لم يكن أحد يتصور يوما أن المقاهي ستغلق أبوابها أمام روادها ،لكن بعد اجتياح فيروس كورونا للعالم ،صار الحجر الصحي هو الوسيلة الأمثل لمواجهة هذا الوباء ،فأغلقت كل الأماكن العمومية ولزم الناس بيوتهم ، وظهرت أهمية المقهى في وجدان الإنسان كفضاء عمومي له مكانة خاصة في وجدان المغاربة وحياتهم اليومية .
الجلوس في المقهى لا يخضع لمنطق السن أو المال أو المستوى التعليمي ، بل خاصيته أنه يجمع كل الفئات مهما اختلفت مراتبها ومستوياتها .
أدى المقهى منذ ظهوره كمكان اجتماعي أدوارا ثقافية واجتماعية وعلمية وسياسية ،خاصة بمصر والعراق .فقد ارتبطت العديد من الأعمال الأدبية بفضاءات المقاهي ،حيث كتبت العديد من القصص والروايات فيها .
من منا لم يتلمس حضور المقهى وتأثيره في أعمال نجيب محفوظ ،وهو يسبر أغوار الحياة الاجتماعية بمصر .من منا لم يرصد الدور الجنوني للمقهى في كتابات محمد شكري، وهو يبوح بخوالج النفس الإنسانية ، في فترة توصف بالقاتمة زمن الاستعمار ..!
المقهى مكان لتبادل أطراف الحديث والأخبار والمعلومات ولقاء الأصدقاء ،بل صار العديد من اللقاءات الهامة تتم في أروقة المقاهي في جلسات حول موائد ممتلئة بالكؤوس ،كل حسب هواه ومشروبه المفضل .
نحن في هذه الفترة الحرجة التي أغلقت فيها المقاهي أبوابها ، لا نستطيع إنكار دورها الاجتماعي الهام ، فكم من نزاع عائلي جنبناه بالمغادرة نحو المقهى ، وكم من حماقة تراجعنا عنها حين فكرنا فيها مليا في فضاء المقهى ، بعد أن كنا على وشك اقترافها ،إن الأمر نابع من ذلك التريث الذي ننعم به في المقهى .
من داخل المقهى أيضا أقيمت صالونات المعرفة ونقاشات سياسية مختلفة ،وكم من حزب أو تنظيم سياسي بدأت فكرة إنشائه من جلسة بالمقهى ،خاصة في أوقات الإضطرابات السياسية .وفي المقهى أيضا يخوض الناس في قضايا سياسية تشغل الرأي العام ،ويدلي كل واحد برأيه فيها، إذ نجد ذلك الشخص المتتبع لأمور السياسة محليا ودوليا يشرح آخر المستجدات لأصدقائه الذين لم تسعفهم ظروفهم في تتبع ما يحدث ،وبهذا صار للمقهى دور إعلامي وإخباري .
عن كل هذا حدثني نادل مقهى قائلا : لقد علمني المقهى أشياء كثيرة بفضل احتكاكي الدائم مع كل الفئات التي تتردد عليها ، من أساتذة وسائقين ومتقاعدين وعمال مياومين … ،هذا الفضاء هو مجتمع مصغر ،متنوع وغني ، إن العمل هنا تجربة لا يعرف قيمتها إلا من عاشها ، لقد جعلت هذه التجربة الحياة من حولي واسعة ،كما علمتني كيف أحترم رغبة ورأي كل إنسان .
لقد تأكد الدور المركزي للمقهى في حياة الفرد والجماعة من خلال تصدره لقائمة الأمور التي افتقدها الإنسان طيلة الحجر الصحي .
المقهى ليس فنجان قهوة ،إنه ذاكرة وثقافة موازية في حياة الفرد والجماعة ، السر يكمن في المقهى كمكان وليس فيما يقدمه .
محمد مجي :صحافي متدرب