أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

سلاحف الماء

الناس كائنات مائية، قد تجد غَناء عن السيارة و الهاتف و الأخ “غوغل” ، لكن قطعا  لا مندوحة لها عن الماء، منه انبثقت، وبه قوام حياتها، و لو ركبت المريخ. ومايميزها عن الكائنات الأخرى المائية، شغفها بالماء ، و باللعب به و العوم في لججه الكبيرة و الصغيرة، مهما علا شأنها أو صغر.

عندما يشتد أوار الشمس و تصير الدنيا جمرا قائظا ملتهبا ، وتقترب الجوناء من الهامات وتضحي البيوت كالأفران المشتعلة ، و يأتي “الشوم” من وراء الجبل يشوي الوجوه ، تزحف جحافل البشر ، إلى حيث يوجد الماء، عذبا ( في طور الانقراض) أم أجاجا أم ملوثا، لا يهم…المهم أن يلبس رب الأسرة سراويله القصير، و هو يرى سلاحفه الصغيرة تتمرغ في الماء.

لإيلاف  الناس إذن رحلة الصيف، التي لا مفر منها و لو كلف ذلك دينا دائنا، يحجز على مال المستقبل المفترض ، يتحسسون نقط الماء ليس بشفاهم العطشى فقط، بل أيضا يلتقطونها بمجساتهم الجلدية المنكسرة. فللماء سحره العجيب على الأجساد الناشفة، و يجعلها تنصب الشمسيات و الخيم، و يتبادل أهلها النظر إلى الأجساد المجاورة الأخرى المكشوفة و المغطاة، في تواد و انسجام لا مثيل لهما…لا أحد يتأفف أو ينزعج أو يعترض ، فالموسم موسم الماء ، والطقس طقس الحر و العرق ، و للماء طقسه و مراسيمه ، أولها الكشف و الدّهن ثم الاستلقاء، فالماء ساحر يغطي العيون.

ليست الدول وحدها تقاتل من أجل موطئ قدم على بحر أو محيط، الكائنات البرمائية هي الأخرى، تحاول جاهدة أن تكون لها شرفة على التربة الندية المبلولة بماء البحر، وإن لم تدفع مقابل هذا، فمصيرها التواري إلى الوراء، إلى المقاعد الخلفية،  حيث الرمال القائظة، شبيهة رمل الصحراء.

تصطف هذه الكائنات البرمائية تُطل على موكب البحر، يأتي و يذهب، ساكنا أو هائجا، و تبعث بكهولها، دون نسائها ـ غالبا ـ  وتقعد تتفرج  وتحرس صغارها يحفرون في الرمل الندي، ويلقون بأجسادهم الصغيرة المكورة فوق  المويجات المتكسرة، كأنها سلاحف الماء.

تجلس ربة البيت، بوقار مصطنع، و خلف نظارتين سوداوين ، تحرس المخيم، وتراقب بحذر شديد، سلاحفها الصغيرة حتى لا يزدردها البحر، تصيح و تحذر و تتوعد، تماما كما يفعل منقذ الشاطئ. وقبل موعد المغادرة بقليل، و قبل أن يهدم القوم خيمهم  و بسطهم و أفرشتهم، تتسلل صاحبة الوقار، وفي غفلة من الجمع، تطفئ لهب الجسد العطشان في الماء … الماء الساحر، الماء المُغوي الذي لا يقاوم نداؤه، الماء الذي جاءته من بعيد من بلاد القيظ و الجمر و الرمضاء.

                                                                           عبد الحكيم برنوص

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد