أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

درس التاريخ بين الاشتغال على الزمن وبناء المعنى ندوة تربوية بأزيلال تفتح نقاشا عميقا حول رهانات تدريس التاريخ بالمرحلة الثانوية

أطلس سكوب ـ أزيلال

افتتحت أشغال الندوة بجلسة افتتاحية، تخللتها كلمات ترحيبية أكدت على راهنية موضوع الندوة، وعلى الدور المحوري لمثل هذه المبادرات في تجويد درس التاريخ، عبر الانفتاح على المستجدات الديدكتيكية، وتبادل الخبرات، وتجسير الفجوة بين الخطاب النظري والممارسة الصفية، بما ينسجم مع توجهات المنهاج الدراسي ويعزز أداء المدرس داخل الفصل.

من التاريخ كأداة إيديولوجية إلى التاريخ كفضاء للمواطنة

في المداخلة الأولى، الموسومة بـ: “من الولاء للاستعمار إلى ترسيخ قيم المواطنة: تحولات الرهان القيمي في درس التاريخ”، توقف الأستاذ حسن شكير عند التحولات العميقة التي عرفها درس التاريخ من حيث وظائفه القيمية. وأوضح المتدخل أن التاريخ المدرسي لم يكن يوما محايدا، بل خضع لسياقات سياسية وإيديولوجية متغيرة، حيث استُعمل خلال المرحلة الاستعمارية أداة لطمس الذاكرة الوطنية، قبل أن يعرف بعد الاستقلال مسار “مغربة” للمضامين، ظل – في نظره – أسير تعويض محتوى بآخر دون تجديد حقيقي للطرائق.

ومع الانتقال إلى تبني مقاربة الكفايات، أبرز المتدخل أن الرهان القيمي لم يعد يقوم على تلقين قيم جاهزة، بل على تمكين المتعلم من بنائها ذاتيا، عبر وضعيات إشكالية تحفز التفكير والتحليل واتخاذ الموقف. وهكذا، تحول درس التاريخ إلى فضاء لترسيخ قيم المواطنة، والاختلاف، والنقد، والانتماء الواعي، شريطة توظيفه في بناء التفكير النقدي لا في إعادة إنتاج سرديات مغلقة.

بناء المعنى يمر عبر التفاعل الخلاّق بين التفسير والتحقيب

المداخلة الثانية، وهي مداخلة مشتركة، حملت عنوان: “التحقيب والتفسير في التاريخ: خدمة متبادلة لبناء المعنى”، وقدمها كل من د. شكير عكي ود. محمد صهود.  ركز فيها الأول على مفهوم التفسير التاريخي باعتباره جوهر الممارسة التاريخية، مؤكدا أن وظيفة التاريخ لا تقتصـر على وصف ما وقع، بل على فهم كيف ولماذا وقع؟ ذلك أن تشغيل عملية التفسير وفق هذا التصور، هو بحث عن المعنى والدلالة التاريخية. وفي السياق المدرسي، دعا إلى تجاوز الأسئلة السطحية من قبيل “متى حدث؟”، نحو أسئلة أعمق تلامس السياقات الزمنية، ونوايا الفاعلين ومصالحهم وحدود أفعالهم، وتعدد العوامل المؤثرة.

أما د. محمد صهود، فقد تناول الموضوع من زاوية التحقيب التاريخي، مبرزا أنه ليس مجرد تقطيع زمني تقني، بل اختيار معرفي ومنهجي يحمل دلالات تفسيرية، واستحضـر في هذا الإطار مستويات الزمن التاريخي الثلاثة: الزمن القصير (الحدث)، والزمن المتوسط (الظرفية)، والزمن الطويل (البنيات)، معتبرا أن الاشتغال بهذه المستويات يمكن المتعلم من فهم تعقيد الظواهر التاريخية وتجاوز اختزالها في أحداث معزولة. كما أشار المتدخل إلى أن التحقيب الواعي يساعد على تجاوز الطابع التجزيئي للمعرفة التاريخية، ويفتح المجال أمام بناء رؤية شمولية للتاريخ، تربط بين التحولات والاستمراريات، مبرزا في ذات الوقت الإشكالات التي يطرحها التحقيب، خاصة حين يتحول إلى قوالب جاهزة مفروضة على المتعلم كمعطى منته، مما يفقده وظيفته المعرفية.

وشدد المتدخلان على أن بناء المعنى في درس التاريخ يمر عبر التفاعل الخلاق بين التفسير والتحقيب، حيث يمنح الأول للحدث دلالته، ويمنحه الثاني سياقه، لينتقل الدرس من معرفة مجزأة إلى معرفة ذات معنى، ومن تلقين سردي إلى ممارسة فكرية ناقدة، تسهم في تكوين متعلم مواطن، واعٍ بالتاريخ، وقادر على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

نقاش علمي يعكس وعيا تربويا متقدما

واختتمت أشغال الندوة بنقاش علمي مفتوح، اتسم بغنى الأسئلة المطروحة وتنوع التعقيبات والتدخلات، حيث جرى الوقوف عند عدد من الفرضيات المنهجية ومساءلتها نقديا، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول قضايا ديدكتيكية وتربوية ذات صلة بموضوع الندوة. كما أسفر هذا النقاش عن اقتراح آفاق جديدة للبحث والدراسة، وفتح إمكانات واعدة لتعميق التفكير في تدريس التاريخ وتطوير ممارسته الصفية، الأمر الذي عكس – في تقدير عدد من المتتبعين – مستوى متقدما من الوعي العلمي والتربوي، وروحا نقدية بنّاءة لدى المشاركين/ات.

نحو درس تاريخ يُنمي التفكير ويصنع المعنى

إجمالا، شكلت هذه الندوة محطة علمية متميزة في مسار التفكير في تجديد درس التاريخ بالمرحلة الثانوية، وأكدت أن الرهان الحقيقي لم يعد في “كمّ” المعارف، بل في كيفية الاشتغال عليها، بما يحول التاريخ من مادة للحفظ إلى أداة للفهم، ومن سرد للماضي إلى وعي بالحاضر واستشراف للمستقبل.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد