أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

الرسومات على الجدران في الأحياء بأزيلال – دعوة للتأمل والتفكير في دور المؤسسة الثقافية المحلية

المسلك سعيد
1- ظاهرة متنامية بكل الأحياء تسترعي الانتباه :
جرني إلى الحديث عن هذا الموضوع ، ما لاحظته منذ شهور بحي الزيتون نموذجا من رسومات على جدران العديد من المنازل و بعض المحلات التجارية ، من توقيع شباب الحي . رسومات أحيانا رائعة تعكس نوعا من الحس الفني لا يمكننا على أية حال اعتبارها مجرد نزوة عابرة أو ضربا من ممارسة مزاجية ، لأنها و بكل تأكيد “فعل كتابي ” ينفتح على أكثر من قراءة خصوصا إذا ما استحضرنا التوجهات الحديثة للنقد التي لا تولي إلى التعليق على” المنتوج الفكري ” للفرد أهمية كبرى ، بقدر ما تبحث في الدوافع النفسية و الاجتماعية و التاريخية التي ينبع منها الإنتاج قصد فهمه و استيعابه .
فعلا ، الأمر في هذا المقام لا يهم ” شعراء و أدباء الحي ” بقدر ما يتعلق برسومات شباب مراهق تستلزم منا هي الأخرى – على عفويتها – وقفة تأملية قصيرة .
المراهق – كما هو معلوم – في هذا السن ، يبلغ أوج عطائه العقلي ، الانفعالي ، الجنسي و الجسماني …الخ. هذا الأوج لا يكون دائما بالضرورة مصدر ابتهاج للمعني بالأمر ، بقدر ما يكون مصدر قلق في الكثير من الأحيان ، فيبحث له عن فضاءات ” مريحة ” و يتخذ من الكتابة و الرسوم وسيلة فاعلة يفرغ من خلالها مكبوتاته الداخلية ، و يفجر بعض طاقاته الدفينة في أماكن  يعتبرها ” أرضية تدوينية” ملائمة و في أوقات مناسبة أيضا تضمن له نوعا من ” التخفي و الاستتار” بعيدا عن رقابة الأنا الأعلى و الضمير الجمعي . لدلك ، نجد الجدران مثلا بكل البنايات الممكنة مخططة بكل أنواع المخزون التعبيري الضاغط على مخيلات الشباب : كتابات ، رسومات ، صباغات …


هذا المنتوج المجهول التوقيع على جدران بعض المنازل و المحلات التجارية بحي الزيتون نموذجا ، غالبا ما يستوقف الراجلين بفعل جماليته و أحيانا بفعل دقة صياغته . و شخصيا – رغم بعض التحفظات على الكثير منها و التي كانت محط نقاش بيني و بين بعض شبان الحي داخل إطار جمعية حي الزيتون للتنمية في وقت سابق – فإني أجد هذه الرسومات أكثر أهمية من بعض العبارات الركيكة التي يدونها بعض الأميين على جدران بعض البنايات و التي تبعث على التقزز و الاشمئزاز من قبيل : ( در لابع )  أي : “دار للبيع” ، أو ( بوقع ليلبع النمر : 066649… )  أي ” بقعة للبيع و هذا رقم الاتصال 0666..” أو (  كراج لكر ) أي ” مرآب للكراء” …الخ. مما يحيل على عقلية ريعية صرفة ، و لكنه يحيل أيضا على نفسية مريضة و متكبرة لأنه كان بإمكان من يكتب – بسبب أميته – تلك العبارات المقلقة ، أن يبحث له عمن يدون له جملة سليمة تفي بالغرض دون مركب نقص .
و بالعودة إلى مضامين أغلب الرسوم التي نعثر عليها على جدران الأزقة بالأحياء – حي الزيتون نموذجا- نجدها تبوح بأسرار مخيلة مراهق أو شاب يمتزج فيها منتوج ذو طبيعة  إيديولوجية ، بمنتوج ذي شحنة سياسية صرفة أو منتوج بنزوة عاطفية جنسية . الأمثلة التي تجسد ذلك تفسرها كثرة رسومات “رمز الانتفاضة ضد جبروت الإمبريالية و الدكتاتورية” ( كيفارا) ، الكشكول الأمازيغي الثلاثي الألوان و حرف الزاي المعروف ، مصحوبا ببعض العبارات من مثيل : vive les Amazighs    ثم بعض القلوب المخترقة من طرف عدد من السهام و الرماح أو شعارات بعض الفرق الرياضية المحلية …الخ. إنها تعبير عن مواضيع لها صلة في آخر المطاف بعدد من القضايا المرتبطة بحرية التعبير داخل المجتمع بصفة عامة.
تلك الحرية المقموعة تحولت إلى كبث نفسي بسبب عدم توفير فرص إفراغ الطاقة بمختلف أنواعها التي تميز هذه المرحلة من عمر الإنسان . و هنا نتساءل عن العلاقة بين هذه الظاهرة التي تمارس خلسة بالأزقة و الأحياء و بين دور المؤسسة الثقافية داخل المدينة من خلال تنسيقها مع مختلف المجالس المنتخبة و الجمعيات المدنية. الشيء الذي جعلنا نطرح عددا من الأسئلة الفرعية إزاء هذه العلاقة من بينها:
* هل يسعى المسؤولون عن تدبير شؤون الحاضرة إلى الاستغلال الكفء لمؤسساتها الثقافية و التربوية  بما يسهم في تنمية شخصية متكاملة عبر تقوية قدرات الشباب الفكرية و الإبداعية ؟
* هل يمكن اعتبار المؤسسة الثقافية بالمدينة حقا ، كيانا منظما متعدد الاهتمامات يجعله يوفر بالفعالية اللازمة بعض البرامج و النشاطات الهادفة ، كما يوفر الإمكانات البشرية و الفنية لجعلها في صالح و متناول المترددين المحتملين عليها من الشباب و المراهقين ؟
* هل يمكن اعتبار “مركز تقوية قدرات الشباب ” و “دار الثقافة ” مثلا المستحدثين مؤخرا بالمدينة مؤسستين بقيمة مضافة إيجابية ستساعد دار الشباب ( باعتبارها أسست منذ عقود ) في استقطاب أمثل لفئة ما أحوجها لتحقيق التوازن بين متطلبات المعرفة و بين الحاجة إليها بما يعود على المواهب بالنفع من المناحي : الحسية ، النفسية ، التعبيرية و الجمالية ..؟
* هل استطاعت هذه المؤسسات الثقافية المستحدثة تخليص الشباب نسبيا من واقع القهر والإجبار والروتين الذي فرضه عليهم مجتمع قست عليه العولمة بشتى أنواع الاستلاب والاستعباد ؟.
هل يحقق المركز حاليا قدرا من التحرر لهذه الفئة للاستمتاع بأنشطة نوعية ذات طابع تعليمي معرفي أو ثقافي يجعلها ( الفئة ) بالتالي تستمتع بالحياة بكل ما تنطوي عليه من قيم و لتتخلص من جل الضغوط النفسية التي تجعلها تعبر خلسة بالأحياء و الدروب – كمن يقترف جرما – عن أحاسيسها و أفكارها ؟
* إلى أي حد يحمل القيمون على هذه المؤسسات الثقافية هموم الاكتراث ببرمجة الأنشطة بشكل مستمر؟ و هل يتولى مهمة التنشيط أفراد متخصصون لهم صلة بالعمل الثقافي ؟
* هل نفكر فعلا في توفير الوسائل المادية و البشرية الكفيلة بتأدية الدور التأطيري و المعرفي داخل المؤسسة الثقافية المحلية ؟ ..
*هل يسمح لنا مجرد انتظار إصلاحات مستقبلية لدار الثقافة مثلا ، بالتوقيف الكلي للأنشطة داخلها ، و بشكل يبعث يأسا قد يفوق ما حل بمن ينتظر GODOT ، و هل لا يحق لنا في هذا الصدد التساؤل عن ظهور عيوب عمرانية ببناية لم يتجاوز عمر تدشينها أربع سنوات ؟؟!!.
أعتقد أيضا أن المؤسسات المحلية المرتبطة بتنمية قدرات الشباب و المهتمة بإبداعاتهم الفنية و التعبيرية، لم تتفوق بعد في توفير وسائل العمل العصرية و الإطار التنشيطي الكفء و المختص. و الأكيد أن الأسباب مختلفة و متضافرة لتجعل الشباب يهجر فضاءات يمتلكها و له الحق في استغلالها  لتفجير طاقاته ( لا تفجير نفسه ) من خلال إبداعاته الفنية .
 إن ̓سلط الإشراف لا تملك خطة واضحة و برنامجا عمليا لإدارة هذا المركز و الدار. بالإضافة إلى ضعف التمويلات و التجهيزات اللازمة للأنشطة كما أسلفت ، الشيء الذي يجعل مهمة القيمين عليها في غالب الأحيان تقتصر على فتح و إغلاق الدار في أوقات محددة بعد أن يمكثوا بداخلها لدقائق قبل الانصراف . كما تقتصر أحيانا على تحويلها فقط إلى مكان للاحتفال ببعض المناسبات الوطنية أو تقديم بعض البرامج الدينية لإخفاء الفتور الحاصل في أنشطتها.
إن الفراغ الثقافي يؤدي إلى تبلد الأذهان و هجر منابر الحوار و النقاش الجاد ، الشيء الذي ينتج في أحسن الأحوال هذا النوع من الشباب الذي يبدع على جدران المنازل بالأحياء ، و في أقبح الأحوال ، نوعا  آخر من شباب سهل الاستقطاب ، يقع فريسة بين براثن الرجعية و التطرف ، بعد أن يرهقه روتين ” الكارطة” و القمار أو تناول المخدرات ، أو التفكير الممل في الالتحاق بقوارب الموت و غيرها من الآفات .



