المسلك سعيد :
سبق و أن تطرقنا قبل ثلاث سنوات في إحدى المقالات إلى العلاقة الملتبسة للسلطة مع البوق، و أنه ظل على مر العصور القناة الرئيسية لممارسة السلطة و تمرير مصالحها. في المقابل، يضرب الحصار على البوق في العديد من المناسبات، كمنع الترخيص باستعماله من طرف الجمعيات التي تود إخبار المواطنين و دعوتهم لحضور أمسية ثقافية أو مسرحية (كما حدث ذلك ضد إحدى الجمعيات القانونية يوم 30 يونيو 2013)، ثم (منع أعضاء فرقة الأكواريوم “من الرباط” سنة 2010 من استعماله لدعوة الساكنة لحضور عرض مسرحي حول الرشوة بدار الشباب) كما ثم كذلك منع فعاليات المجتمع المدني بأزيلال من استعمال مكبر الصوت و لم ترخص لها إلا بشق الأنفس، عندما أرادت هذه الفعاليات بأزيلال سنة 2011 ان تدعو كل المواطنين خلال ساعتين، لحضور مسيرة اقليمية تنديدا بمغالطات الصحافة الإسبانية إثر أحداث العيون الدامية… الخ. هذا ليس إلا جزءا بسيطا من تاريخ الحساسية الغريبة للسلطة من استعمال جمعيات قانونية للبوق لأغراض تحسيسية و تثقيفية. حساسية مفرطة جعلت البوق معطلا إلا لصالح السلطة التي تشغله بشكل احتكاري في بعض الظروف التهديدية لحث المواطن على أداء فاتورة الكهرباء (الثمانينات و التسعينات)، أو عند حثه على وضع الطلاء الأحمر على واجهات المنازل كلما اقتربت مناسبة وطنية، أو أنها ترخص باستعماله في بعض المناسبات السياسية كالانتخابات…
و نود في المقال الحالي أن نطرح سؤالين على كافة المسؤولين بالسلطات الإقليمية : هل يدركون مدى خطورة ضجيج الأبواق المتعالية بالأسواق المحلية؟ و هل هم على علم ببعض الألفاظ البذيئة و الساقطة التي يتلفظ بها بعض التجار و الباعة (عنوة)، عبر البوق خصوصا “بالسويقة”، لا تمت لأبسط شروط الاحترام و الوقار بصلة؟
بالنسبة للسؤال الأول، يمكن لنا أن نغني أنفسنا عن انتظار جواب عنه ما دمنا –كمغاربة- شعبا لا يكترث لمخاطر الضجيج، و لا يفقه في ثقافة الإزعاج النفسي و الصحي جراء الضجيج شيئا، لأنه و بكل بساطة شعب ألف الضجيج في كل الفضاءات الممكنة :
– ففي المنزل، يبقى التلفاز مشتغلا و بصوت مرتفع حتى وإن كانت الغرفة فارغة، لا يتفرج عليه أحد !
– و في المقهى، يصل مستوى الصوت إلى أقصى مستوياته في آلة التحكم، عند كل مقابلة من المقابلات التي تقدمها جزيرة قطر !
– و في الأحياء الشعبية، يتعايش المغاربة مع ضجيج الحرف المزعجة بشكل مقرف ! و لا تخلو محطاتنا الطرقية من “التبراح” بصوت عال لحث المسافرين على ان يستقلوا حافلات ذاهبة إلى وجهات معينة !
– و يلازم صخب الحديث بصوت مرتفع حتى الركاب داخل حافلات النقل العمومي بالمدينة.
– و يرغم بعض المغاربة جيرانهم داخل العمارة أو غيرها على ان “يتبركوا” بشيء من صوت الموسيقى المرتفع النافذ إلى غرفهم و هم نيام أو مرضى !
– كما ألفوا ضجيج “البز” في أزقة و شوارع الأحياء الشعبية بالنهار كما بالليل بل هناك من يتكلم مع اصدقائه بصوت مرتفع مجاني داخل الحمام العمومي غير مكترث بالآخرين… الخ
هذا إذن “تعايش سلمي” للمغاربة مع الضجيج في سمفونية فريدة تصل أحيانا إلى حد التناغم بشكل عجيب، و تجعلنا لا ننتظر جوابا على السؤال الأول رغم أن التوتر الدائم و احتمالات ارتفاع ضغط الدم هي من ضرائب حياة الضجيج التي لا نعيرها الاهتمام اللازم !
و لكننا في المقابل، سننتظر و بإلحاح جوابا عن السؤال الثاني المتعلق باستعمال اللفظ البذيء و الكلام المستفز لمشاعر المتسوقين من الزبناء و القاطنين و حتى الزوار.
إذ لا يعقل أن يقوم “التاجر” يوم “السويقة ” بعرض سلعته و هو يرفع عقيرته بالصراخ عبر البوق بألفاظ من قبيل :
– ” يالاه أللي تاينعس حدا مراطو ….”
– ” ها البنان أحنان ….”
– ها العشبة للراجل اللي ما يشوف فالمرأة …”
أعتقد أن المسؤولين بالسلطات جميعها، لن يعذروا بتجاهلهم لهذه التصرفات اللفظية المشينة و المخلة بالأخلاق. ألفاظ غير مقبولة في هكذا فضاءات عمومية و يعافها كل طبع سليم.
و نوجه في ختام هذا المقال البسيط، نداء مسؤولا إلى كافة السلطات المحلية لاتخاذ الإجراءات اللازمة في حق كل من تسول له نفسه (عن قصد أو غيره ) بأن يستفز مشاعر المواطنين بألفاظ لا أخلاقية / عبر أبواق يتجاوز ضجيجها حدود المعقول. و نعتقد ان من شأن زجر هذه الظاهرة المضرة بأسواقنا المحلية، أن تحول دون حدوث ما لا تحمد عقباه في القادم من الأيام، خصوصا و أن عددا هائلا من المواطنين كانوا قد تقدموا بشكايات شفوية و أخرى كتابية إلى بعض الفعاليات المدنية و الحقوقية حول هذا “الطاعون” الذي أضحى يهدد حتى فكرة “المدينة الهادئة” التي تسعى كل المجالس المحلية إلى تحقيقها في المستقبل عبر مخططاتها التهييئية و التنموية. كما اضحى ينفث سمومه في الثقافة المحلية المتسمة دوما بالاحترام و الوقار الذي تحرص على استمراره، الأسر بهذه المنطقة الأمازيغية و الجبلية.
و لنا تتبع لهذا الموضوع …