SMART CITIES ” مدن ذكية”
يتوقع خبراء أجانب ومغاربة أن تتحول ثمان حواضر مغربية إلى ” مدن ذكية” منها الدار البيضاء وفاس وإفران وطنجة والرباط ومراكش ، والاستفادة من تجارب دول رائدة في هذا التحول الذكي مثل السويد وإسبانيا والبرازيل وغيرها في مجال تحسين مستوى العيش لسكان المدن عبر “التحول الذكي” (مدينة برشلونة نموذجا)،حيث يقوم برنامج المدن الذكية على جمع المعلومات الدقيقة وتحليلها،بغية العناية بأنظمة المدينة وخدماتها، بما فيها السلامة العامّة ووسائل النقل والمياه والمباني والخدمات الاجتماعيّة والوكالات والشركات
كما يرتكز البرنامج على تحليل المعلومات الآنية لفرز المشكلات وتوقعها وتقديرها بصورة أرقى، وطرح حلول استباقية من أجل ضمان الراحة للسكان، وكذا دمج المعلومات الآنية انطلاقا من عدّة أنظمةٍ مدنية، بهدف تسهيل عملية اتخاذ القرارات حتى تتم الاستجابة السريعة لجميع النشاطات والأحداث والمطالب السكانية
ذو العقلِ يَشْقَى في النَّعيمِ بِعقلِهِ… و أخو الجَهَالةِ في الشَّقاوَةِ يَنعَمُ
إن واقع المجتمع المغربي في عامته وبصورته الحالية لا يبعث على الارتياح في استقبال مفهوم حديث ومتطور للمدن الذكية ونحن نرى بأم أعيننا كل يوم في أكبر المدن المغربية ، صورا ومظاهر لسلوكات ليس بينها وبين التمدن والتحضر والمسؤولية والمواطنة إلا الخير والإحسان ، حيث تطغى على هذه الأفعال والأقوال والإيماءات والأصوات المنكرة وبالمعنى السلبي للمصطلح عقلية البداوة التي هي ضد الحضارة ، ولا يعني هذا بالطبع إساءة للبادية وجمالها وسكانها ، فأنا نفسي كنت ابنا مخضرما للبادية والمدينة ، وفي وجداني حنين لا يوصف إلى حلم البادية زمن الطفولة المبكرة ، لكن ، الحمولة السلبية للمصطلح هي المقصودة هنا ، وهي التي تظهر في مخالفة المرء لقيم الجوار والتساكن والتعايش والاحترام المتبادل للذوات والحاجيات المتعاقد عليها اجتماعيا ، فتجد في مجتمعك من يستمد أو يحاكي في طباعه كل أو بعض ما يوجد إلا في قاموس الضباع والحمير والبغالوالكلاب والقردة والخنازير ، وقد وصف القرآن الكريم أيضا كل من أخل بميزان القيم الإيجابية في المجتمع البشري بأوصاف مثل هذه ، وكذلك فعل ابن المقفع صاحب كليلة ودمنة ، تجد كائنا بشريا سليم البنية بجسم بغل وعقل عصفور ، يصيح ويصرخ دون سبب معقول ، أو يرقب بفضول عجيب في زاوية درب أوركن حومة حركة المخلوقات دون مهمة أو أجر على ذلك ،وفي ركن زوي أو بمقهى ، قد تجد منهم من ابتلي ببيع السموم السوداء أوالبيضاء لمن غلبته الآفة ، عفا الله عن الجميع ، ولو عاد مريضا أو انخرط في عمل خير أو ازداد تعلما في حرفة أو في كتاب أو صقل موهبة ، لفتحت أمامه أبواب الرزق مشرعة خير من معانقة الأعمدة والالتصاق بالحيطان وزوايا الأزقة، وإذا تحدث لشخص أسمع كل من يمشي على قدم ، وإذا ضحك أيقظ الرضيع من منامه مفزوعا ، هو حر في رمي قمامته في المكان الذي يريد وليس في الذي يجب أن توضع فيه ، لأن حريته لا تنتهي حتى ولو بدأت حرية الآخرين ، وإذا كانت له سيارة أو دراجة نارية أو موتوسيكل ، فهو يزعق بها أو “يسركل” بها بين السكان ولمرات متتالية وقت ما يريد ، هو حر في امتلاك “لعبته” ، ولا يهمه من يحيط به ، ولا يكترث لمريض أو مستريح أو مفكر أو ذي حاجة
من فظاظة البداوة إلى أناقة الحضارة و من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة
بين خشونة البداوة ورقة الحضارة خيط رفيع كشعرة معاوية تماما مثل المسافة النفسية والمادية بين ماهو سلبي و بين ماهو إيجابي. ويعجبني هنا مقال للدكتور الأردني رحيل غرايبة نشر بعدة منابر إلكترونية تحت عنوان :حقيقة التحضروجوهرالتمدن، يقول فيه ( التحضر يبدأ بالتمسك بالقيم النبيلة، وإلزام النفس بجمال الأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين، واحترامهم بقدر احترام الذات، وأن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه، فلا تظهر عليه علامات الاستعلاء على الخلق ولا التكبر عليهم، ولا يحتقر الناس ولا يميل إلى تفضيل نفسه عليهم ولا يطغى في حالة الغنى ولا يظلم إذا قدر
التحضر يكون بالخضوع للعدالة، والإذعان للحق والالتزام بالنظام العام، ولو كان على نفسه أو أقرب الناس إليه، وأن يجهر بقول الحق ويتحمل كلفته، ويبتعد عن كل ألوان النفاق وأصناف المداهنة، وأن ينفر من التملق لأصحاب النفوذ وأرباب المال
التحضر يتمثل بتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والالتزام بمعاني خدمة الوطن، وأن يحافظ على المال العام أكثر مما يحافظ على ماله الخاص، وإذا تولى مسؤولية عامة فينبغي أن يكون بمقام الولي على مال اليتيم
التمدن لا يقتصر على العيش في المدينة، فالسلوك الحضاري مظهر من مظاهر الثقافة التي تجعل الفرد يتصرف بطريقة حضارية قائمة على امتلاك فن التعامل مع الوجود سواء كان في الريف أو الصحراء أو المدينة، وكثير من سكان المدن يتصرفون بشكل متوحش قائم على الاستهتار بمشاعر الآخرين وإيذائهم
أما القضية الأخرى التي تستحق الالتفات فهي أن الدين ينبغي أن يكون عاملاً أساسياً من عوامل التحضر الحقيقي والتمدن الصحيح والرقي الأصيل، على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع، وينبغي أن لا يقتصر التدين على القشور والمظاهر السطحية، فلا يجتمع التديّن مع الغلظة، ولا يقترن التدين مع التكبر على الآخرين، لأن التدين الحقيقي يزكي النفس ويحلّيها بالفضائل والأخلاق الجميلة التي تتمثل بحسن التعامل مع الخلق والخالق.) ، انتهى الاقتباس
فإذا رغبنا إذن في استقبال هذا المفهوم الجديد علينا للمدن الذكية، لابد أن تتكاثف الجهود في وضع استراتيجية متكاملة لتربية أو إعادة تربية المواطن غير السوي على روح المواطنة وعلى احترام حرية وحق الآخر في الأسبقية في الطابور والمرور و إخضاع الفرد للالتزامات التي يقررها الحق العام في السكينة والصحة والآداب العامة وكل ما من شأنه أن يخل بهذه الالتزامات ، وبالطبع ، فإن المهمة موكولة إلى الفرد نفسه وإلى الأسرة والأقارب والجيران و إلى التعليم والمسجد ودور الشباب والأندية وجمعيات المجتمع المدني وقنوات القطب العمومي والصحف المكتوبة والرقمية والشرطة الإدارية وكل أطياف المجتمع والدولة
والفرق بين البداوة والتمدن هنا قد تجسده مثل هذه “النكتة” المغربية: واحد ما فاهم والو مسكين فهاد الدنيا، جاتو فيزا لفرنسا ،المهم اركب في الطيارة، أوهو جالس جات لعندو المضيفة قالتو اشنو تاكل وتشرب ،قالها لا اختي مناكل والو حتى يطلع مول البيض والخبز السخون
عبدالفتاح المنطري
صحافي متعاون
afterheader desktop
afterheader desktop
after Header Mobile
after Header Mobile
تعليقات الزوار