“يموت من لا يستطيع الركض في الطرقات”، ومن لم يصدق ما عليه إلا أن يلتفت إلى أسماء الحافلات، كنقل الغزالة والسريع والفهد والنمر وغيرها من الحيوانات المفترسة والسريعة الركض، حافلات تصلح لمسابقات الرهان بدل خيول الحظ.
“لا تسرع يا أبي نحن في انتظارك”، كثير من الآباء يراهنون بأبنائهم في وسط الزحمة، ويتدافعون بالمناكب ليحتلوا الصفوف الأولى بالمساجد عند صلاة الجمعة، رهانا منهم على الفوز بمقعد في الجنة… فما بالكم بالمنعرجات والمسالك الوعرة !
المقامرة بأرواح الناس هي فصل من فصول الرهان، ما عاش دوستويفسكي ليتحدث عنها مع العلم أنه لم يتناول في روايته “المقامر”، القمار وحده ، ولا الروليت والعجلة الدوارة والأرقام المزدوجة والفردية والأحمر والأسود والأصفر، والجشع والبخل، الأموال المكدسة، والجيوب الممتلئة والفارغة على السواء، واللصوص والنشالين بطبيعة الحال، بل تحدث عن العلاقات الإنسانية المعقدة.
كم هو جميل أن ينحني الرجل لسيدة ليدعها تتفضل قبله إلى مصعد العمارة، مرددا بفرنسية مهجنة les femmes d’abord ، وبعد أن يغادر العمارة ينصرف الرجل إلى المرآب، ليمتطى سيارته، وما أن يشغل محركها ويضع أصبعه على زر الراديو، حتى يتذكر بأن عليه أن يعرج على المدرسة ليصحب معه ابنه، لأن زوجته ستتأخر عند طبيب الأسنان، فيلح عليه الموقف للزيادة في السرعة، ولأن حركة المرور في ساعة الذروة، فلا بأس بأن يضغط على منبه السيارة ليملأ الدنيا زعيقا، وألا يحترم شارة الضوء الأحمر، وعند تجاوزه من اليسار سيارة كانت أمامه، سيحتك بسيارة كانت تسير بجوار مركبته احتكاكا خفيفا، ليكتشف الرجل أن السيدة التي دعاها للتفضل أمامه نحو “الأسانسور” هي صاحبة السيارة التي وقع معها الاحتكاك.
كم هي العلاقات الإنسانية معقدة فعلا، كما يكشف عنها منجم الحياة الزاخر بمسلكيات اجتماعية مصطنعة توحي بالتجانس الاجتماعي والتسامح الأخلاقي، وبأننا نعيش في عالم ودي، غير أن ما تكشف عنه حياة الناس من تلقاء نفسها يؤكد ويثبت أو ينفي أن هذه الخصلة أو هذا السلوك متأصل في هذا الإنسان، أو كونه مجرد قناع وبأن داخل الرأس نسيج تناقضات تدحض مقولة الانسجام الأخلاقي، والتعايش المشترك في فضاء مشترك، يتعرض فيه الشخص لقذيفة كيس أسود من القمامة رمت به الجارة من النافذة على وجه السرعة قبل مرور شاحنة جمع الأزبال، التي عليها أن تجمع هذه النوعية من البشر.
كم هي الحياة بسيطة، حين تقرأ أو تسمع أو تشاهد لائحة عروض منتوجات بعض شركات التجهيز المنزلي تدعوك إلى قرض مجاني، “كريدي بلا فائدة لمدة 12 شهرا، وبلا تسبيق، وبلا مصاريف، والنقل حتى للدار فابور… فابور”، حينها تصبح السيارة في متناول اليد، لا ينقصها إلا سائق قادر على الرهان بحياته أولا وبحياة أطفاله ثانيا، أو يراهن على موت والده أو جدته ليحصل على الإرث، ومن لم يستطع راهن على الساعات الإضافية كأضعف الإيمان في غياب وظيفة أو منصب سام يتغذى من ماله العام، ومن يشكك عليه أن يسأل المواطن البسيط عن تصوره لحال أغلب القطاعات، وحال جودة الطرقات والبنيات. الكثيرون سيتحدثون عن الوضاعة المبتذلة والمتاجرة بالقيم والميراث المادي والمعنوي للبلد، والقليلون يستحدثون عن الاستقامة والحكمة، ضمنهم 70 ألف يمارسون يوميا ألعاب الحظ، وهو خيار سلمي كيف ما كان الحال بعكس الذين يراهنون على قتل البشر، لعل آخرهم كتاكيت وادي الشبيكة بطانطان