2- بعض المقترحات العملية لمحاولة التخفيف من الظاهرة : 

 
لابد في ختام هذا المقال أن نقوم بتقديم بعض المقترحات التي قد تساهم في تغيير وتقويم ظاهرة الكتابة والرسوم على الجدران من طرف فئة الشباب بالأزقة والأحياء بالمدينة.
في آخر المطاف فهذه الرسومات تعتبر في نظرنا إبداعا فرديا وجب تشجيعه وذلك بعدم النظر إليه بنظرة سلبية فقط ، بل يجب أن نحاول الكشف عن وجهها الايجابي .فهي تعبير لاشعوري عن طاقات نفسية كامنة ، وربما كانت رسائل رمزية موجهة للمجتمع للفت الانتباه إلى إمكانيات موجودة ، أو  مشاكل غفلت عنها المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والثقافية.
1 ) يجب أن تخرج المراكز الثقافية المحلية من قوقعتها الحالية عن طريق تعريف الجمهور بخدماتها ونوعية عملها وهويتها، عوض الاستتار وراء تشكيلات المكاتب  واللجان المسيرة خلف الكواليس، مما يضر بتحقيق الفائدة الثقافية المرجوة ،لان التواصل مع جمهور المثقفين والجمعويين والشباب عبر فضاءات المدارس ، ودور الشباب والنوادي …الخ هو السبيل الأنجع لنجاح عمل الدور والمراكز الثقافية في تأطير الشباب ، هذا التأطير الذي ما احوج المغاربة إليه في زمن العولمة الجارفة والإرهاب المتربص عبر جدران الفايس بوك والعوالم الافتراضية .
2) يعتبر عقد ورشات تثقيفية وتربوية لتحسيس المتعلمين بقيمة البعد الجمالي أمرا بالغ الأهمية ، بالشارع العام وبعض الفضاءات الخاصة بالهواء الطلق ، والتي ندعو من هذا المنبر المجالس المنتخبة لخلقها لفائدة شباب الأحياء على غرار تجربة ملاعب القرب ، لان هذه البادرة ستخفف كذلك حتى من حدة بعض السلوكات السلبية المتمثلة في الكتابات المشينة والمخلة بالحياء والتي تحمل عبارات القذف والشتم ضد الأشخاص والأفراد… الخ.
3) ويعتبر تحفيز فن الجداريات من طرف الجمعيات والمجالس المنتخبة بالمدينة  أمرا مهما جدا في تربية الشباب على الحفاظ على رونق أحيائهم . وهنا لايفوتني التنويه بتجربة الأستاذ رشيد بومزوغ بقصبة تادلة ، وتجربة جمعية الكرامة ببني ملال التي حولت حي العامرية بتعاون مع المجلس الإقليمي وجمعية منبع الفنون وجمعية الحراس الليليين إلى فضاء للابداع أدخل البهجة والسرور على الجميع .
ويجب التنويه أيضا بتجربة الرسوم الجميلة على الحائط المحادي للإقامة الملكية بأزيلال والتي أضفت جمالية على الشارع المؤدي إلى العمالة  . كل هذه المبادرات تذكرنا أيضا بالتجارب المتقدمة لمدن شمال المملكة في فن تزيين جدران الدروب والأحياء بالرسوم والمزهريات بتأطير من دور الثقافة و الجمعيات الفاعلة.
4) لايفوتنا التركيز على دور الدولة في ضرورة تكوين المنشطين بما يتلاءم وأهداف  مراكز تنمية القدرات الشبابية ، مع ضرورة تشكيل لجان جهوية لمراقبة سير هذه المراكز والدور ، دون إغفال التركيز على الأنشطة الموجهة نحو التثقيف والتوعية .


 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد