مولاي التهامي بهطاط
يبدو أن المكتب السياسي لحزب “الحمير” قد قرر عدم تكرار فضيحة مسيرة الرباط… ولذلك امتنع عن المشاركة في مسيرة الدار البيضاء..
لقد استفاد حمير المغرب من درس “شباط” الذي غرر بهم واستغل سذاجتهم فأنزلهم للشارع للتظاهر في قضية لا تخصهم لا من قريب ولا من بعيد..
وبناء عليه وجب عدم الاستخفاف بذكاء هذا الحيوان الذي ينعت عادة بالغباء.. رغم أن “عقله” في الواقع “أثقل” من عقول بعض بني البشر..
فمسيرة الدار البيضاء -إذا جاز أن نسميها مسيرة- كشفت أي “عقل” يدير الدولة.. بل كشفت أن بعض صناع القرار لم يبلغ إلى علمهم بعد أننا نعيش في سنة 2016، وليس في حقبة الستينيات.. وأن حتى مواطني القرى يتوفرون على هواتف ذكية ويتواصلون مع العالم، ولم يعد سقف الدنيا بالنسبة إليهم مرتبطا بالعبارة الشهيرة “هنا الرباط.. إذاعة المملكة المغربية”.. ولا باللازمة الشهيرة : “عند الإشارة تكون الساعة…”.. التي كانت نافذتهم الوحيدة على ما يجري في بلدهم..
لأول مرة ربما يتحقق الإجماع في المغرب على أن من خطط ودبر وأشرف على هذه المسيرة يتمتع بقدر كبير من “الغباء”، وهذا التعبير ليس من عندي بل هي كلمة ترددت في عشرات المقالات والتعليقات والتدوينات التي خطتها أقلام فاعلين سياسيين وصحافيين وباحثين وجمعويين قاسمهم المشترك هو العداء المطلق والأبدي والمعلن لبن كيران وحزبه وتياره وإيديولوجيته..
لكن الأخطر ليس في المسيرة ولا في النتيجة التي أفضت إليها، بل في استمرار احتفال بعض “مسانديها” بها، واعتبارها إنجازا وضربة موجعة للمستهدف بها..
إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل تمت متابعة من رفعوا شعارات تهدد رئيس الحكومة بالقتل؟ وهل تم التحقيق مع أعوان السلطة ورؤساء الجماعات الذين اتهمهم المتظاهرون بتجنيدهم؟ وهل فتح تحقيق لمعرفة هوية من قام بالتغرير بالمواطنين البسطاء واستدرجهم تحت عناوين مزورة؟ وهل تم التحقيق مع المرشحين الذين وزعوا الخرفان على “المتظاهرين”؟
لقد كشفت “المسيرة”.. الحصيلة الحقيقية لـ 60 سنة من الاستقلال الموهوم دون أن يتطلب ذلك تكليف مكاتب للدراسات ولا تأسيس لجان عالية المستوى ومتعددة التخصصات.. ولا صرف ملايير..
فمنتوج ستة عقود من الاستقلال المزعوم هو : مواطنون معزولون مهمشون منقطعون عن الواقع، يمكن استدراجهم والتغرير بهم بسهولة، لأن دولة ما بعد الاستقلال نجحت في تعطيل حتى ملكة التفكير الفطري التي وثقها المغاربة بقولهم “العروبية مطورين”..
هذا هو منتوج المدرسة المغربية .. بميزانياتها الضخمة وبرامجها الإصلاحية التي استنزفت ملايير ..شباب لا يعرف حتى مضمون اللافتات التي يحملها …
هذا منتوج الإعلام العمومي الذي استثمر في “التكليخ” ونجح بشكل فوق الوصف، وماذا تتوقع من مواطن تحبس “كوادلوبي” المكسيكية و”فريدة” التركية أنفاسه على مدى مئات الحلقات..؟
هذا منتوج الأحزاب التي تحولت إلى مقاولات للبيع والشراء وتبييض صفحات ذوي الثروات المشبوهة والمجهولة المصدر..
لقد كشفت “المسيرة” .. ضرورة نصب سرادق كبير لتلقي التعازي في ضياع أجيال وأعمار.. ألا يستحق الشاب الذي أعلن لمصوري “مسيرة” الدار البيضاء -وليس المسيرة الخضراء- أنه جاء لإخراج بن كيران من “الصحرا ديالنا”، التعزية في نفسه وهو حي يمشي على رجلين؟
لقد نجحت “المسيرة” في تسليط الضوء على إشكالية محيرة تتمثل في سر نجاح التنظيمات الإرهابية في تجنيد شباب مغاربة لتنفيذ عمليات قذرة.. بل وفي تفسير كيف يحتل الإرهابيون المغاربة ذيل السلم “الحركي” حيث إنهم نادرا ما يتعدون درجة المنفذ المباشر الذي لا يناقش ولا يفهم ولا يسعى أصلا للفهم..
وهل يشك أحد في أن كثيرا ممن تم شحنهم من طرف الجهة الخفية للمشاركة في مسيرة الدار البيضاء يمكن أن تجندهم داعش.. ومشتقاتها؟
البعض – من مختلف المشارب والتوجهات- تساءل عن حجم الإساءة التي لحقت صورة المغرب.. وغاب عنه أننا امام كائنات تعتبر نفسها مركز الكون، لا تهتم لا بالخارج ولا بالداخل… وهذا هو الخطر الحقيقي الذي لا ينشغل به أحد..
فالذين يحذرون من خروج الأمور عن السيطرة، ويتوجسون من إمكانية اشتعال الحرائق.. ينسون أن من يسعون للفتنة يملكون إقامات وجنسيات وحسابات خلف البحار .. ولا يهمهم إيقاظ الفتنة في بلد يكرهونه ويحتقرون مواطنيه..
إن ما يمنع من تكرار السيناريوهات الدموية الجارية في دول الشرق حاليا، في المغرب، هو فقط الكيلومترات القليلة التي تفصلنا عن أوروبا… فالجيران في الشمال يدركون أن “فتنة” في المغرب تعني زحف ملايين المهاجرين السريين الذين يلعب المغرب اليوم دور الحاجز الذي يمنعهم من عبور مضيق جبل طارق.. وهذا ما يفسر “الضغط” الذي يتعرض له بلدنا دون غيره من بقية دول الجنوب في ما يخص “حقوق الإنسان” و”الحريات العامة” و “الديموقراطية” ولو في الحد الأدنى.. فأوروبا تعمل في الواقع على تنفيس الاحتقان تفاديا لوقع انفجار ستكون أكبر متضرر منه..
وفي كل الأحوال، فإن المسيرة المعلومة حققت أهدافا لم يسع إليها “المنظمون المجهولون”.. ومنها :
– أن الأحزاب التي لها عمق شعبي حقيقي لا يمكن مواجهتها.. بالأساليب الديموقراطية.. ولو كان في المغرب حزبان حقيقيان أو ثلاثة لما كان هذا حالنا..
– كما حدث في ربيع سنة 2011 فإن من تم تجنيدهم للدفاع عن “الملكية” هم فئة مهمشة ومنبوذة قابلة للتأجير والاستغلال.. وهذه رسالة في غاية الخطورة لأنه لا مستقبل لدولة تقوم على أكتاف من يتم ابتزازهم أو مقايضة “ولائهم” بلقمة خبز مغموسة في الذل والاحتقار..
– أن توزع خصوم “أسلمة الدولة” بين التزام الصمت لعدم إحراج منظمي المسيرة، أو الإعلان صراحة أنها غباء يمشي على رجليه، وأكبر خدمة تم تقديمها لبنكيران عشية الانتخابات.. دليل على نوعية “العقل” الذي أصبح يتحكم في مصير البلاد والعباد، ولا يكلف نفسه حتى استشارة من حوله ممن يساندونه في “مشروعه المجتمعي”.. وأسلوبه “الاستئصالي”..
– هل يختلف التغرير بمواطنين بسطاء في 2016 عن التغرير بتلاميذ مدرسة أهرممو سنة 1972 ..بما أن العناوين الخادعة واحدة .. الدفاع عن الملك وحماية الملكية؟؟
– المسيرة كانت محاكمة علنية لـ 60 سنة من الاستقلال الموهوم، فلا تنمية ولا تربية ولا تعليم ولا ديموقراطية .. ولا حتى أمل في المستقبل..
ختاما..
إن “العقل” الذي يدير الأمور في البلاد بهذه الطريقة، نجح في تحويل موعد 7 أكتوبر شيئا فشيئا من انتخابات تتنافس فيها أحزاب إلى استفتاء في غاية الخطورة، خاصة وأن المسيرة وضعت صور الملك في مقابل صور بن كيران…
بعبارة أخرى أفرزت مسيرة الدار البيضاء ثنائية في غاية الخطورة.. وإذا انتصر بن كيران في 7 أكتوبر فإن انتصاره لن يكون على ما يسميه التحكم أو الدولة الموازية فقط…والفضل بطبيعة الحال يعود للعقل الذي يدير المعركة حاليا.. ويتوهم أنه يمسك كل الخيوط بيده.. وأنه قادر على التحكم حتى في القضاء والقدر، مع أن الملك الحكيم محمدا الخامس رحمه الله ترك حكمة خالدة عندما وصف المغرب بـ”الأسد الذي يجب قيادته بحبل”..
أتمنى فقط، ألا يكون هناك جزء ثان من هذا المسلسل أبطاله “ملتحون” خرجوا “تلقائيا” لـ”نشر الإسلام” و”محاربة الكفار”…
ألا هل بلغت…
https://www.facebook.com/my.bahtat