سأسرد اليوم أمام الملأ قصة حبي وهيامي، بالذي ما فتئ يغذي شراييني، ويبعث الروح في قلبي، يحضنني في ليالي البرد القارس خوفا على مهجتي، ويحررني في رمضاء الصيف حرسا على سلوتي، وفي الليالي القمرية، يسامرني، وقرب يقطينة الأحلام، يهديني باقة ورود وأزهار مخملية بملمسه الأسيل، ألتقيه كل يوم، بل كل ساعة، بل كل دقيقة، وثانية، أمام البحر حيث تختلط مشاعرنا الفياضة، أسرارنا، وأمالنا، لتكابد سماء العاشقين، وترسم الأمل على صفحات القدر.
نائل بعطائه أعطاني ولا زال يعطيني، نظيم منظوم، تنعشني نظراته الساحرة، تطرب وجداني ابتسامته المتألقة، فيتراقص قلبي غبطة وسرور، تداعبني ظلاله الوارفة، يظللني زرجونه، على ايقاع هديل اليمام وتسقيني مياهه الصافية، وتغذيني ثماره الناضجة، ملفوفة في أوراق الخيزران، يسابقني أفوله لمغازلة الليل البهيم، فأنزوي في ركنة لمشاهدة نجومه، وهالاته الوضاءة. ينافسني الكرى لكن الحب المجنون يزيدني صبابة على صبابة، منية إقحامي في ثكنات السكون
أحيانا يعاتبني عتاب محب شغوف!! ، بأنني نسيت صبأوته ، تنقيبا عن مجد آخر في بلاد أخرى غيره، لكنني أبرهن له بحجج دامغة ، أنني على العهد باقية، وأني ما زلت على حبه وما كان من تفاهات فمن الصغر، عودة الى النوستالجيا، عله يصفح عن محبوبته.
عندما كنت طفلة، أوهموني بشاشاتهم، وكتبهم، ونواميسهم، بأن وراء البحار، تلال وأنهار زبرجد ومرجان جنات عدن، تروي ظمأ العطشى، وتنير دروب اللاهثين، خشية املاق، أوهموني أن وراء السحب و الغيوم الملبدة سماء زرقاء صافية، وشمس دافئة، بلدان بهاماتها وديمقراطياتها العادلة، عدالة اجتماعية أخلاق انسانية، لا فرق بين أبيض وأسود بين أرميني ولا نصراني، ولا كردستاني، أغرقوني في يم الأوهام حتى بدأ الحب يغرد في صدري، أملا في زيارة تلكم البلدان، والتي عنونوها بعنوان “بلاد السعادة والألوان” بيد أني اصطدمت بالواقع الأليم، بقوارب الموت وعجلات الإسعاف والتي راح ضحيتها بنوا جلدتنا وأمتنا.
لقد أدركت غبائي وجهلي حين هجرت محبوبي وكم كان مخلصا حين عاتبني وصادقا بأنه ولو طفت العالم بأسره فسأعود اليه طال الزمن أم قصر، فهو أصلي وفصلي ونسبي وانتمائي مغربيتي وعروبتي.
تمردت القوافي عن وصف حالتي الميؤوسة آنذا ، هاج قلبي طريح الفراش، فكل الأحلام غردت مع طيور السنونو، ورحلت مع أسراب الورشان، واليوم أدركت أن وراء الأفق سراب في سراب، أيام عقيمة يكرسها الخراب.
لعودتي من غياهب الماضي الأسير، حفاوة وفي ربى الغدير مرة أخرى بين أحضان محبوبي ثملا نشوان بعودتي من جديد .
حب الوطن شعور نبيل لا يعرفه إلا من ذاق حلاوته، وتكبد مشقة حمايته من الأعداء والذي جسده رجال صادقون مجاهدون أمثال “عبد الله كنون و طارق بن زياد وعلال الفاسي وعبد الكريم الخطابي” والكثيرون ممن بصموا التاريخ، بغزير انتاجهم وشجاعتهم ومكابدتهم الوطيس، من أجل الانعتاق من قيود الاستعمار الغاشم، متزعمين قوافل التحرير الوطني، أملا في استرداد البقاع المغتصبة والحفاظ على الوحدة الترابية، فأضاءت شمسهم أقصى بلاد المغرب، وكان النصر بمشيئة الله حليفهم، فأين نحن اليوم من سير الأولين !!
فهلموا يا دعاة حقوق الانسان المعذب والشعوب المستضعفة! هلموا يا رواد العلم والمعرفة ! وصانعي العلب السياسية ! لبناء وطنكم كما ينبغي .
حب الوطن ليس مجرد شعارات جوفاء، بقدر ما هو مسؤولية، واجب، واحترام للمؤسسات التشريعية و الإدارية و المدنية عمل، وارتقاء، أخلاق، وسلوكيات .
فالرسول صلى الله عليه وسلم، لما أخرجه قومه من مكة، حانت منه التفاتة صادقة في مشارفها، وتذكر في هذه اللحظة، أجمل ذكريات الطفولة مع الأهل والأصدقاء في بلده ومسقط راسه. عندئذ نطق لسانه بكلمة ملئها الحب الفياض والحنين لملامسة تراب الوطن، كلمة تعلمنا كيف يكون حب الوطن “والله انك أحب البلاد الي ولولا ان اهلك أخرجوني منك ماخرجت ”
هكذا :
حب الوطن في أسمى معانيه، والوطنية الصادقة في أبهى حللها، ضحى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، من أجل أمته ووطنه. خرج مرغما من مكة الى المدينة، لأنه يريد لبلده السمو و العزة ويخشى الفتنة وإراقة الدماء
حب الوطن ليس ادعاء وانما تكاليف وتضحية من اجل رد الجميل .
إن من يريدون لوطننا الفتنة والفوضى، والتراجع باسم التغيير، هم مفسدون للوطن، فلن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إن من يريدون لوطننا الإباحية الجنسية، والانسلاخ من الهوية و القيم والأخلاق، باسم الحداثة والحرية هم أعداء للوطن.
إن من يريدون طمس أصالة الوطن، وموروثه الثقافي، من عربية وأمازيغية وصحراوية حاشا لله أن يكونوا محبين للوطن.
إن من يريدون قلب الموازين ومحاربة الاصلاح في ظل الاستقرار هم خائنون للوطن.
ما أجملك يا وطني المغرب!! فجبالك شامخة، وانهارك جارية، وغاباتك خضراء، وصحرائك فسيحة، وسهولك خصبة.
ما أجملك بنجمتك الخماسية حمراء بلون الدم، وخضراء بلون الحياة، وصدق قول الشاعر فيك “عبد المالك البلغيتي”
لست تلقى كالمغرب الفذ ارضا
ولو اجتزت الارض طولا وعرضا
ذي بلادي ينهل منها اعتزازي
نابض حبها مع الروح نبضا
أمة نحن بالكلالة والعز
عرفنا مذ كانت الارض ارضا
عاش الشعب المغربي، عربا وأمازيغا وصحراويين اللذين قدموا درسا في حبهم لوطنهم وغيرتهم الكبيرة على رايته…