أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

السلطة، السياسة، الثقافة ..

إن أي مجتمع باستعارة التقسيم الماركسي يتألف من بنيتين، بنية فوقية وأخرى تحتية. فاْما الأولى فهي التي تمثل ملتقى الأفكار والعلوم والثقافة، أي يندرج تحت مسماها العلماء ورجال القانون والأدب ..الخ . أما البنية التحتية فهي بنية مادية تؤول حركة التاريخ تأويلا ماديا، حيث تتمثل في عمليات الإنتاج والاستهلاك …الخ. حسب ماركس تتألف الحياة من هذه الثنائية وتعتبر الأولى انعكاسا وتعبيرا للثانية

إن انتقال الذات العربية في الأزمنة الإسلامية الأولى، يجعلنا في حالة استقرائنا لها، نلحظ أنها في ما بعد مرحلة النبوة قد ساهمت في صنع التاريخ لأمرين:

ـ انخراط البنية الفوقية في إطار الفعالية الواقعية وعدم تعاليها على الواقع .

– تمازج البنية الفوقية والتحتية معا. إذ المثقف بالدرجة الأولى منتج، أي تتجمع فيه ثنائية : إنتاج المعرفة وإنتاج المادة واستهلاكها.

ولكن، هل يقصد من ذلك اْن المثقف المنتج يسير وفق إستراتيجية منظمة تؤطرها السلطة ؟ أي هل ينخرط في إطار مشروعها من باب التماهي ؟

إننا باستقراء التاريخ نلحظ عكس ذلك. إذ القول لا يندرج تحت التبرير والمصالحة، التي تقع بين المثقف والسلطة على سبيل التواطؤ واللعب على الحقائق ضد الشعوب، وإنما القصد هو الانخراط من باب التماهي الواعي بين البنيتين معا، ويبقى صوت المعارضة ( من دون تهميش طبعا ) ينقد الذات باستمرار، فتكون داخل التاريخ وداخل الواقع، أي تسهم في إنتاج الوعي بشكل دائم .

إن زمن الإبداع هو زمن يتسم بالاتساع والشمولية واللاتحديد، هو زمن الهروب والجري وراء اللامعقول والمستحيل الجميل الذي تهدده ثنائية المكان /الزمان، كمحدد لانطلاقية المبدع ومهدد له بالنهائية والتلاشي، بينما زمن الواقع هو زمن التجزؤ والتعقيد والضيق، أينما تتجلى فيه اْعتى مظاهر المعقولية المقنعة التي تحاول خلق قناع ظاهره الوجود وباطنه الرغبة والحلم، والتعبير هنا يكون تعبيرا انتكاسيا محدودا بسلطة المكان والزمان.

من هنا يعيش المثقف وفق ثنائية القطيعة /التواصل، فالمثقف الثائر يحيا وسط المنفى، بل أن عالمه الكلامي هو المنفى في حد ذاته، حيث يتعامل مع الواقع بالنبذ والإقصاء، إذ النظام الكلي يثبت القطيعة النفسية مع رؤى وأحلام يراها هذا الشخص الحقيقة المطلقة التي يجب أن تكون. وبالتالي فالسلطة في نظره هي مؤسسة التزييف والتغييب، لذا يعيش في صراع دائم مع الثبات، وفي دعوته خلخلة المسلمات ومحاولة لاستشراف المستقبل وفق رؤية تموضع الذات والكون موضع سؤال دائم. وهنا تكمن غربة الذات المثقفة التي يندرج عملها في إطار الانتقام من عالم الواقع بخلق واقع مواز والهروب إليه. وقد عبر عن ذلك جورج لوكاتش بمصطلح الإثم الكامل الذي أخذه عن الفيلسوف فيخته والذي يعني هروب الروح المغتربة إلى زمن لا اغتراب فيه هو زمن العالم الفني .

أما من ناحية التواصل فالمثقف الثائر يحاول إنتاج واقع مخالف ومضاد، وذلك بالدخول إلى مغامرة الوجود ومحاولة تأطير رؤيته على نمط الأحلام والرؤى والتوجهات. فهو إذن في تواصل مع آماله وآمال الشعوب، يعيش صدق التجربة وصرامة التغيير والإصرار على ملاحقة الحقيقة وإظهارها.

أما المثقف التبريري ـ على حد تعبير نصر حامد أبو زيد ـ فيتصالح مع الواقع وبالتالي مع السلطة السياسية لاْن الواقع والحقيقة هي التي تخلقهما وتنتجهما. والتاريخ السياسي قد اْثبت ذلك لكن رغم كل شئ يعيش حالة اغتراب مع الحقيقة الموضوعية، فيحس بالنبذ من طرف المجتمع لأنه لا ينتج إلا معرفة مزيفة تكرس خطاب السلطة وتباركه، لذا فهو في حالة قطيعة مع الشعب حيث يراه رمزا للوعي الزائف، ويطفو مصطلح التواصل مع السلطة السياسية، فيأخذ شكل تواطؤ وانسجامية تصادر أحلام الشعوب وتزيف الواقع، حيث يبدو التلاشي، حسب مخطط السلطة، ويتحول منها المثقف
من فاعل ومنتج للحقيقة إلى مؤطر لها وفق رؤية استبدادية محددة، فينفلت الفعل من بين يديه ويصبح ضمن فعل السلطة ومخططها بدل أن يكون هو المخطط في حد ذاته وهنا يكمن موت الإبداع.

يكون المثقف الثائر خارج الواقع باغترابه الدائم اغترابا يستشرف من ورائه الحرية واللامحدود واللامنتهى، توضع أعماله أمام محاكمة السلطة السياسية ويكسب من وراء موقفه شرف المعارضة فيندرج اسمه تحت مسميات النضال والصدق والمصداقية، أما المثقف التبريري فيكون خارج الواقع وخارج الحلم إذ يصبح حبيس النمطية والثبات والتأطير. ومن هنا يعاني اغترابين : اغترابا إزاء الذات واغترابا إزاء المجتمع. فتتشكل لديه أحاسيس النبذ والإقصاء ويلتفت عن الإبداع بخلق عالم مشوه، من خلاله ينتج حججا واهية لا تقنع ذاته فما بالك بالشعوب، ويحدث قطيعة مع ذاته ومع من حوله ومع ذاكرته، فيدرج اسمه تحت مسميات العمالة والخيانة …، وهذا الذي يجعله أمام محاكمة التاريخ والمجتمع والضمير.

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد