من المؤكد أن الحب مصدر الحياة وبه يحيا الإنسان ولأجله يطمح تحقيقا لأماله ومبتغاه،وفي سبيل إحرازه لهذا المنى الراقي ، يتوجه العقل توفيقا مابين العفة والصدق والشرف و الرغبة الجياشة في الإكثار من إحتمالية الدافع الغريزي المتجدد،إلى خلق مناخ تضاريسي جديد للشعور الإنساني العجيب، يتداخله الخوف من المجهول والإجماح في تحصيل البحث عن الذات بتجربة جديدة يلفها ذنب حديث في كل مغامرة جديدة. وفي هذه المرحلة يعيش الفرد على إيقاعات مزاجية غير متجانسة،من حيث البناء النفسي والإطمئنان الداخلي،وفيها أيها الأحبة قد يعاني المرء تجرعا مبرحا من الآلام والمعاناة، ورغم أنها حيرة شعورية تعتري دواخل الإنسان بطريقة قد تجعل منه يرى النور في علاقاته، أو البؤس في حكايته مع هذا الإحساس النبيل….
كل هذه الأقوال ربما قد تبدوا من صميم عمق كثير من تجارب شبابنا،على المستوى القرار والإختيار اللذان قد يتفرع عنهما إعجابات كثيرة يعتبرها أغلب افراد نسيجنا بالواهية..
لكن قبل ذلك تتناحر أصوات الإختيار والقبول، وهي فرصة مناسبة لتكامل الأنا مع أناة متعددة قد يسودها عوارض تتنفسها معاصي جديدة في عصر عولمة الدافع نحو أفكارا سيكولوجية يعهدها المتجرب بزوايا مختلفة، تتيحها إمكانات التقنية بمباركة الشيطان، لسرعة تكوين الصداقة الإفتراضية في الإعلام الجديد.
وإذا كان الإجماع العقلي حول طبيعة الإرادة الواعية للعلاقة بين شخصيتين مختلفتين تفترض نوعا من الإنسجام الأخلاقي والمشترك الشعوري، فلاشك أنها ايضا تستدعي في هذه الحالة فتح أوراش راشدة للإستبصار الإختباري، يكون فيه الحب غير مهدد بإستمرار، والحفاظ عليه في زمن كوليرا الإحساس يقتضي حتما تثمين وعد الأمان لمحاصرة عثرات الواقع والتفهم بالسؤال الإستكشافي والإستشكالي في نفس الوقت.
فهذا التقويم الجبري لكهنوت الطغيان العقلي والإستبداد العاطفي له مقتضياته في قانون التشريع الوجداني لدى الكثير من جناة محاكم واقعنا الطائش المختلفة، التي كان من أبرز عوائدها أبكية ودمعات متعددة الظروف والأحوال، جلها نابع من أصل واحد وهو الفقدان للتوازن الموضوعي الراشد في الحياة.
فالحديث عن هذه المسألة يدفعنا مرة أخرى لإعادة فصلية لمناقشة الترابط العلائقي لثنائية هذه العلاقات المزدحمة في فضائنا المجالي، تكريسا منهم لموضوع بلوغ الهدف المتعفن غالبا بمسافرة القسوة الإجتماعية لنظرة العوام، فليس الأحقية الوجودية من طرح الفؤاد في شوارع الديماغوجية اللفظية هي الحل الصحيح ، للنزوع لوهم الخيال النزوي، بل إن الكلفة الشخصية في هذه القضية ، تعتبر محددا أساسيا لمعايرة الذات في الإختيارات الحرة، بمعنى أن وهج تحصيل المراد حصوله سيكولوجيا يظل خارج سرب جيش الرغبات…وان كان بعض منها يتم التطبيع معه بحراسة فوضى الحواس، ولعل المقولة تاريخية لوستون تشرشل التي مفادها”أنه من الجيد أن يكون الإنسان صادقا ، لكنه من الضروري ان يكون على حق” ليس لها نصيب لدى الكثير من نسيجنا العاطفي.
إن الغاية من العطاء الحقيقي لهذه المعاني المختلفة هي توضيح مقصادنا كشباب، لمعرفة أنفسنا من هذه الإمدادات الطبيعية، لمستويات الفيض الإستدلالي لتفتيش ذواتنا بكل مصداقية بعيدا عن الإنفعالات المجانية المجانبة للصواب.
وإذا كان حديثنا يتجادفه حكاياتنا مع فلسفة الحب في زمن رحيل ضمير المجتمع، وإنتشار النفاق الإجتماعي، وظهور فتن الإفحاش، وإختفاء جوهر الصدق في الكثير من تصورات ثقافتنا الإجتماعية، قد أدت بفعل عوامل متعددة لموت فجائي أصاب قيمنا الأخلاقية والدينية.
وإذا تأملنا هذه الفكرة من زاوية معرفية محسومة إدراكيا من الناحية العلمية، فسنجد أن الكثير ممن حاول تعريف هذه الخصوصية المتفردة، يعطيها مقصدا واعيا وغير واعيا في فلسفة الحب، فهذا الجانب من الشخصية البشرية لا يمكن نفيه أو تأكيده، لأنه شيئ واقعي. لكن التعامل الإجتماعي مع هذه النظريات الإنسانية المعقدة الفهم والتأويل ، لا تستجيب لإظطراب النفسي الخلاق للأفراد ، بل غالبا ما تخضع لقراءات خاطئة ، إرتبطت دائما بالتعدد الوجداني والغباء في البحث عن المطلق في التنوع البشري، المتلازم للتكرار في كل جريمة أخلاقية جديدة.
وبالمقابل إذا حاولنا أن نفسر مكانة العقل ضمن سيرورة إديولوجية هذه الأفكار العاطفية، فقد يخيبنا منهج دستورنا التفكيري لجل مناحي هذه البحوث المبتسمة خارج نص السعادة، خارج قناعاتنا الشخصية المؤطرة للمصداقية الذاتية والإسترشاد العقلي السليم، وتدفعنا هذه الأمور الخاوية الوفاض من العرفان الروحي، والخالية من أولويات السلوك العقلاني، وتجعلنا نسائل أنفسنا بإستمرار في بحثنا عن أصل عزلة غربتنا الذاتية، وعلاقتها بالحقائق الفردية والمنطلقات المنطقية، المتجاوزة للسائد والمباح الإجتماعي….وللبؤس المتساقط في وسطنا الهامل للإحتكام لملكة العقل، والفاقد للتدبير الزمني المطلوب، والراغب في تجديد تطرف الإنفعالات والأحاسيس.
وإذا كان أرسطو قد إعتبر أن”الحب الذي ينتهي ليس حبا حقيقيا” فماهو جوهر موقع حب ضمن هذا الإغتيال الشعوري؟ وإذا كان دولنكو قد أكد أنه “وجد الحب لسعادة القليلين،ولشقاء الكثيرين” فأين تكمن مصداقية الشقاوة والسعادة في سياق الصراحة والوضوح ضمن كوجيطوا العقل..؟
كون العقل أعدل قسمة بين الناس..؟
والراجح في الأمر أن العقل الراقي في مجتمعنا قد يتبنى مبادئ تخالف المألوف و تجانب التشرميل السلوكي في الفضاء العام، وتسعى بكل مقوماتها لإقتراح تصحيح أعطاب وقناعات الجماعة، ويقاوم من خلالها صاحبها طغيان النمط الإجتماعي، بإختلاف تجليات تمظهراته. وبها قد يتخذ المرء أسلوبا يميزه عن غيره من الناس، ومستجلي مثلا في قول بعض شبابنا :
لن أتخلى عن أي شيئ جميل بمجرد أنه صعب لن أفعل أبدا… !!
لكن هل هذا يعني أن أصحاب هذا الإتجاه المتميز ينجون من تأثيرات قوة اللبيدوا بتعبير مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فريد..؟
هل توجد قواعد أرحب لتجاوز هذا القلق النزوي لشباب نسيجنا؟ أفضل من الوصفات العلاجية الناجحة لديننا الحنيف..؟
هل من أجوبة وقائية لإصلاح إنسانية شبابنا في سير حياتنا بفلاح أحسن من تعجلنا لصفوف المصلين؟
هل لدينا الوقت الكافي لنهدره في حوادث الفراغ واللاطائل..؟
والحقيقة في رأيي لتجاوز مأساة واقعنا ، لا بد أن تنطوي شخصياتنا على قرارات أجرأة سؤال البداهة واليقين ، وفي إنعاش علاقة تصالحية بين الإنسان ونفسه، وباقي أفراد مجتمعه، ولا يمكن أبدا أن تتحقق هذه المسألة إجرائيا إلا في حالة يقوم فيها الإنسان بشكل مستمر بجلد ذاته بسلاح الإيمان والعلم والمعرفة، حسب المفكر علي حرب، وربط علاقات غرامية جديدة مع مراجع الفكر و مصادر المعرفة ، وإفشاء ثقافة التسامح العاطفي لقطع الطريق أمام تيار الكثافة الفزيقية والعبثية المؤلمة.
محمد العرعاري طالب بجامعة ابن طفيل شعبة السوسيولوجيا.
afterheader desktop
afterheader desktop
after Header Mobile
after Header Mobile
تعليقات الزوار