يونس البصري
تعود قضية اختفاء الأطفال والقاصرين إلى الواجهة مجددا، بعد تسجيل عدة حالات متفرقة في مختلف المناطق خلال الأسابيع الأخيرة، ورغم اختلاف ظروف كل حادثة، إلا أن تكرارها يثير قلقا متزايدا في الشارع المغربي، ويعيد طرح السؤال؛ كيف نحمي أطفالنا؟
وتتحول معظم قضايا اختفاء الأطفال في المغرب إلى قضايا رأي عام، خاصة في عصر السرعة الرقمية، حيث تنتشر الأخبار بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومع كل حادثة جديدة، تتسع دائرة التفاعل الشعبي، وتتصاعد المطالب بالتحرك السريع للكشف عن الملابسات وإنهاء معاناة الأسر التي يختفي أطفالها.
ويرى متابعون للشأن الاجتماعي أن هذه الظاهرة، رغم تنوع خلفياتها بين الضياع العرضي أو الخلافات الأسرية أو حتى النوايا الإجرامية المحتملة، والمعتقدات لدى المشعودين في خطف الاطفال الذين لديهم علامات تساعد على فتح واستخراج كنوز الارض الموجودة في الجبال والمناطق النائية أو ما يطلق عليهم ب”الزوهري”، فإنها تستدعي مقاربة شاملة تتجاوز التدخل الأمني إلى التوعية المجتمعية وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية لحماية الأطفال والقاصرين.
قصة مريم وطفلة شفشاون وتاونات، اختفاء أثار الرعب ووداع لعصفورة بميدلت
من بين القضايا التي لا تزال تهز الرأي العام، حادثة اختفاء طفلة من إقليم شفشاون في ظروف غامضة، فعلى الرغم من عمليات التمشيط الواسعة التي باشرتها السلطات المحلية وفرق الإنقاذ، لا يزال مصير الطفلة مجهولا في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
وقد خلفت هذه الواقعة موجة تعاطف واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت هاشتاغات التضامن إلى منصات لنشر نداءات العثور عليها، في وقت تعيش فيه أسرتها أياما عصيبة من القلق والترقب، وهي لا تعرف هل الطفلة غرقت فعلا في الوادي أم أنها تعرضت للاختطاف.
وفي حادثة أخرى بمدينة بومية، عاش سكان المنطقة لحظات من الذعر بعد اختفاء طفل يبلغ من العمر 12 سنة. وقد انخرطت العائلة والسكان في عملية بحث موسعة انتهت بالعثور عليه بعد الزوال يوم الجمعة الماضي في شارع الزرقطوني بحالة إغماء. ولحسن الحظ تم الاطمئنان على حالته الصحية، وعاد إلى أحضان عائلته منهيا بذلك ساعات من القلق والتوتر التي عاشتها الأسرة.
أما في إقليم أزيلال، فقد شغلت قضية اختفاء الشابة مريم، المنحدرة من دوار أيت بوالباكور بمنطقة بين الويدان، بال الساكنة، ففي ليلة الجمعة 6 مارس، فقدت عائلتها الاتصال بها في ظروف وصفت بالغامضة، لتطلق نداءات استغاثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أملا في العثور عليها في أسرع وقت. ومن حسن الحظ، تم العثور عليها صباح يوم السبت 7 مارس في صحة سليمة غير بعيدة عن مكان سكناها، على بعد نحو 800 متر تقريبا، حيث نقلت إلى مدينة أزيلال لإجراء فحص روتيني للاطمئنان على حالتها الصحية.
وفي حادثة صادمة أخرى بإقليم تاونات، تم صباح يوم الأحد 8 مارس 2026 العثور على فتاة قاصر تبلغ من العمر 15 سنة مكبلة اليدين والقدمين ومكممة الفم، مرمية في منطقة خلاء بدوار دويمة بجماعة أوطابوعبان بدائرة تيسة. وقد جرى نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية، فيما فتحت مصالح الدرك الملكي تحقيقا لكشف ملابسات هذه الواقعة الخطيرة، التي أعادت بدورها النقاش حول أمن القاصرين وضرورة اليقظة المجتمعية.
وفي فاجعة مؤلمة أخرى، اهتزت جماعة زايدة بإقليم ميدلت على وقع خبر العثور على جثة طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات، بعد اختفائها منذ ليلة الخميس 05 مارس. وقد استنفر الحادث السلطات المحلية والدرك الملكي والوقاية المدنية، إلى جانب متطوعين من أبناء المنطقة، للبحث عنها في الدوار والمناطق المجاورة. وبعد ساعات من البحث، تم العثور على الجثة بالقرب من واد بوحفص بجماعة زايدة، لتحوّل محاولات البحث عن الأمل إلى مأساة. وقد جرى نقل الجثة إلى مستودع الأموات لإخضاعها للتشريح الطبي، فيما فتحت مصالح الدرك تحقيقاً قضائياً لتحديد ملابسات الحادث والأسباب الحقيقية للوفاة.
بين الحقيقة والإشاغة، أي دور للإعلام؟
في خضم هذه الأحداث، يحذر متابعون من خطر “فوضى الأخبار” وتداول الإشاعات على منصات التواصل الاجتماعي، ففي كل حادثة اختفاء، تظهر روايات غير مؤكدة وتتكاثر الفرضيات، مما يساهم في تضخيم الوقائع أو إثارة الهلع غير المبرر داخل المجتمع.
ويؤكد مهتمون بالشأن الاجتماعي على ضرورة التعامل مع هذه القضايا بحساسية ومسؤولية، والاعتماد على المعلومات الموثوقة الصادرة عن الجهات المختصة، خاصة السلطات الأمنية التي تباشر التحقيقات فالإعلام، سواء التقليدي أو الرقمي، يمكن أن يكون شريكا في الحل عبر التوعية، أو جزءا من المشكلة عبر التضليل ونشر أخبار زائفة.
تساؤل عن حماية الأطفال؛ مسؤولية من؟
يتفق مختصون على أن حماية الأطفال من مخاطر الاختفاء أو الاستدراج هي مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق السلطات ورجال الامن وحدهم، فرغم الدور الحاسم للسلطات في البحث والتحقيق، يبقى للأسرة الدور الأكبر في المراقبة والتوعية المستمرة، وتعليم الطفل قواعد السلامة الأساسية، مثل عدم الحديث مع الغرباء أو الابتعاد عن المنزل دون إذن أو الإغراء بتقديم الحلويات وغيرها من الأساليب الخبيثة التي أصبحت تستعمل لاستدراج الأطفال.
وإلى جانب الأسرة، يمكن للمؤسسات التعليمية والجمعيات المدنية أن تلعب دورا رياديا في نشر ثقافة الوقاية من خلال برامج تحسيسية داخل الفصول الدراسية وورشات عمل وأنشطة تربوية موجهة للأطفال وأولياء الأمور على حد سواء.
ومع تكرار هذه الحوادث، يبقى تعزيز اليقظة المجتمعية والتعاون بين الأسرة والمدرسة والأمن هو السبيل الأنجع لضمان سلامة الأطفال وحمايتهم من المخاطر التي قد تتربص بهم، في زمن تتغير فيه أشكال الجريمة بينما تبقى الطفولة الضحية الأكثر تأثرا.