أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

القاعد المتقاعد

ما الذي تساويه حياة الإنسان، عندما يستحيل ربيدة ( أرشيف) من الربائد المصفوفة؟ ملف سميك وحزمة من الأوراق الصفراء البائدة المختلفة الأحجام، تذيلها أختام غريبة من الزمن الغابر. ذهبَ صاحب الملف ، و ذهب أصحاب الأختام الحمراء و الزرقاء، المربعة و المدورة، حياة صاخبة حافلة تنتهي داخل ملف مركون في زاوية من الزوايا.

كم هي بائسة حياة العامل أو الموظف… هكذا و على حين غرة ينتهي كل شيء، وتخبو الجذوة السابقة، و تتحول الحروب الصغيرة إلى رماد كاب مصفوف محزوم.

الموظف الذي كان رقما، مجرد رقم، في متوالية من المتواليات التي لا تنتهي، ولا يعرف فيها أحد أحدا، وبنقرة واحدة، ينقلونه من زمرة “الواقفين” ويلحقونه بزمرة القاعدين المتقاعدين، و يلقمونه طعاما ذا غصة يزدرده خلسة، وكأنه يزاحم عرق الكادحين.

تطرح مسألة الأختام التي انتهت صلاحيتها و صلاحية أصحابها، مسألة بالغة الأهمية ،تخصّ الخاتِم و المختوم، الموقّع و الموقّع  له ، السائم و المسوم، و هي طائفة من الناس خاضت حروبا صغيرة في الماضي و انتهت ولم يسمع بها أحد ، ربما لضعتها و ضعة أصحابها ، الذين ظنوا أنهم يوقعون حينها في كتاب من كتب التاريخ، في حين أنهم كانوا يختمون على نسيانهم المحتوم.

محاربو الأمس، ضرب عليهم التاريخ بنسجه، وصيرهم شخوصا من الماضي  بدون حراك، كان يكفي أن يُلفظ اسم واحد من هؤلاء، لترتعد فرائص الذين ساموهم المحن، هذا الخاتم المزخرف الكاذب البائد ، الذي لم يعد يصلح لشيء، كان قادرا أن يمهر ورقة صغيرة من بضعة أسطر،  قصاصة ورق كانت كافية لتحول حياة أحدهم جهنم حقيقية، و تحول مساره  وتبعده عن المسار ظلما و عسفا و هضما.

الآن انطوت تلك الغطرسة القديمة داخل خاتم باهت مصفوف في رف من الرفوف، داخل خزانة  من الخشب الصدئ، في قسم من أقسام الربائد البالية المنسية في ركن من أركان إدارة من الإدارات.

والمسألة ذات شجى كبير، إلى حد المأساوية، لا سيما بالنسبة للذين يغادرون ” مُكرهين ”  ( في الغالب ) الكراسي الجلدية المطرزة، وأصحاب الأختام المزركشة ، يُصرفون إلى القعود و كلهم رغبة  في الدوام بقاء و انتصابا.و حتى الذين جرفهم سيل المغادرة ” الطوعية” استفاقت طائفة كبيرة منهم  في الغد ، على الجفاء  والنبذ و الإقصاء، و انفض من حولهم أولئك الذين كانوا يزينون لهم أعمالهم.

و المسألة بالغة الإنسانية إلى حد كبير، لكن بالنسبة إلى طائفة كانت تعمل في صمت، وتكدح في صمت ، و تعاني في صمت، من غير كراسي و لا خواتم ، إلا من خاتم فضة في اليد، بالنسبة لهؤلاء ،فإنهم  ينصرفون بعد درب مؤلم من الكفاح و الكبَد و المشقة.

وليس كل المحالين يقعدون، بل إن كثيرا من كائنات الكدح تظل في كبد، حتى الرمق الأخير ومنها من يسقط كادحا في ساحة الضراب، مثل تماثيل العهد الستاليني الحديدية. فالسيد “ف” مذ غادر الثُكنة، وهو يطارد لقمة العيش يكاد لا يستسيغها، و السيد “ل” لم يفهم لحد الآن كيف أن طائفة من البشر ، تقبض مرتبا في نهاية  الشهر وهي قاعدة، أما هو فإذا قام أكل، وإذا قعد جاع، و التقاعد ضرب من الخيال و أحلام ذوي الأيدي البضة الناعمة.

جرت مؤخرا معركة حامية الوطيس بين الأجير و المدير، معركة صدق فيها الصادقون ، و تواطأ فيها المتواطئون ، الإدارة من جهتها، ترغم الأجير و تستبقيه لديها مرابطا إلى حين، مع ما يستتبع ذلك من قضم وهضم لحقوقه المالية، التي هي بساط تقاعده.

و الأجير من جهته، يتحين الفرصة للانفلات من ربقة الاستئجار، فارّا بما “حوّشه” من دراهم معدودات، ومبقيا على جسد و عقل متهالكين ، لعلهما يسعفانه فيما تبقى من العمر.

والمسألة  بعيدا عن شقها المالي ،  ذات بعد كاريكاتوري ساخر، مضحك مبكي، لمّا نرى طائفة من الناس في النزع الأخير من العمر، وقد أعيتهم الحيلة وقد فعل فيهم الزمن فعلته، وحاصرتهم الأدواء من كل مكان، يُطلب من هؤلاء بعد أن يُجاوزوا الستين ، أن يشمروا عن سواعدهم العجفاء، و أن يستمروا في بذل مزيد من العطاء و الإنتاج و المردودية و الإشعاع … و غيره من الكلام الفضفاض المتهافت.

و الستون كما يعلم الناس، علامة لخفض السرعة، بمقتضى قانون السير و الجولان، بعد طريق مضنية، كأداء شاقة، ضاع فيها المجداف و الملاح، وخفت فيها البصر، وانفلت عقد الأسنان، واشتعل الرأس، و أصيبت الأعضاء بالخلل و الأعطاب، فماذا يتبقى من هؤلاء؟

الجواب متروك للإدارة التي عليها، أن تستبدل بعلامة الستين، أخرى ترفع الإيقاع و تزيد من السرعة إلى المئة، لنرى كيف تسير الأمور و كيف يكون المردود!

فطريقنا غير الطريق، و روحنا غير الروح، و حجرنا المُدحرَج غير الحجر، فكيف نساوي بين الناس !!

                                                                           عبد الحكيم برنوص


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد