أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

من صفرو إلى سانتا في: الأزرار الحريرية لأمينة يابيس تغزو العالم

(محمود القلعي)

في الأزقة الهادئة لمدينة صفرو، بقلب الأطلس المتوسط، ظل تحرف تقليدية عريقة تنتقل عبر الأجيال بعيدا عن الأضواء، من بينها فن صناعة أزرار الحرير المغربية المعروفة باسم “ل عقاد”، الذي ت مك ن من عبور الحدود بفضل حرفية مغربية هي أمينة يابيس.

فقد استطاعت هذه الحرفية التي تبلغ اليوم 62 ربيعا، أن ت حول مهنة تقليدية كانت تمارس في الخفاء داخل البيوت إلى رافعة حقيقية للتمكين الاقتصادي والإشعاع الدولي، في مسار يعكس قدرة الصناعة التقليدية المغربية على التجدد مع الحفاظ على أصالتها.

وإذا كانت مدينة صفرو معروفة على نطاق واسع بفضل مهرجانها العريق “حب الملوك” الم درج ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية، فإنها تشتهر أيضا بإرث حرفي آخر يتمثل في صناعة أزرار الحرير التي ت زين القفطان المغربي.

وتاريخيا، كانت الجالية اليهودية المغربية تشتهر بإتقان هذا الفن الدقيق، قبل أن ينتقل تدريجيا منذ ستينيات القرن الماضي، إلى النساء المسلمات في المنطقة. وفي هذا المحيط اكتشفت أمينة، وهي في سن مبكرة، خبايا هذه الحرفة.

تنحدر أمينة من أسرة متواضعة كان العمل اليدوي يشكل فيها المصدر الرئيسي للدخل. وقد تعلمت أساسيات هذه الحرفة منذ المرحلة الابتدائية على يد إحدى جاراتها، بينما كانت والدتها تقوم بغزل الحرير في المنزل، الأمر الذي غذ ى شغفها المبكر بهذا المجال.

وسرعان ما أدركت أمينة الميزة العملية لهذا النشاط؛ فخلافا لعدد من الحرف الأخرى التي تتطلب أدوات كبيرة، فإن صناعة أزرار الحرير تحتاج إلى معدات بسيطة يسه ل حملها.

تحكي أمينة في هذا الصدد “كل شيء يمكن وضعه في حقيبة صغيرة. كنت أجلس في الزقاق مع عمتي، أشتغل وأتبادل الحديث مع الجارات في الوقت نفسه”.

وما كان في البداية محاولة لمساعدة أسرتها ماديا، تحول تدريجيا إلى نقطة انطلاق لمسار استثنائي.

ومع إدراكها أن هذه الحرفة تمثل موردا مهما للعديد من الأسر بإقليم صفرو، قررت أمينة، مع مطلع الألفية الجديدة، تنظيم هذا النشاط بشكل أكثر احترافية.

ففي سنة 2000، أسست تعاونية متخصصة في صناعة أزرار الحرير والخياطة التقليدية، بهدف دعم الحرفيات المحليات وتحسين ظروف عملهن.

غير أن هذه المبادرة لم تمر دون تحديات في مدينة كان فيها مجال تجارة الحرير خاضعا إلى حد كبير لهيمنة الوسطاء الرجال. فقد واجهت المؤس سة الشابة في البداية كثيرا من الشكوك والضغوط الاجتماعية والمنافسة المهنية، ما تطلب منها عزيمة قوية لمواصلة مشروعها.

وفي مرحلة من المراحل، خطر ببالها أن تتخلى عن الفكرة، غير أن منعطفا مهما حصل سنة 2001 حين حصلت على وسام ملكي تكريما لجهودها في تثمين الصناعة التقليدية المحلية.

وأفادت أمينة يابيس، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بأن “هذا التكريم كان بمثابة نفس جديد شجعها على الاستمرار وعدم التراجع”.

ورغم بساطة أزرار الحرير في مظهرها، فإن صناعتها تتطلب مهارة عالية وصبرا ودقة كبيرة. فكل قطعة، أو ما ي طلق عليه “ع قدة”، تصنع من خيط “الصابرة” (حرير نباتي) يتم لف ه ونسجه باستعمال أدوات بسيطة، لكنها مبتكرة.

ومن بين هذه الأدوات “المعزل”، وهو مغزل خشبي صغير يعلوه مسمار، و”الموندي”، وهو قضيب معدني مدبب يستعمل لتشكيل العقد.

وتتكون بعض الزخارف، المعروفة باسم “العم ارة”، من أربعين إلى مائة وأربعين زرا، تشكل عناقيد زخرفية ت ستعمل لتزيين القفاطين التقليدية.

وعلى مر السنين، أتقنت أمينة عشرات النماذج المختلفة التي تحمل أسماء مميزة مثل “م دبرة” و”الغرزة” و”التونسي”. غير أن فخرها الأكبر يبقى تقنية “الصم ة”، التي تعد من أكثر الطرق تعقيدا وأصالة. فهذه التقنية التقليدية تتطلب اثنتي عشرة دورة من الخيط لكل زر، ما يجعل إنجازها يستغرق وقتا طويلا.

وحذرت أمينة من أن هذه التقنية مهددة بالاندثار، لأن النماذج الحديثة أسرع إنتاجا، مؤكدة عزمها على نقل هذا التراث إلى الأجيال الشابة.

وبفضل التعاونية التي تشرف عليها، توسع نطاق استخدام أزرار الحرير المنت ج ة في صفرو. فإلى جانب القفطان التقليدي، أصبحت ت ستعمل أيضا في صناعة الحلي مثل القلائد والأقراط والإكسسوارات العصرية.

وقد فتحت هذه القدرة على الابتكار أمام أمينة أبواب الساحة الدولية. ففي سنة 2009، تلقت دعوة للمشاركة في المعرض الدولي للفنون الشعبية الذي ي نظم بمدينة سانتا في بالولايات المتحدة، وهو حدث شكل منعطفا مهما في مسارها المهني.

وبفضل الإقبال الكبير على أعمالها، شاركت في أكثر من عشر دورات من هذا السوق الدولي، لتصبح سفيرة حقيقية للصناعة التقليدية النسوية المغربية. كما ع رضت إبداعاتها في عدة مدن عالمية، من بينها واشنطن ونيويورك وعدد من المدن الإيطالية.

وبالنسبة لأمينة، فإن هذا النجاح يتجاوز الاعتراف الفني، إذ يمثل قبل كل شيء فرصة لتأمين مستقبل أفضل لأسرتها. فقد تمكنت بفضل عملها من تمويل الدراسات العليا لأبنائها الأربعة.

وتشغل أمينة حاليا منصب مديرة مركز تابع لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، حيث تواكب نحو 200 امرأة في تعلم حرف الصناعة التقليدية.

كما أصبحت بفضل مسارها الملهم، شخصية مرجعية بالمنطقة ونموذجا للقيادة النسائية والتمكين الاقتصادي.

ووجهت أمينة رسالة واضحة إلى الشباب الذين ينجذبون إلى التكنولوجيا الحديثة قائلة “تعلم حرفة يدوية هو كنز حقيقي، كما أنه يشكل ضمانة للاستقلال المالي”.

ولا تزال أمينة، بروح الابتكار نفسها، تعمل حاليا على مشروع جديد يهدف إلى جعل نشاطها أكثر احتراما للبيئة، عبر تطوير مجموعة من الأزرار الطبيعية بالكامل باستبدال الحرير الصناعي بالقطن الخالص المصبوغ بمواد طبيعية مثل الحناء والبابونج والكركديه.

وهكذا، ت جسد قصة أمينة يابيس قدرة المرأة المغربية على تحويل المهارات التقليدية إلى محرك للتنمية والتحرر الاقتصادي.

فبخيط بسيط وأدوات قليلة، لم تصنع أمينة أزرار الحرير فحسب، بل نسجت أيضا مسارا من الحرية والنجاح.

ومع


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد