حينما يُصبح العالم الافتراضي بديلاً وهمياً وزائفاً تُسكت به جوارحُك “غصباً” حر الأشواق الدامية.. وحينما تجرؤ على اتخاذ هذا العالم ذاته بمثابة وسيلة لاهية تَشفي بمُساعدتها غليل آهات حنين أليم..
فتأكد حينها أن داء الغربة قد نال منك..
ولا تستغرب أبداً حماسة قلبك في استمرار إفراز هرمونَي الوفاء والعشق للأرض التي صنعت تفاصيل وجدانك الآني..
وتمضي السنين.. الواحدة تلو الأخرى.. وتبقى “لوعة الفراق” شعار المُغترب..
فهو.. يتذكر جيداً ذاك اليوم الذي عزم فيه الرحيل عن وطنه.. إما بحثاً عن فرصة عمل ثمينة لم تُتح له في “البلاد”.. أو لطموح قوي دغدغ قلبه ومخيلته.. أو بسبب مسؤوليات جمة أثقلت كاهله ففضل وجع الغربة على حرقة العوز.. ولربما اختار هذا الوجع المرير نظراً لقهر عانى منه في بلده بسبب ظروف سياسية أو توجهات فكرية لم تتوافق وكينونة مجتمعه.. المهم أنه عزم الرحيل.. فارق وطنه، فأهله وتعلق قلبه بأمل كبير، بفرج فمجد عظيم أخذ يلوح في أفق مخيلته… فتصور الغربة “صحناً” مُعطراً بمالذ وطاب.. وهرع لتذوق نصيبه من “العسل”..
أما هي.. فلايزال شريط ذكرياتها يتسارع بوتيرة لاهثة أمام مرأى عينيها المحملتين بومضات أمل كبير.. فكم ثابرت واجتهدت في بلدها منذ الصغر.. ولكم ترقبت بإيمان وصبر عظيمين مجيء ذاك اليوم الذي تتمكن فيه من جني ثمار كفاحها وكفاح أهلها الذين ساندوا أحلامها الكبيرة، وتمنوا بلوغها أعلى المراكز.. وجاءتها الفرصة لتُعافر خارج أرض الوطن من أجل تحقيق هذه الأحلام المشروعة.. فقررت الإبحار في متاهة الغربة.. وتخلت لاشعورياً عن قرب، دلال وحنان والديها الذين كانا ملاذاً لها طوال الوقت.. واتجهت إلى مصير مجهول يُسمى: بلاد الغربة..
وكلاهما.. يتذكر جيداً أُولى خطواته في مشوار هذه “الغربة المريرة”.. فبعض المشاهد العالقة في أذهان المغتربين سواءً تلك المرتبطة بلحظات الوداع أو بأولى خطواتهم في بلدان الاغتراب أو المتعلقة بأوطانهم عموماً تبقى صِدقاً مُرهقة لذاكرة الفرد حتى وإن هو قرّر “تصنُّع التجاهل”.. ولربما إحدى هذه المشاهد التي يُشهد لها بجرعات مهولة من الغصة والألم هي تلك التي تتخلل يوم الوداع مع العائلة والأحباب في ردهات المطارات..
صور كثيرة العدد وأليمة الذكرى تكون تفاصيلها سيدة الموقف في ذاك اليوم “المأساوي بامتياز” .. مابين آباء وأمهات تمكنت قسوة الدهر من ملامحهم؛ فرسمت على محياهم تجاعيدها بحرفية عالية وبلارحمة وحنان يُذكران.. وبين شاب مفعم بالحياة ينوي ركوب موجة “الاغتراب”، يتصنع السعادة والبهجة إلى أقصى الحدود.. فتتذاكى عبرات عينيه الموجوعتين بدهاء ماهر؛ مُحاولة الهروب من ظلمة الموقف..
مزيج من الأحاسيس والمشاعر المتأججة التي تمر ذكراها أمام العين بعسر شديد مثل غيمة سوداء.. أيادٍ مرتعشة.. وجوه باكية.. وقلوب تتقمص دور القوي الصابر.. وأخرى تائهة منهارة لاحول لها ولاقوة.. وترى هناك في ركن آخر من زوايا المطار الكئيبة، مجموعة من الآباء الكهول يحاولون جاهدين إخفاء دموعهم وانكسارهم وراء نظارات كهلة التفاصيل تصف حالهم؛ فيستغلون الثواني الأخيرة قبل الوداع ويُذكرون أبناءهم بالنصائح الواجب اتباعها؛ وباتخاذ الحيطة والحذر من الأصدقاء الجدد في “بْلادات الناس”… أما الأمهات فمنهن من تكتفي بذرف الدموع مُعلنة الحداد المبكر على السعادة في قلبها.. ومنهن من تمطر شفتاها وابلاً من وصلات النصح والتذكير باستماتة وبوجع بالغ لايمكن إخفاؤه؛ وكلها يقين أن الفرح قد قل مقداره في زوايا دارها منذ اليوم.. ولن يعود إلا بعودة “فلذة الكبد المغتربة”..
وبعد مشهد المطار… علنا ننتقل إلى سرد تفاصيل مشهد آخر.. لن يكون أقل حدة من المشهد السالف ذكره.. مشهد إطلاق “المغترب المتأمل عسلاً ومرجاناً” العنان لآهات القلب والروح.. آهات مزركشة اللون والشكل يصرخها من أعماق قلبه بعد أول صفعة يتلقاها في “بلادات الناس”.. تلك الصفعة التي يكتشف عبرها معالم الواقع الحقيقي والعالم الجديد الذي نُقِل إليه.. فيستيقظ من سبات الأماني السعيدة التي بات يتأملها في دروب الغربة…
من أحلام وردية.. فجأة تنقلب الصورة المرسومة في الخيال.. فيسقط حرف الحاء سهواً منه ومن دون سابق إنذار.. وتُصبح الالام رفيقة دربه.. ويصطدم مرة أخرى بالوجع والحرقة التي كان قد أوهم نفسه بزوالها أبَدياً.. لكنه يكتشف حينها أن للألم في “بلادات الناس” طعم أَمر وأقوى..
وفي تلك اللحظة بالذات.. يُباشر الصراع الداخلي فوراً أنينه.. وتمضي نفسية المغترب في حيرتها واضطرابها.. فمابين التشبث بمبادىء وعادات وتقاليد وقيم عريقة نشأ المغترب وترعرع عليها في بلاده العربية من جهة، وبين محاولة فرض شخصيته بحزمتها “وبلا أي تغيير جذري” على أناس جدد مختلفي اللغة والفكر والروح والمبادئ شاءت الأقدار وجودهم في طريقه من جهة ثانية… وبين التخلي عن “جزء” من هذه القيم “للتأقلم” مع هذا العالم الجديد من أجل المضي قدماً في تحقيق الأهداف المرجوة من غربته بأقل “معاناة ممكنة” من جهة ثالثة.. وبين هذا كله وذاك.. يبزغ حلم العودة إلى أرض الوطن شبه مستحيل بعد هنيهات “فحسب” من انتقاله إلى البلد “الجنة”.. فبالتأكيد أننا وفي ظل انتمائنا إلى مجتمعات عربية تعشق التباهي بالمظاهر.. يشعر “الغلبان” بحرج وضغط كبير على عاتقه نظراً لكم المسؤوليات التي تكفل وتعهد بحملها، وعلى قدر اشتياقه لوطنه على قدر خوفه من خذلان كل من تأمل في غربته خيراً، وعلى قدر رعبه في نفس الآن من شماتة البعض ممن “سيُثرثر عقب عودته بعد شهور قليلة “فحسب” من سفره”… إلخ
فيختار “رغماً عنه” الاستسلام والبقاء في هذا العالم.. إلى أن تُفَرج من عند المولى وتتحسن الأمور..
وتأتي الأعياد والمناسبات ويبقى هو قابعٌ في مكانه البعيد ذاك.. يُراقب بشوق وغصة صور أحبابه وأقاربه المستمتعين بكل تفاصيل هذه اللحظات مُباشرة من “أرض الوطن”.. ولاداعي لوصف مدى ألمه ومعاناته حين تلقيه خبراً محزناً أو حدثاً أليما ألم بفرد من أهله أو أصحابه وهو في “بلادات الناس” عاجز عن المشاركة إلا من خلال اتصال أو رسالة…
ويمضي في تلك الحياة.. يُتابع كاليتيم أخبار عائلته وأحبابه من بُرجه ذاك.. وكله لهفة وشوق لسماع خبر سارة، كلمة مشجعة أو دعوة من أبيه أو أمه تُهون عليه “المرارة التي لا يعيها إلا العائم في بئر الغربة”..
فمهما علا شأن المغترب، وزاد وهجه وماله… تبقى بداخله غصة حارة تزداد حرارتها على مر السنين… تنطفئ لوهلة بعد كل زيارة له لبلاده، حيث يبدو عندها كالطفل البريء الذي يرتمي في حضن أمه الدافئ.. ذاك الحضن الفريد العجيب الذي يشحَنه طمأنينة ويروي عطش اشتياقه.. وتوقَد هذه النار مرة أخرى كلما غادر البلاد وتوجه إلى مكانه الثاني..
وتبقى كل هذه الصور والمشاهد جزءاً لايتجزأ من مسلسل حياتي واقعي يُجسد أدوارَه أبطالُ الغربة بأداء إنساني بارع..
وفي الختام يحضرني مثل مغربي شهير يقول: “اللهم قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس”.. فأتساءل بصدق .. كم من شاب مهاجر عربي يحظى اليوم بالشجاعة والقدرة الكافية للتخلي عن “الرغد المزعوم” في بلادات الناس.. والعودة للارتماء في “قطران” بلاده؟
وللحديث بقية…