ظلّ العالمُ العربي مسرحَ تجارب للأنظمة التي تجرّبُ أنماط الحكم المختلفة دونَ أن تصلَ إلى تحقيق نموذج. دونَ أن تبني حكماً ديمقراطياً يحاكي على الأقل أدنى الديمقراطيات الأوروبية. منذ فجر الاستقلال والعالمُ العربي يطمحُ إلى تقليد النموذج. فتبنّى الحركات السياسية و الايديولوجية التي أبدعتها الدول الأوروبية و غيرها من دول العالم. استوردَ الأفكار لكنّه لا يستطع أن يطبّق النموذج، لأن العرب كانوا بحاجة إلى سياسي ينتخبه الشعب و يليقُ بالجمهورية الناشئة. كان ذلك بعد الاستقلال بقليل. ثمّ سرعان ما صارت التيّارات العربية تبحث في نفسها عن النموذج. كان نتاجُ ذلك البحث استشراء نمط سياسي عربي يقومُ أساساً على الانقلاب و السيطرة على الحكم. انقلابات عرفتها الدول العربية جميعها بما فيها بعض الملكيات التي اختفت نتيجة البحث عن النموذج. لقد كانَ البحثُ مجردّ تخبّط في تجارب فاشلة على المستوى الديمقراطي و السياسي والاجتماعي أيضاً.
أنتجَ النموذجُ العربي حكاماً أشبهَ بالآلهة. في البدء كانوا من الشعب ثمّ أصبحوا فيما بعدُ آلهةً تعيشُ في الظّل، وتحرصُ على ألا تظهرَ إلا في صورة الاله الذي كانَ من قبلُ بشراً سوياً و لم يعد. نضربُ مثلاً بالحكم في مصر و ليبيا و سوريا، أمثلة حيّة عن الحاكم الإله الذي انتقل من مرتبة عسكري ابن الشعبِ إلى إلهٍ تعالى عن كلّ شيءِ و ترفع عن كلّ منصب. فأصبح العالم العربي بحاجة مرّة أخرى إلى النموذج كلّما شاهد على التلفاز حاكماً أوروبيا يعترفُ بالهزيمة و يهنّئ غريمه، حاكمٌ فرنسي يتوقف عن تقديم نفسه مرشحاً لا لشيء سوى لأنه يرغبُ في التغيير. بينما ظلّ حكام العرب يغيّرون الدستور و يرقعون و يخيطون بما تمليه عليهم سجيّتهم أعلامَ أوطانهم. حتّى إن إلهَ ليبيا المخلوع معمّر القدّافي قائد الثورة، قالَ وهوَ يخطبُ في آخر ظهور له : ” كيفَ أستقيل.. لو كانَ لدي منصبٌ أصلاً لتركته، لكن لم يكن لدي منصبٌ في الأصل”. لقد اعتبرَ الرجلُ نفسهُ جسداً متماهياً في الحكم لا فرقَ بينه و بين الوطن، الالهُ الحاكم هو الوطن. لا يمكنُ خلعهُ عن الحكم دون أن يدمّر الوطن.
لقد دُمّرت الأوطان العربية في غالبيتها أو معظمها. لقد عاشت اضطراباً خلال الربيع العربي الذي جرّد الآلهة الحاكمة من حكمها، و شرّد الوطن حتّى إن بعض الأوطان غيّرت العلم و الدستور و الأرض و معالم المدن وكلّ شيءٍ… كلّ ذلك من أجل النموذج. بينما بقيت أوروبا تعطي أمثلة في التحول الديمقراطي ومحاسبة الحاكم و الوزير و المسؤول دونَ أن تدّمر وطناً أو ترقّع دستوراً. كلّ ذلك لأنها تمثّل النموذج. جاءَ الربيعُ و حملَ ريحاً عاتية اجتاحت كلّ ميادين التحرير من المحيط إلى الخليج. نجحت بعض الدول في احتواء الأزمة ولجأت كعادة العرب إلى تغيير الدستور. تغيّر الدستور و تغيّر الحاكم و تغيّر كلّ شيءٍ في بعض البلدان ولكن ظلّ السعب يفتقد النموذج. نذكرُ مصر على سبيل المثال لأنها كانت في مقدمة الدول العربية التي قامت على النموذج، وتزعمت حركة التغيير منذ الاستقلال. الآن تغيّر كلّ شيءِ فيها، خُلعَ الإله وقُتل الكثيرون و جاءَ الحاكم المنتخب من الشعب. لكنّه سرعانَ ما عادت روحُ الآلهة وجاء ربٌ جديد. ربٌ يذبحُ أبناءه و يحكمُ بالآلة العسكرية، و لا شكّ سيظلّ خالداً للأبد. كلّ ذلك في سبيل النموذج.
انتهى زمن الربيع و ولّى، وذبلت زهرة الياسمين و دُفنَ الشهداء، عادَ الجميعُ إلى بيوتهم و ساد الصّمت من جديد. الحناجرُ التي كانت تصرخُ في الميادين هيَ نسفها التي تصرخُ خلف التلفاز وهيَ تشاهدُ مباراة بدر هاري الأوروبية، أو مباراة ريال مدريد و برشلونة، وهيَ نفسها التي تراقبُ بأمل كبير حملة ماكرون و لوبان المتنافسان على حكم فرنسا. هم نفسهم الذينَ وجدوا ما يشفي الغليل في متعة مشاهدة عرسٍ ديمقراطي يعبّر عنه الأتراك في استفتاء تغيير الدستور الذي لم يحقق سوى أقل من واحد و خمسين بالمائة من الأصوات، ذلك بعد أن ضجروا من الاستفتاء العربي الذي يقدّمُ على الأقل في أدنى الإيمان تسعة و تسعين فاصل تسعة و تسعين بالمائة من الأصوات. هم نفسهم الذين يتابعون حاكماً أوروبيا يتنازل على الحكم من أجل أن تستمر الدولة دون أن يتغيّر الدستور أو يتداعى الصرح الديمقراطي. هم نفسهم المتفرجون الذين شاهدوا حاكما أوروبيا يشكر الواحد و الخمسين بالمائة على ثقة اختيارهم وتصويتهم لمشروعه السياسي الذي هو مشروع الشعب. بينما في العالم العربي يحصلُ الحاكم / الإله على تسعة و تسعين بالمائة فاصل تسعة و تسعين، فيبحث عن صفر فاصل واحد بالمائة الذي لم يصوّت له لتصفيتهم ويجري خلفهم في الأزقة. هيَ إذن رحلةٌ للبحث عن النموذج، لن تتوقف هنا بعد الربيع.
لقد ولّى الربيع ولم يترك شيئاً، لأن النظام العربي و الشعب أيضاً، جُبلَ على الإشاعة. حتّى إذا تحدّث أحدهم في دولة بالمشرق عن حاكم عادل في مغرب الأرض، قالوا إنها إشاعة. المسؤول في العالم العربي مرتبط بالكرسي، لا يفارقه حتّى بعد الموت. والبرلماني/السياسي يراكم ثروة بمباركة الأنظمة الحاكمة التي انتخبها الشعب نفسه. بينما في أوروبا يحاكمُ البرلماني والسياسي وعمدة المدينة على كلّ فلسٍ أنفقه على نفسه. من منا لا يذكرُ حادثة آلة تحضير القهوة التي احتجّ بسببها المتظاهرون البريطانيون بعدَ أن ظهرَت في مكتب كاميرون رئيس وزراء بريطانيا. لم تمضِ عن المظاهرة ساعة حتّى خرج كاميرون بتصريح و نشرَ فاتورة شرائه للآلة تحمل اسم المحل الذي اشتريت منه وثمنها و أنها كانت من ماله الخاص و جيبه. هذا لأنه النموذج. بينما في العالم العربي، وجدت مرايا من الذهب في منزل الرئيس بن علي. وسيارات فارهة وقصوراً وأموالاً وذهباً في منزل القدّافي و مبارك… و أصغرُ السياسيين عندنا يملكُ ما لا يملكُه كاميرون وأكثر. البرلماني في المغرب يعيشُ في قصر و تكبرُ مشاريعه بسرعة البرق. بل هناك برلمانيون لا يملكون حتّى قوتَ يومهم، وبعد أربع سنوات من الولاية أصبحوا يعيشون في فللٍ وقصورٍ وسيارات فارهة وعمارات في أضخم المدن المغربية و أغلاها ثمناً. بل إنّ الإله العربي يتسجّدُ عند العرب في حاكم الجماعة المحليّة ورئيس البلدية. أما معالي الوزير فحدّث ولا حرج. وكلّما علا السياسي العربي أصبحَ يقربُ إلى السماء لينافس الإله فيها. هذا لأنه يفتقرُ إلى كاريزما النموذج.
و إذا كان النموذجُ في اللغة يعني المثال الذي يبنى عليه و يقتدى بهِ، فقدَ وجدَ الشعبُ العربي المثال في الانتخابات الفرنسية، و كرة القدم الإسبانية، واستفتاء بريطانيا، ومعاملة الحكومة الألمانية و غيرها من المثل العليا في الديمقراطية و السياسية و المجتمع. لقد أصبحَ العالمُ العربي شغوفاً بالبحث عن النموذج، نموذج لا يمكنُ أن يجده إلا على شاشة التلفاز أو على شبكات الإنترنت. بينما سيظلّ النموذج العربي فاشلاً منقوصاً لأنه لا يمثّل الشعب في غالبيته و يأتي من الأعلى نحو القاعدة. بينما ينطلقُ المثال الأوروبي من الشعب نحو الشعب، من القاعدة التي تصوت نحو القاعدة التي تقرر مصير السياسي. هيَ إذن مفارقة و مقارنة غيرُ عادلة بينَ مثال يعتبرُ النموذج في كلّ شيءٍ لأنه يحتكم إلى الشعب. وبينَ أنظمة عربية تتخبط في التجارب التي تتحكّمُ في الشعب وتفرضُ عليه من السماء. وكلّ شيءٍ عند العرب يأتي من السماء، الدينُ و السياسة والقانون و الدستور، كلّ شيءِ ينزلُ وحياً من السماء التي يقبعُ فيها أشباه الآلهة التي تقرّر كيفَ يكونُ الأمر و مستقبل الشعب المغلوب على أمره. تقّرر الأرزاق و الأسماء و البناء و التاريخ و كلّ شيءٍ، لأنها أشباهُ آلهة خلقت لا لشيء سوى أن تمثّل النموذج العربي.