تحت عنوان:”حادثة سعيدة حقا:أيام المطالعة الطفولية”،نشر هيثم الزبيدي الكاتب العراقي المقيم بلندن يوم 4 شتنبر 2016 مقالا جميلا لطيفا بصحيفة”العرب”(أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن سنة 1977) أقتبس منه بتصرف ما يلي
القصص المصورة، أو المجلات كما كنّا نسميها اختصارا، كانت حلاً سحرياً لمعضلة التعثر في فهم الكلمات الكثيرة في النص المكتوب من دون صور.الكتابة عن حادثة أثّرت فيك وأنت طفل ليست بالسهلة.بدأ الأمر مع شخصيات مغامرة بقوى خارقة: سوبرمان، والوطواط، والرجل المطاط، والبرق. ثم تطور إلى الطرافة مع شخصية لولو وعالم ديزني. في الصف الثالث الابتدائي،مجلة تان تان التي ترجمت في مصر إلى جنب مجلة سمير التي كانت مصرية بشكل شبه كامل. كانت تصل إلى العراق على شكل مجلدات. اكتشفنا أيضا معهما تاريخاً من الكوميكس المصري مع مجلة سندباد وإلى جانبها أول محاولات العراقيين دخول عالم الكوميس في مجلة «مجلتي».لكن النهم للمطالعة ما عادت تكفيه القصص المصورة، وبدأت كتب المغامرات والجريمة والروايات العالمية المبسطة تأخذ حيزاً يوميا: المغامرون الخمسة المصرية، والشياطين 13، وأرسين لوبين، وشكسبير للأطفال. هذه كتب نصية عليك أن ترسم قصصها في مخيلتك، وهو أمر يمكن أن تتقنه جيداً بعد الآلاف المؤلفة من التخطيطات التي اعتدت على مشاهدتها في مجلات الكوميكس.في الصفين الرابع والخامس الابتدائي صار النص أكثر حضورا من الصورة في الكتب. سلسلة العظماء في العلم والأدب (أعتقد كانت 20 كتابا)، وسلسلة معجزة (بالنسبة إلى طفل) مترجمة عن سلسلة ليدي بيرد البريطانية تحوي كل ما يخطر على بالك عن المعارف.كان التتويج في الجرأة على تمضية العطلة الصيفية بين الصفين الخامس والسادس الابتدائي في مطالعة موسوعة كاملة اسمها الموسوعة الذهبية (مترجمة في مصر أيضا) والبدء بشراء مجلدات موسوعة أخرى (مترجمة في لبنان) من تجميع مجلات بدأت تصل واسمها «المعرفة». أقرب وصف للمتعة في مطالعة هذه الموسوعات هو كأنك قرأت كل ما يأتي لك به محرك غوغل اليوم خلال أشهر الصيف والإجازة.أجمل ما في هذا العالم السحري من «حوادث» المطالعة هو عالم موازٍ من الصداقات تشكل بسببها. فميزانية الطفل، مهما كانت أسرته متمكنة ماديا، تبقى محدودة. والحل يكمن في سلسلة من الصداقات المباشرة أو غير المباشرة التي أساسها تبادل الكتب والمجلات والمجلدات. هذه كانت أول حلقة «مثقفين» تعرّفت عليها، وأطرف ما فيها أنها خارج التراتبية التقليدية التي تقوم على الأعمار، خصوصا في المدرسة الابتدائية، لتكون بين أعمار مختلفة تتراوح بين 8 سنوات و12 سنة. يمكن أن يكون لديك صديق أكبر منك بسنتين أو ثلاث سنوات، دون إشكال طالما يجمعكما الاهتمام بالكوميكس أو كتب الألغاز.كان هناك لقاء شبه يومي قبل ساعات الحر القائظ لتبادل الكتب والمجلات، ثم قتل ساعات الظهيرة بالمطالعة، للعودة وتبادل الكتب ثانية عصراً استعدادا للفترة المسائية.تبادل الكتب والمجلات كان، أيضاً، حلا لتعويض النقص المتاح منها في المكتبات بعد قرار رسمي عجيب يمنع استيرادها لأنها تشجع على البطولات الفردية. أغلب ما كنا نشتريه هو مجلات مستعملة تدور بين مكتبات بيع الكتب.المطالعة، أيضاً، تؤمنك من تشدد الأهل. «إنه يقرأ. أتركوه». لا أحد يعترض على الإكثار من المطالعة مثلما يتم الاعتراض على الإكثار من اللعب أو عند المبالغة في التجول بالدراجة الهوائية.«حوادث» الطفولة التي شكلت حياتي كانت سعيدة.كنا سعداء حقا.انتهى كلام الأستاذ هيثم الزبيدي
مربط الفرس هنا بعد هذه التوطئة المقتبسة من ذكريات هذا الكاتب العراقي المخضرم حول نهم المطالعة في الصغر بالنسبة لشباب المستقبل، وهو الأمر الذي ينبغي إعادة الاعتبار له مع ما نشهده اليوم وسنشهده غدا حتما وبكل قوة من غزو تكنولوجي كاسح، مربط الفرس هنا – كما أسلفت- يتعلق بانعقاد اللقاء التربوي التواصلي صباح السبت 15 أكتوبر 2016 والذي حظي باهتمام آباء وأولياء التلاميذ وكان ناجحا بامتياز في رحاب مؤسسة الرسالة التربوية بحي اشماعو بسلا ونظم لفائدة آباء وأمهات تلامذة المستويين الخامس والسادس من السلك الابتدائي تحت إشراف مدير المؤسسة الأستاذ محمد الإدريسي السغروشني بمعية المؤطر التربوي في اللغة العربية الأستاذ السليماني،ويندرج هذا اللقاء الهام في إطار المشروع التربوي الاستراتيجي لمؤسسة الرسالة التربوية الهادف إلى تكوين مواطن مسؤول ،يعي حقوقه وواجباته،متشبث بقيمه الدينية والوطنية ومنفتح على الحضارات الإنسانية..