تفاعُلات فضيحة ملعب مولاي عبد الله الموشكة على قطفِ رأس وزير الشبيبة والرِّياضَة، محمد أوزِين، باتتْ تصور، أولويَّات الشارع المغربِي، على نحوٍ جلِي، في يومنا، بالقدر الذي تجردُ بكثير من الدقة أمورًا يكونُ انكسارُ المواطنِ فيها، خطرًا محدقًا بالدولة.
لا مراء في أنَّ طفُّوَّ الماء على أرضيَّة الملعب، أحدث خدُوشًا بصورة المغرب في الخارج، بعد بذل 22 مليارًا من جيوب الشعب، كيْ توضب، فتكون ملائمة للعب الضيُّوف، لكنْ ألمْ تكنْ غضبتنا فِي مضمَار الكرة، أحد وأكثر نقمة، مما أتيناهُ إزاء مصائب أفدح حلَّتْ بنَا، فلمْ نحرك ساكنًا، وإنْ فعلنا فبصورةٍ محتشمة.
هلْ تكُون الجلدةُ المنفوخة بين أقدامِ ضيوفنا، أثمن عندنا من عشراتِ من قضَوْا في الفيضانات الأخيرة بالجنُوب، وهلْ هُو مشهدُ المَاء في الملعب، أقسى وأكثرُ إيلامًا منْ مشاهدة عائلاتٍ تأوِي إلى الكهُوف، وعيونها ذابلةٌ تغرورق بالجُوع قبل الدمع.
قدْ لا يكُون الأمر كذلك، لكنَّ موزانةً بسيطةً بين ردُود الفعل التي أعقبتْ فداحة الفيضانات وبين ما تلا تجفيف أرضية الملعب بالرباط، يؤكدُ كون الكرة أكثر حشدًا للاهتمام لدى الرأي العام، وأنَّ الخشية التي دبَّتْ في نفس أوزين، كانتْ أكبر مما اختلجَ في صدور المسؤولين المحليين وكبار المصالح، التي تولتْ إنشاء جسُور ‘الكعك’.
بيدَ أنَّ وحدة الروح العقليَّة لدى الجماهير، كما وضعهَا جوستافْ لوبُون، هيَ التِي دفعتْ بالأحرى، إلى استعظامِ المصاب “الكراوي”، في مقابل تهميش المصاب الإنسانِي، على اعتبار أنَّ ما منْ نكبةٍ عند الجماهير المغربية، توازِي خسارة مباراة حاسمة، وما منْ موسمٍ يكثرُ فيه الحديثُ عن الوطنيَّة كمواعيد المباريات ولعب مباريات التأَهل إلى كأسٍ من الكؤُوس.
ولأننَا لا نشكلُ استثنَاء عن الأمم التي تختزلُ شرفها فِي المسالكِ البوليَّة، فإنَّ للجنس، حظوةً لا تقلُّ أهميَّة عن المستديرة، إذْ يكفِي أنْ يتبادل مراهقان قبلةً مسروقة، أوْ تعنَّ لشيخٍ من الشيوخ فتوى عن العادة السريَّة، حتى يحتدمَ السِّجال، وتتغذَّى ‘مخاوفنا’ عن أخلاقٍ نتبجَّحُ بهَا.
لكننا لسنَا الوحيدين الذِين جرى استغلالهم، بحمَّى الكرة، فقلبنا تجارب كثيرة، مصر مثلًا، كانتْ تعزفُ على وتر الخلاف الكروِي مع الجزائر، إثر مباراة السُّودان الشهيرة، لتوريث الحكم لجمال مبارك، قبل مقدم الرِبيع. وحكام المرادية انتشوْا حد الثمالة بنصر المنتخب الجزائري فِي المُونديَال، وقدْ صرف الأنظار عن كرسي الرئيس المتحرك.
إلى حدِّ اللحظة، لمْ يسجنْ مسؤُولٌ في المغرب، على خلفيَّة التقصير في إنقاذ متضرري الفيضان، ورصد مروحيَّات لذوِي العيُون الزرقاء دون غيرهم منْ سُود الرؤُوس، ولا هم المراءُون تباكُوْا على كرامة الوطن، المفترى عليها.
هذا النسيان الذِي تحولتْ معه الكوارث إلى أرقام، والموت إلى حادث عرضي، لا يدرِي ‘المواطن’، إنْ بات معه مدعوًا إلى أنْ يتمنَّى ويصيح ليتني عشبًا يؤثثُ أرضيَّة ملعب فِي هذا الوطن، عسى النَّاس أنْ يلتفتُوا إليه ويجزعُوا لمصابه !
هشام تسمارت