السلطة في المجال التربوي
أطلس سكوب
نعلم أن المفهوم يتغير معناه بما يحصل له من تطور في بنائه وقد يتأثر بوجهات نظر أولائك الذين يحاولون تعريفه. ومفهوم السلطة لايشد هو الآخر عن هذه القاعدة
فهل بإمكاننا إعطاء تعريف بسيط وواضح للسلطة ؟ يبدو أن الجواب بالنفي أو الادعاء بإعطاء رد بالإيجاب يعتبر جوابا تعوزه سلطة .
كما يرى O .REBOUL السلطة هي” المقدرة التي يمتلكها شخص ما ويدفع بها آخرين إلى عمل ما يريد دون أن يلجأ إلى العنف “.
أما وليام هازلت فيقول : إن السلطة هي حبنا لأنفسنا ، أما دوجوفتيل يعتبر السلطة : “ضرورة اجتماعية بالإضافة إلى كونها خطرا اجتماعيا “.
لقد كان للسلطة وقع خاص في نفوس ممارسيها منذ الأزل ولغاية وقتنا الحاضر ، يعتقد الكثير أنها تمنح ممارستها الثقة بالنفس والقوة وذلك من خلال الممارسة اليومية لها .
أما في الحقل التربوي فأشكال السلطة يختلف باختلاف ممارسيها ومصدرها :
سلطة المدرس على تلاميذه ، المسؤول فوق اللامسؤول ، من يعرف فوق من يجهل ، الراشد فوق القاصر ، إنها علاقة عمودية تتجلى بطرق متعددة : سلطة الأب ، سلطة المدرس ، سلطة الامتحان ، سلطة الزمن ، سلطة المدرسة …
فما هي أشكال السلط التربوية ؟ متى تكون شرعية ؟ متى تكون إيجابية ؟
ما هي انعكاساتها على المتعلم ؟ …تلكم أسئلة نجعلها بوابة هذا الموضوع المتواضع .
أشكال السلطة
يمكن أن نميز بين نوعين من السلط :
سلطة معتدلة وسلطة طاغية (سائدة ) والفرق بينهما كالفرق بين الثواب والعقاب .
– السلطة المعتدلة : تسعى جاهدة لكسب الفرد بتقديم مكافأة مجزية وذلك من أجل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .
– السلطة الطاغية : تقوم بإنزال عقوبة سواء جسدية أو معنوية وذلك لمنع الفرد من ممارسة أي نشاط شخصي غير مرغوب فيه .
نلاحظ أن السلطة المعتدلة تحاول كسب ولاء الفرد عن طريق التعهد بتقديم العون والمساعدة ، أما السلطة الطاغية تحاول اغتصاب ولاء الفرد بالوعيد والتهديد والعقاب ، فالفرق إذن واضح بين النوعين ، حيث تعتبر الأولى أكثر محافظة على حرية وكرامة الفرد من السلطة الطاغية التي تحاول ابتزاز الفرد بالتهديد والعقاب الجسدي
و المزج بين النوعين من السلط خلق سلطة هجينة تدعى السلطة المتكيفة .
– السلطة المتكيفة : وهي التي تستمد قوتها عن طريق إذعان الآخرين لها والإيمان بمبادئها والانصياع لأوامرها وذلك عن طريق الإقناع والتعليم والتعلم ، وهذا النوع من السلط هو الأكثر تفشيا في الحقل التربوي ، فما هي أشكال ممارستها ؟
II/ – -نماذج لأشكال السلطة في المجال التربوي :
-1 سلطة المدرسة : تتميز المؤسسة التعليمية بقوانين ذات طابع شكلي وتقعيدي في آن واحد ، حيث تستمد مشروعيتها من محاولتها القيام بتنظيم دواليب الحياة المدرسية لذا نجدها واضحة في القانون الداخلي لكل مؤسسة ، حتى هذه القوانين تطال سلوك التلاميذ داخل المجال الزمكاني المدرسي ، فبالإضافة إلى التنظيم الكلاسيكي المعروف باستعمال الزمن المرتبط بالحصص ، هناك قوانين أخرى تنظم حياة المتمدرس كتنظيم اليوم والأسبوع والسنة ، وكذلك التنظيم الوظيفي للمكان : الفصل ، ساحة المدرسة ، الخزانة ، الممرات ، الحديقة ….كلها تنظيمات تفرض سلطة إيجابية على المتعلم .
إن المدرسة بقوانينها هذه تحاول أن تعلم التلميذ الاستفادة من وقته ، كما تساعده على تنظيم المكان ، غير أن المبالغة في هذا النظام قد تفرغه من محتواه ولعل هذه المبالغة هي ماحدث بأصحاب التحليل المؤسساتي خاصة oury إلى اعتبار ونعت المدرسة بالثكنة l’école caserne
التي تفرض النظام من أجل النظام مما يخنق التلميذ ويحد من حريته ولذا تقترح التربية الحديثة مدرسة مرنة تنبع قوانينها من التفاعل الداخلي لأفرادها.
2 – – سلطة المدرس:
أ – سلطة الشخصية : إن الحديث عن أنواع السلط لابد أن يصحبه الحديث عن الوسائل المختلفة لتنفيذها وممارستها كالشخصية ، إذ ارتبطت هذه الأخيرة بالقوة الجسدية قديما ، فنجد مثلا أن رئيس القبيلة في السابق كان يمتاز بضخامة الجسم بحيث يستطيع أن يوقع العقوبة الجسدية على الخارجين عن إرادته ، إن الإرتباط الكبير بين السلطة الطاغية والشخصية يؤثر في سلوك الفرد ، ولقد شهد التاريخ ابطالا عظاما سخروا أجسامهم الضخمة لممارسة سلطاتهم أمثال هرقل إلا أن هذه القاعدة غالبا ما تبوء بالفشل لأن هناك العديد من الشخصيات التاريخية المرموقة على مر العصور سيطرت وسادت بذكائها وحكمتها والتزامها وليس بضخامة أجسامها أمثال أرسطو ، أفلاطون ، غاندي ،… الخ فالشخصية القوية هي التي تحاول كسب ولاء الآخرين عن طريق الإقناع والقيادة الحكيمة وهذه بدورها تتطلب رجاحة العقل والدقة في اتخاذ القرار والأمانة والصدق ، والوقار والرزانة وحسن التعبير والتحدث بلغة فصيحة وأسلوب مقنع وبليغ.
ب – سلطة الخطاب : تشير دراسة سيميائية حديثة حول الخطاب السلطوي إلى أن شكل العلاقة الاجتماعية بين المخاطَب والمخاطب وبين المرسل والمرسل إليه تأخذ شكلا نحويا بصيغة الأمر ، تمضي في اتجاه واحد لا يقبل التبادل اللغوي ويتميز بالغموض أحيانا ، إذ أن الغموض من أقوى أسلحة السلطة . فالعلاقة بين المخاطب والمخاطب في هذه الحالة ،علاقة أمر ونهي، والجواب المقبول الوحيد هو الامتثال والقبول بالخطاب دون محاولة إقناع التلميذ بل إخضاعه وإذا لم يمتثل فهو من العصاة لأوامر المدرس ، وهذا من أكبر الأخطاء التربوية الشائعة .
ج- سلطة القدوة أو النموذج (Modele): يعتبر التلميذ مدرسه قدوة في سلوكه وأفكاره من خلال الهيبة التي تشع من النموذج والإعجاب الذي يثيره فضلا عن كونه مرجعا للمادة .
د- السلطة اللاشعورية للمدرس : يعتبر المستوى اللاشعوري للعلاقة التفاعلية داخل العملية التعليمية التعلمية الشكل الخفي لهذه العلاقة ، ولئن كان من المفروض أن يكون العمل من جانب المدرس عملا معقلنا وواعيا ، فإن المدرس عموما لا يستطيع أن يتحكم دائما في أهوائه ومزاجه وانفعالاته ، وعلى الرغم من أن العقلنة مطلوبة على الدوام إلا أن تحقيقها بشكل مستمر أمر صعب ،ليس فقط لأن تعقد العمل التعليمي يتحدى أحيانا قدرات العقل البشري ، بل وأيضا لأن اللاشعور قد ينفلت أحيانا من سلطة الوقاية الواعية (الأنا) فيتمظهر بشتى الأشكال على ميدان الممارسة .
3- سلطة البرامج التعليمية :
يعتبر جل التلاميذ الآن أن المقررات التعليمية متسمة بكثافتها ولا تتناسب والمدة الزمنية لإنجازها بالكامل مما يشكل عبءا عليهم لاستيعابها وبالتالي هي تكبل حريتهم لتفتيق مواهبهم المختلفة و تمارس سلطة عليهم ،ناهيك أن الأستاذ مطالب بإتمامها في حينها دون مراعاة مستويات الفهم في ظل اكتظاظ للفصول الدراسية وتدرج التعلم عند التلاميذ الذين يتطلعون إلى ثقافة حرة ولا يجدون لها وقتا .كما أن هذه البرامج تحد من تفعيل أنشطة الحياة المدرسية المسطرة سنويا في الجمع العام لانطلاق الموسم الدراسي إلا أنها تبقى حبرا على ورق إذا استثنينا بعض المؤسسات التعليمية التي بفضل أساتذة مقتدرين حاملين هم الرسالة التربوية التي على عاتقهم …
4- سلطة الإمتحانات :
تمارس الإمتحانات سلطة على التلاميذ لاصطفاء ذوي المعدلات إلى مستوى أعلى فيلجأون بشتى الطرق إلى الغش الذي يعتبره أغلبهم حقا مشروعا ومسألة جد عادية ، كما أن سلم التنقيط وأداة القياس والتقويم المعتمدة يعتبرها البعض وسيلة قهرية وغير موضوعية مما يثير عداء التلميذ وسخطه على النظام المدرسي كله.
وقد بينت نتائج بعض الأبحاث التي أنجزت على التلاميذ المكررين أن أداءهم الدراسي ونتائجهم الدراسية لم تتحسن عن ذي قبل ، وإنما العكس هو الذي حصل ، فالتلاميذ المكررين يعتبرن إخفاقهم في الإمتحان بمثابة عقوبة مدرسية وليس تشجيعا لبذل جهد أكبر ، فإخفاقهم المتكرر يقودهم إلى وضعية الاستعطاف المدرسي ، ولايخفى علينا ما تعانيه الأسر المستيقظة لهذه الحالة بعد فوات الأوان .
III – انعكاسات السلطة على شخصية المتعلم :
1- انعكاسات سلبية :
أ – الإنكفاء على الذات : كنتيجة أولى لممارسة سلطة المدرس أو المدرسة عموما على التلميذ هي الإنكفاء على الذات كآلية دفاعية تسير في اتجاه التقوقع والانسحاب بدل مجابهة التحديات الراهنة والمستقبلية ،يحد التلميذ المحبوط من طموحاته فيعزف في بؤسه طيلة الحصة الدراسية وربما في حصص أخرى لمواد تعليمية أخرى. وفي حركة أولى يدير التلميذ ظهره للمدرس فيبتعد عنه ويقطع الصلة به إما بالغياب المتكرر أو بصد أذنه عن كل مراحل الدرس ، وتتضخم عنده مشاعر الفرقة والاختلاف وتتغذى عنده العدوانية الباطنية .
ب- التماهي بالمدرس المتسلط : التماهي بالمدرس يشكل أحد المظاهر البارزة في سعي التلميذ لحل المأزق الوجودي والتخفيف من انعدام الشعور بالأمن والتبخيس الذاتي الذي يلحق به من جراء وضعية الرضوخ.
إن التماهي هو مجرد التشبه بالآخر ومحاكاته دون فقدان الإحساس بالاختلاف عنه ، ويعتبر التماهي من العمليات النفسية في بناء الهوية الذاتية .
ج- التعصب والفاشية : إن الفصل الذي يسوده التوتر يهدد وحدة الجماعة بالتفكك مما يفجر قلق الوحدة والهجرة في مجابهة السلطة الممارسة كيفما كان نوعها ، فجماعة الفصل المتسلط عليها متعطشة بشكل مزمن للقوة في مختلف رموزها عبر شكلين :
– البطش والغلبة من جهة – العظمة والتعالي من جهة أخرى
وهي مستعدة للانقياد وراء زعيم يقودها في هذا الاتجاه ، يفجر ميولها للتشفي وابراز الذات.
2- انعكاسات إيجابية :
ونحن نتكلم عن انعكاسات ممارسة السلطة فلا نستطيع أن نحدد هذه الانعكاسات في السلبية فقط بل لها إيجابيات في بناء شخصية الفرد خاصة إذا كانت هذه السلطة متكيفة غير طاغية، لأننا نعارض كل سلطة تحط من قدرة الفرد، سلطة تعسفية يمارسها الإنسان على أخيه الإنسان، ولأن الغرض من السلطة التربوية ليس هو دفع التلميذ للتخلي عن ذاته بل دفعه للتخلي عن كل ما يمنعه من تحقيق ذاته، مع تحديد مجال حريته كي لا ينحرف عن جادة الطريق ،ذلك أننا لا ننتظر وقوع حادثة سير كي نتعلم الانتباه أثناء قيادة سيارة وبذلك قد تحقق السلطة التربوية كثيرا من المزايا منها :
– تكوين التلميذ صورة إيجابية عن الذات والمجتمع.
– التمسك بالقيم الأخلاقية والاٌجتماعية كالصدق : التضحية ، نكران الذات ، الحرية ، العدالة ، الحوار ، التضامن ، التسامح …
– حسن تدبير الوقت واستغلاله الجيد .
– تحمل المسؤولية ….
في ختام هذا المقال لا يسعنا إلا أن نستعرض قولة كانط التي مفادها ” يجب أن نصرح للطفل أننا نمارس عليه سلطة من شأنها أن تقوده إلى ممارسة حريته ” فالسلطة الإيجابية ليست شرا ، ما يعد شرا هو السلطة التي تفرض الإكراه بواسطة القوة أو الحيلة دون تبرير ذلك الإكراه ،وهذا ما يمارسه الكثير من أساتذتنا الأجلاء داخل الفصل الدراسي وفي ساحة المؤسسة لاقتناعهم بعدم الاستغناء عن السلطة الإيجابية ( المتكيفة ) لكي ننقد الناشئة من الإضرار بنفسها وبالآخرين ولتعلم ما لا يستطيعون تعلمه من تلقاء أنفسهم، إذن فمن يحتاج للتربية فهو يحتاج للسلطة بالرغم من أن غاية التربية تكمن في تعلم التخلي عن السلطة. ولعل كتابة هذه السطور تأتي من أجل المساهمة في التخفيف من حدة العنف
المدرسي الذي تفشى بشكل رهيب في أوساطنا التعليمية فقط بسبب مايكتنف السلطة التربوية من لبس وغموض في تطبيقها إيجابيا للسمو بمتعلمينا إلى مدارج العلم والتعلم عوض الزج بهم في مستنقعات لامخرج منها .
ولعل إنشاء وإرساء خلايا الاستماع والوساطة بمؤسساتنا التربوية خطوة إيجابية لترسيخ وتعزيز السلوك الصحي
والآمن للأطر العاملة بالمؤسسة وتلامذتها . بقلم احمد اليازمي