يجيد الحوار والـتـواصل ويقبل الاختلاف.وتعتبر العملية التربوية- كما جاء في ديباجة صفحة المؤسسة على شبكة الويب -بكل أبعادها معادلة متفاعلة العناصر تتقاسم أدوارها أطراف عدة في مقدمتها المدرسة والأسرة، و هما شريكان كاملان يتعين عليهما التعاون والتكامل من أجل تحقيق الأهداف المرجوة،إذ أن العنوان الرمزي التي تحمل همه هذه المؤسسة الجادة وهو من طراز “السهل الممتنع” يعني ببساطة الانتقال من”جودة المشروع إلى مشروع الجودة”.داخل قاعة الندوات بالطابق تحت أرضي وأمام شاشة عرض ضوئي،تناوب على المنصة عدد من خيرة ما أنجبته المعرفة وصقلته التجربة من هيئة التدريس بالمؤسسة في مختلف المواد الدراسيةكاللغات العربيةوالفرنسية والإنجليزية والرياضيات والنشاط العلمي والتربية التشكيلية بالمستويين الخامس والسادس من الصف الابتدائي،وهما محور اللقاء هناك، منهم على سبيل الذكر لا الحصر،الأساتذة نبيلة العزوزي ولبنى زراي ورفيقة بنجيلالي وأمان الصايغ وأمينة القرني وسهيلة بورقادي وإيمان الشرقاوي المالقي ونعيمة كرامي وأحمد أشلحي وسمية بنعزوز وحفيظة بوحبة وإلهام بوكطاية ونادية القوش وفدوى لطفي.ولا ريب- كما قلت وقال غيري في مناسبات سابقة – أن الحاجة ملحة لمثل هذه اللقاءات مع الآباء والأمهات لما أصبح يطرحه مشكل التعامل مع الأبناء من صعوبات جمة قد تؤدي إلى جنوح و ضياع إذا لم نحسن التواصل معهم وفق ديننا الحنيف والنظريات العلمية المتخصصة في الطفل.فإذا كان الطفل باكورة حياة و مسيرة مخاض عسير وثمرة حب ووجدان وهبة ثمينة من الخالق الوهاب لا يقدر قيمتها إلا من حرمها بأجل أوعدم ، مشيئة الله في خلقه،وهو اللطيف الخبير،﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ فإن ما يحز في النفس ويدمي القلب أن يتجرد بعض الآباء والأمهات من مسؤولياتهم التربوية في رعاية أطفالهم ومراقبتهم والتواصل معهم ترغيبا وترهيبا وبألوان الحب والعطف والرحمة والحرص على حياتهم ومستقبلهم ، وهو ما نشهده في كل زقاق وشارع وسوق ،حيث تجد هؤلاء الأطفال يتزاحمون على أشكال الخطر بالمجتمع بعدما لفظتهم روح المسؤولية الأبوية على وجه أخص لتدفعهم إلى خارج البيت منذ طلوع الشمس إلى ما بعد غروبها ،ولا يسأل عنهم أحد متى خرجوا ولا متى عادوا ، وتراهم يعبثون بمرافق الدولة والجماعة ويزعجون الساكنة والمارة ،لا نظام ولا انتظام عندهم بين التحصيل الدراسي وأوقات التسلية والرياضة والمطالعة الحرة إن سمعوا بها ،ونحو ذلك.كيف لنا أن ننقذ هذه الطفولة إذن من الجنوح والضياع ،إذا لم نضع يدا في يد ،ونتعاون كأسرة ومدرسة ومسجد ودورللشباب والرياضة ومجتمع مدني ومؤسسات حكومية وقادة للرأي ووسائل إعلام واتصال.إنها إذن مهمة المجتمع ككل ،وأسوتنا في ذلك المجتمعات المتقدمة التي فهمت كيف تنظم أجيالها لتصل إلى أعلى المراتب ،ولنا في ديننا الحنيف كنوز وجواهر لو كشفنا عنها لكفتنا في فن التواصل المثمر مع فلذات أكبادنا. ومسك الختام هنا،أقوال مأثورة لعظماء حول الطفولة والتعلم زين بها موقع اليونيسكو صفحته في موضوع التنسيق الدولي في مجال التعليم للجميع
“اقترف البشر أخطاء كثيرة ولكن أسوأ جريمة اقتُرفت على الإطلاق هي التخلي عن الأطفال، وإهمال ينبوع الحياة. ويمكن إرجاء الكثير من الأمور إلى وقت آخر.الكثير نعم، ولكن باستثناء الرعاية بالأطفال.فمرحلة الطفولة هي المرحلة التي تنمو فيها كل خلية من خلايا جسم الطفل وكل حاسة من حواسه. وبالتالي علينا أن نتصرف “اليوم” وألا نترك الأمور إلى “الغد””.عن غابرييلا ميسترال
“العادات التي نكسبها للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة هي التي تحدد ما إذا كان الأطفال سيعيشون حياة الفقر أو الثراء، أو الإنتاجية أو الخمول، أو الخير أو الشر.فلنعلمهم العادات الجيدة منذ صغرهم لنضمن لهم مستقبلاً آمناً”.عن ليديا سيغورني
تُخبرني أنسى، تُريني أتذكّر، تُشركني أتعلّم.مثل صيني
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحفي
