يستيقظ جارك مبكّرا عند بزوغ الصبح بعد أن هجر النوم أجفانه أو بعد أن استرخى قليلا بعد صلاة الفجر فيعمد إلى بعض الأكياس البلاستيكية و أوراق الشجر و النباتات الصفراء و بعض أوراق الكرتون و أشياء أخرى ذرتها الرياح حملتها إلى محيط بيته فيجمعها كلّها ، و يوقد منها نارا يوقظك دخانها الذي يتسرب إلى غرفة نومك في غفلة منك ليخنق أنفاسك و يُدمع عينيك و يطرد النوم و الراحة من أجفانها ، يفعل ذلك مرّة و مرّتين بل مرّات ، و قد يفعلها عامل بالجماعة المحليّة ليتخلص من حصيلة كنس شارع أو شارعين دون إحساس بالحرج .
تَذْكر مدى انزعاجك من أدخنة عمّت محيط حيّك خلال بعض اللّيالي ، و تذْكر أن مصدرها لم يكن غير أحد الأفران أو المخابز القريبة منك ، بسبب مدخنة دون المواصفات المطلوبة أو مواد احتراق ملوثة للهواء أو عامل يتدرّب على ” الحسانة في رؤوس اليتامى” أمام أنظار مالك الفرن و دون أبسط تعبير عن الحرج .
أمام ناظريك تنمو رُبىً و هضاب من مخلفّات المواشي و البهائم و من النفايات الصّلبة في الفضاءات القريبة من بيوت الجيران ، و تنتعش معها أنواع و أجيال من الحشرات الطائرة و الزاحفة ، تنمو ببطء و لكنها تنمو كلّما أفرغ جار لك على القمّة ما جادت به عمليّة التنظيف اليومية للحضيرة ، يفعل ذلك و يفعله آخرون كذلك على مرأى و مسمع من السّلطة المحليّة و السلطة الترابية و عامّة الشعب و بلا حرج .
تلاحظ منذ صغرك و على مدى بصرك كيف ازداد عدد محلّات إصلاح أجهزة التلفزة من واحد و اثنين إلى أعداد كبيرة ، و كيف تطوّرت ألوان هذه الأخيرة من الأبيض و الأسود إلى كلّ الألوان ، و كيف ازداد المقبلون على اقتنائها سواء من المتاجر المعتمدة أو من سوق الأجهزة المستعملة المستوردة أو المهرّبة من الخارج ، أمّا اليوم فلن تخطيء عينك كيف أصبحت مكوّناتها الإلكترونية و شاشاتها تملأ حيّزا كبيرا من فضاء النفايات سواء في الشوارع و الأزقة و الأماكن العامّة ، أو في مكبّ نفايات الجماعة أو أمام محلاتّ الإصلاح نفسها معرّضة الناس و المجال إلى الخطر بواسطة ما تحتويه من معادن ملوّثة حين تعرف طريقا إلى الهواء الطلق بسبب كسرها خطأ أو بفعل الأطفال لمجرّد الاستمتاع أو بحثا عن معادن ثمينة ، يحدث ذلك في واضحة النهار و بلا حرج .
و كيف تنسى تلك الأيّام الرمضانية من صيف أولى سنوات الثمانينيات من القرن الماضي حين لاحظت ، كما لاحظ كلّ من استجار بمياه النهر من الحرّ ، كيف نفقت كميات كثيرة من الأسماك فطفت على السطح و رست على الشطّ و نتج عن تحلّلها روائح تزكّم الأنوف ، و لم يكن السّبب غير ما تلفظه حينئذ مصانع في النهر من نفاياتها ، و لم يثنيك ذلك عن السباحة في مياهه كما غيرك بلا حرج .
و هل تذكر كم عدد المرّات التي تغيّبت فيها شاحنة النظافة بدون سبب يذكر ، أو بمناسبة استخدامها في التحضير لاحتفالات وطنية أو مواسم محليّة بلا حرج ، و كيف تفاعل اجتهاد السكان مع الوضع فمنهم من يُلقى بالنفايات في الخلاء بعيدا عن المساكن و من يكدّسها في أكياس بلاستيكية داخل بيته متحمّلا وحده أذاها ، و منهم من أشرك جيرانه ذلك الأذى تاركا حاويات أزباله في الشارع عرضة لعبث القطط و الكلاب الضالّة ، و منهم من صدّر مشكل التلوّث إلى باب المسؤول عن حفظ الصحّة ، حيث قام عدد من الساكنة في إحدى ليالي رمضان من هذه السنة بإفراغ رصيد خمسة أيام من الأزبال أمام مقرّ الجماعة القروية ، لعلّه يحسّ بالحرج ، هذه حال قريتي و لا أظنّه يختلف كثيرا عن باقي قرى وطني ، أحكيه بلا حرج .
عبد العزيز غياتي