أزمة التعليم في بلادنا ليست قدرا نازلا، يستدعي بناء حائط مبكى، نتمرغ أمامه، نذرف الدموع ونلطم الخدود،لكن الوضع يستدعي منا تقييم المرحلة وطرح التساؤل تلو التساؤل والسؤال متبوعا بالسؤال:
لِمَ تقهقرت مراتبنا أمام أقوام كانوا أدنى مرتبة مما كنا عليه بالأمس القريب، و استطاعوا أن يحققوا ما كنا نصبوا إليه في زمن ليس بالطويل ؟
لماذا تدحرج أبناؤنا أمام نظرائهم من الأمم الأخرى ، إلا فيما ندر؟
لماذا جربنا الوصفات و التعويذات و لم تُجْدِ نفعا و غناء ، استعرنا المناهج و الطرائق ، بل حتى “الخبراء”اقترضنا من خبرتهم، كالذي فتنته مشية الحمامة يبغي تقليدها:
حسد القَطاةَ فرام يمشي مشيها فأصابه ضرب من العقال
هو العقال الذي نتخبط فيه و الشرك الذي نتلجلج في حبائله، سارعنا إلى تقليد غيرنا فتناثلت الأزاميل ضربا و طرقا ، كل “خبير” يريد أن يجرب خطته “المستعجلة” .
فهل يصمد البناء أم أنه يتداعى ؟
لا شيء تغير(ربما وقع بعض التغيير و لكن ليس المأمول المجمع عليه)، و مازالت الأزمة تراوح مكانها لاتزول و لا تذهب .
أين مكمن الخلل؟ أليست الإدارة التربوية جادة في الرقي بفلذات أكبادنا .أم أن هذه الفلذات نفسها تأبى الانصياع ومجاراتنا فيما نسعى إليه . ألا تشكل ميزانية التعليم ربع قطعة الخبز الكبيرة التي يتغذى منها المغاربة أجمعين ؟
ما حظ طفل الأرياف و البراري من قطعة الخبز هاته؟ لا شيء إلا الفتات اليسير.
مابال مؤسساتنا تنتج متعلمين هُجناء مذبذبين، لايدرون ما يفعلون ولا المعول عليه منهم، فقط يذهبون و يروحون . المهم أنهم “يقرؤون”.التلاميذ في لامبالاتهم و الآباء بغفلتهم يلوذون، و الحذاق يتصيدون الفرص ويغتنمون.
لماذا أحجم “رجل” التعليم و أوجس خيفة، و ما غمامة اليأس هذه التي ملأت السماء و استولت على العقول ،يشارك و ماهو من المشاركين، يتصدى و هو من المُحبَطين، أليس الذنب ذنبه أم هو من الغافلين المُبرَئين.
لِمَ فقدت مؤسساتنا بريقها، و استحالت أبنية لا روح فيها ولا حياة ، أبنية منفرة خَرِبة . تبعث على اليأس والقنوط.
قد نلتمس لكل هذا استثناءً، نطمئن و نرضى عنه، و لكن الاستثناء الشاذ، لا يلغي الحكم والقاعدة، وهل تنسينا الواحة الخضراء لهيب الصحراء و نارها.
هي أسئلة تراود النفس و تخلخلها، فأحيانا يكون التساؤل أبلغ من الجواب و أجدى منه.
عبد الحكيم برنوص