنانه وحُبّه، بل إن كثيرين يكتبون عني في الفضاء الأزرق، مُشيدين بجديتي ومعاملتي الطيبة التي لم تميّز بين غني وفقير ولا بين ضعيف ومجتهد. إلى درجة أنهم يصفونني، بكل ما في الكلمة من محبة صادقة، بأنني “أحسن أستاذ في العالم”. وهذه بالنسبة لي أجمل جائزة يمكن أن ينالها مُعلِّم، وأغلى وسام على صدر كل أستاذ أعطى بإخلاص. (بقلم االمصطفى القرواني)