أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

تلوّث في قريتي بلا حرج

يستيقظ جارك مبكّرا عند بزوغ الصبح  بعد أن هجر النوم أجفانه أو بعد أن  استرخى قليلا بعد صلاة الفجر فيعمد إلى بعض الأكياس البلاستيكية و أوراق الشجر و النباتات الصفراء و بعض أوراق الكرتون و أشياء أخرى ذرتها الرياح حملتها إلى محيط بيته فيجمعها كلّها ، و يوقد منها نارا  يوقظك دخانها الذي يتسرب إلى غرفة نومك في غفلة منك ليخنق أنفاسك و يُدمع عينيك و يطرد النوم و الراحة من أجفانها ، يفعل ذلك مرّة و مرّتين بل مرّات ، و قد يفعلها عامل بالجماعة المحليّة ليتخلص من حصيلة كنس شارع أو شارعين دون إحساس بالحرج .

تَذْكر مدى انزعاجك من أدخنة عمّت محيط حيّك خلال بعض اللّيالي ، و تذْكر أن مصدرها لم يكن غير أحد الأفران أو المخابز القريبة منك ، بسبب مدخنة دون المواصفات المطلوبة أو مواد احتراق ملوثة للهواء أو عامل يتدرّب على ” الحسانة في رؤوس اليتامى” أمام أنظار مالك الفرن و دون أبسط تعبير عن الحرج .

أمام ناظريك تنمو رُبىً و هضاب من مخلفّات المواشي و البهائم و من النفايات الصّلبة في الفضاءات القريبة من بيوت الجيران ، و تنتعش معها أنواع و أجيال من الحشرات الطائرة و الزاحفة ، تنمو ببطء و لكنها تنمو كلّما أفرغ جار لك على القمّة ما جادت به عمليّة التنظيف اليومية للحضيرة ، يفعل ذلك و يفعله آخرون كذلك على مرأى و مسمع من السّلطة المحليّة و السلطة الترابية و عامّة الشعب و بلا حرج .  

تلاحظ منذ صغرك و على مدى بصرك كيف ازداد عدد محلّات إصلاح أجهزة التلفزة من واحد و اثنين إلى أعداد كبيرة ، و كيف تطوّرت ألوان هذه الأخيرة من الأبيض و الأسود إلى كلّ الألوان ، و كيف ازداد المقبلون على اقتنائها سواء من المتاجر المعتمدة أو من سوق الأجهزة المستعملة المستوردة أو المهرّبة  من الخارج ، أمّا اليوم فلن تخطيء عينك كيف أصبحت مكوّناتها الإلكترونية و شاشاتها تملأ حيّزا كبيرا من فضاء النفايات سواء في الشوارع و الأزقة و الأماكن العامّة ، أو في مكبّ نفايات الجماعة أو أمام محلاتّ الإصلاح نفسها معرّضة الناس و المجال إلى الخطر بواسطة ما تحتويه من معادن ملوّثة حين تعرف طريقا إلى الهواء الطلق بسبب كسرها خطأ أو بفعل الأطفال لمجرّد الاستمتاع أو بحثا عن معادن ثمينة ، يحدث ذلك في واضحة النهار و بلا حرج  .

و كيف تنسى تلك  الأيّام الرمضانية من صيف أولى سنوات الثمانينيات من القرن الماضي حين لاحظت ، كما لاحظ كلّ من استجار بمياه النهر من الحرّ ، كيف نفقت كميات كثيرة من الأسماك  فطفت على السطح و رست على الشطّ و نتج عن تحلّلها روائح تزكّم الأنوف ، و لم يكن السّبب غير ما تلفظه حينئذ مصانع في النهر من نفاياتها ، و لم يثنيك ذلك عن السباحة في مياهه كما غيرك بلا حرج . 

و هل تذكر كم  عدد المرّات التي تغيّبت فيها شاحنة النظافة بدون سبب يذكر ، أو بمناسبة استخدامها في التحضير لاحتفالات وطنية أو مواسم محليّة بلا حرج ، و كيف تفاعل اجتهاد السكان مع الوضع فمنهم من يُلقى بالنفايات في الخلاء بعيدا عن المساكن و من يكدّسها في أكياس بلاستيكية داخل بيته متحمّلا وحده أذاها ، و منهم من أشرك جيرانه ذلك الأذى تاركا حاويات أزباله في الشارع عرضة لعبث القطط و الكلاب الضالّة ، و منهم من صدّر مشكل التلوّث إلى باب المسؤول عن حفظ الصحّة ، حيث قام عدد من الساكنة في إحدى ليالي رمضان من هذه السنة بإفراغ رصيد خمسة أيام من الأزبال أمام مقرّ الجماعة القروية ، لعلّه يحسّ بالحرج ، هذه حال قريتي و لا أظنّه يختلف كثيرا عن باقي قرى وطني ، أحكيه بلا حرج .

                                       عبد العزيز غياتي

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد