لطالما قلنا :إن المقامرة باللعبة الديمقراطية ،هو مقامرة بمصير الشعوب ومستقبلها ، فالتحكم بإرادة الجماهير وتزوير اختياراتها بالتلاعب في صناديق الاقتراع ،أو بشراء الأصوات بالمال ،أو بتجنيد الطابور الخامس لمساندة هذا الحزب أو ذاك ، هي سياسة تؤتي أكلها على المدى القصير لكن تأثيرها على جسم المجتمع كالمواد المسرطنة التي تفعل فعلها مع مرور الزمن .ولكم ناقشنا هذه الإشكالية وحاولنا التنبه من أخطار هذه الظاهرة منذ سنوات حين كنا طلابا في الجامعات ومناضلين غيورين على بلدنا ننشط في بعض الأحزاب الوطنية التي عقدنا عليها آنذاك آمالنا وأحلامنا من أجل بناء مغرب ديموقراطي مشرف ،لكن قادتنا السياسيين ومسؤولينا الحزبين لم يكن صدرهم يتسع لمثل هذه المواقف عن وعي أو عن غير وعي، وربما عن غرور سياسي ،ما حدى بمئات بل آلاف من المناضلين الشباب إلى النأي بالنفس شيئا فشيئا حتى انسلخ بعضهم عن أحزابهم وعزف البعض الآخر عن السياسة برمتها . وبدأ مسلسل التنازل عن المبادئ والتفريط في الثوابت التي ناضلت عليها أجيال من المناضلين الشرفاء الذين ضحوا بحريتهم وأعمالهم ومستقبل أسرهم وحياتهم… واسترخصوها إيمانا منهم بأن المشروع الديموقراطي الذين يحلمون به إن لم يتحقق على أيديهم سيتحقق حتما على يد إخوانهم لفائدة أبنائهم ولفائدة الأجيال القادمة. لكن حب السلطة والتهافت على الكراسي وانعدام النفس الطويل لذى بعض القادة الذين تحملوا المسؤولية على رأس الهياكل الوطنية والإقليمية الحزبية.
دفع بهذه الأحزاب إلى الخضوع للإملاءات والإغراءات والاستسلام للمخططات ظنا أو تواطؤا منهم أن الديموقراطية لا تأتي دفعة واحدة ، بل على جرعات وأنه بإمكان الشعب أن يحقق بالتوافق ما لا يمكن تحقيقه بالصراع ومقارعة الباطل وأن الحق يمكن أن يعطى بلا تضحيات …هكذا اعتقدوا أو على الأقل حاولوا أن يسوقوا هذا الوهم . فبدأ مسلسل التنازلات واستفحل التزوير والفساد ورغم الاحتجاج والمعارضة تم الانخراط في أول حكومة للتناوب وبعد ذلك كرت سبحة الانشقاقات والانقسامات حتى وصل الأمر بأحد أكبر الأحزاب الوطنية إلى القبول بالتزوير لفائدته ما حدى بأحد المناضلين رفض فوزه بمقعده البرلماني آنذاك وفضح التلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية لفائدة حزبه الذي كان يوما يجسد طموح الجماهير الشعبية ويدافع عن حقوق الكادحين .وما هي إلا سنوات حتى تشرذمت الأحزاب الوطنية بقدرة قادر وفقدت مصداقيتها وبريقها وشعبيتها بل وفقد الشعب كله التقه بالعملية الانتخابية برمتها رغم تفريخ أحزاب إدارية لترميم المشهد السياسي لكن ذلك ظل بدون جدوى .
وبدأ اهتمام الناس بالعملية الانتخابية يقل شيئا فشيئا حتى تدنت نسبة التسجيل والتصويت إلى نسب كارثية تندر بالانفجار . ورغم المساحيق السياسية التي حاول بها أصحاب القرار تدارك الأمر وتجميل وجه الدمقراطية ما أمكن ولو مؤقتا لتجاوز بعض الوضعيات الصعبة التي تجتازها البلاد بصفة خاصة والمنطقة بصفة عامة .ظل ذلك مجرد مناورة لا أقل ولا أكثر وقد بينت انتخابات 7 أكتوبر 2016 أن العطار لم يصلح ما أفسدته أيدي المتلاعبين بمصير الشعب ولم تغير من مخططاتهم وأن الإرادة لم تتوفر بعد لتبني سياسة ديموقراطية حقة . وهنا لا بد من دق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان إن لم يفت حقا .ولا بد من الهمس في آذان الحكام بالحقيقة التالية : إننا من باب الغيرة على هذا الوطن الذي نحبه كثيرا نقول لكم كفى من السياسات الخرقاء المبنية على الزيف والتزوير وشراء الذمم والكذب والقمع اسمعوا رأي الشعب واحترموا إرادته لأن في ذلك صلاحكم وصلاح الأمة كلها حاكميها ومحكوميها عامتها وخاصتها .
واعلموا أن سياسة اللوبيات وفرق تسد وشراء المناصب بالمال واعتماد المحسوبية والزبونية لن تؤدي إلا لمزيد من التمزيق والبتر في الجسم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتفافي لهذا الشعب .وإن ما نراه اليوم بأم أعيننا من احتجاجات و توترات وحراك هنا وهناك ما هي إلا نتيجة لغياب التأطير الحقيقي للتشكيلات السياسية والاجتماعية بفعل إضعاف الأحزاب الحقيقية وتمييعها واختراقها حتى صارت عاجزة على ضبط الجماهير وتربيتها بعد أن كانت مدرسة للتأطير والتنظيم فما بعد النظام أيها السادة غير الفوضى وما بعد الفوضى غير الخراب والدمار فهل من عاقل ؟ المصطفى توفيق أزيلال في :02/6/2017