أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

الاطلس الكبير المركزي: من النظم الموروثة إلى النظام المستحدث عالية واد لخضر نموذجا (ايت عباس وايت بوكماز)

 

بقلم: محمد خويا، باحث في التاريخ والتراث الجهوي


 

  هذه محاولة بسيطة لكشف بعض مراحل الاستقرار البشري بمجال الاطلس الكبير المركزي، وهي مقالة مأخوذة من بحث لنيل شهادة الماستر تحت عنوان “التراث المعماري بالأطلس الكبير المركزي: ايت عباس وايت بوكماز نموذجا، تحت إشراف الأستاذ محمد العاملي، ونحيط علم القارئ الكريم ان حذف العدة المصدرية والمرجعية من هوامش المقالة أمر متعمد درءا للسرقة الأدبية للنص.

 

الاطلس الكبير المركزي: من النظم الموروثة إلى النظام المستحدث

عالية واد لخضر نموذجا (ايت عباس وايت بوكماز)

       إن الغوص في التاريخ البشري القديم لمجال جغرافي محدد كمجال أيت عباس وأيت بوكماز، أشبه ما يكون بمغامرة حقيقية، لعدة اعتبارات أهمها، أن المجالين المعروفين اليوم بأيت عباس وأيت بوكماز يستحيل أن نجدهما بهذه الـأسماء في نصوص القرون الوسطى فما بالنا بنصوص التاريخ القديم[1]. كما يصعب أن نتحدث في التاريخ القديم عن شيء اسمه المونوغرافية (التاريخ الجهوي) أو حتى التاريخ القطري، ناهيك عن نذره المصادر التاريخية التي تهم هذه المراحل التاريخية القديمة. لكن الإشارات العابرة التي وردت في مجموعة من المصادر القديمة، خاصة اليونانية والرومانية، وكذا ما جادت به بعض الدراسات الأركيولوجية، والمعلومات الطفيفة التي تناثرت في نصوص القرون الوسطى (من البيدق وصولا إلى ابن خلدون والوزان وكربخال..) ثم بعض التفسيرات والاستنتاجات التي تطرحها بعض الدراسات الحديثة سواء منها التاريخية السوسيولوجية (أحمد التوفيق، انولتان) أو الأنتروبولوجية ( كلنير “صلحاء الأطلس”، ماركلي مورسي ” les Ahansalas” علي أمهان les ghoujdamas”…) كفيلة بأن تعطينا صورة عن التاريخ البشري لهده المناطق. وسنحاول لم هذا الشتات من المعلومات لبناء فرضيات لخمسة مراحل للاستقرار البشري بهذه المناطق.كما سنحاول إعطاء لمحة عن مختلف التنظيمات الإجتماعية والسياسية التي انتظمت فيها هذه المجموعات المختلفة عبر حقب تاريخية معينة.

I– مراحل الاستقرار

1-   المرحلة الأولى: العابرون القدامى: رحل طردهم شح الصحراء أم محاربين عائدون لكسر اللمس الروماني القديم.


   توجد في مجال “أيت بولي” القريب من أيت بوكماز وأيت عباس عند قدم جبل “رات” ” بتيزي ن ترغيست”[2] مجموعة مهمة من النقائش الصخرية تحمل روسومات مختلفة الأشكال.

قام بدراسة أو بالأحرى تأويل بعض من رسومات هذه النقائش باحثان، وهما كلوري وسيمون. فقدم الأول (كلوري) تفسيرا مفاده “أن غزاة من البربر قد اختاروا تيزي ن تريست ( او تيزي نترغيست)، الواقعة على ارتفاع 2500م والقريبة من الممرات الواصلة بين الصحراء والداخل، لتخليد معركة خاضوها من أجل الحصول على المراعي، كانت في صالحهم، وأن وجود الجمل والنعامة في الصور يجعلنا نقتنع بوقوع الحرب في السهل”[3]. أما الثاني (سيمون) فقد رأى هو الآخر أن ” هذه الرسوم هي لرعاة محاربين التجئوا إلى الجبال عند اشتداد جفاف الصحراء ما بين  2500و 1200 ق.م”[4]

لا يمكن أن نطمأن لهذه التأويلات خصوصا فيما يتعلق بمسألة التأريخ لها أو لتاريخ المعركة ، لكن ما هو مؤكد هو أن معركة ما مهمة قد وقعت فعلا في إحدى المناطق القريبة من هذا المجال، إن لم تقع في نفس المكان حيث توجد النقائش. وتخليد الانتصار هو كذلك شبه مؤكد، لكون الأمازيغ على مر تاريخهم يهتمون بتخليد المعارك التي انتصروا فيها، ونجد ذلك حاضرا حتى في بعض رقصاتهم وأهازيجهم اليوم[5].

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، ما هي أطراف المعركة؟ وهل هي معركة بين الرعاة الرحل والمستقرين أم بين رعاة رحل يتصارعون على المراعي الخصبة؟. هناك تفسيران واردان في هذه المسألة.

الأول هو ما ذهب إليه سيمون نفسه في تأويله السابق، وهو أن جفاف الصحراء قد دفع بالرعاة للتوجه نحو الشمال، وهذه المسألة واردة بالنسبة للدراسات الأركيولوجية الحديثة، التي اكتشفت أن الصحراء لم تكن أرض جرداء، بل كانت أرض صالحة للعيش، وكانت أشبه بالمناطق الاستوائية اليوم، لكن بعد تغيرات بيومناخية مهمة تحول هذا المجال الشاسع إلى أرض قاحلة، ولهم في ذلك أدلة، من بينها ظاهرة تدجين الحيوان، فالكبش المصري المعبود مثلا أصله من الصحراء الكبرى[6]. وبهذا تكون الصحراء الكبرى هي التي أنتجت لنا العصر الحجري الحديث (عصر الاستقرار وتدجين الحيوان).

التفسير الثاني هو ما ذهب إليه الأستاذ عبد الله العروي في كتابه مجمل تاريخ المغرب[7]، حيث يحمل الوجود القرطاجي وبعده الروماني في شمال إفريقيا بالدفع بالقبائل الأمازيغية القديمة نحو عمق الصحراء، أي إلى ما وراء اللمس الروماني.

 ونعتقد أن  الدفع من الشمال نحو الجنوب قد عرف ردات فعل في فترات لاحقة، ولا يستبعد أن تكون إحدى تلك الردات هي التي أفرزت المعركة المنقوشة في صخور تيزي ن ترغيست، لكن هل رد الفعل هذا كان ضد الاحتلال الأجنبي أم كان ضد بعض القبائل المستقرة قرب اللمس الروماني؟.

في كل الأحوال لا تهمنا هنا أسباب الدفع بهؤلاء الرعاة الرحل نحو الشمال أو الجنوب، أو أطراف المعركة المخلدة. ما يهمنا هو أن مجموعات بشرية هائلة ومختلفة قد اتخذت من هذا المجال (مجال واد لخضر) طريقا مروريا، تحول في فترات لاحقة إلى مجال لبداية الاستقرار فبدأنا نجد بقايا مساكن في مجموعة من الكهوف المنتشرة على ضفاف الوادي. والجدير بالذكر أن البعض من هذه المساكن البدائية، تنسبها الساكنة المحلية إلى “البرتقيز” أي البرتغاليين، وسنحاول إعطاء تفسيرات لهذه المسألة في مناسبة قادمة.

2-   المرحلة الثانية: نشوء الأحلاف القبلية الكبرى وظهور الاتحاد الهسكوري بالأطلس الكبير الأوسط.  

يرى الأستاذ احمد التوفيق أن كثير من المجموعات القبلية الكبرى قد “تكونت وتعينت أنماط عيشها في المرحلة التي امتدت مابين فجر التاريخ إلى ما قبل الموحدين”[8]. والاتحاد الهسكوري الذي نرجح انتماء القبيلتان اللتان نحن بصدهما إليه، قد نشأ في مرحلة من مراحل هذه الفترة الطويلة من طرف “رعاة رحل هاجموا ابتداء من التخوم الصحراوية الأطلس الكبير الغربي… ثم امتدوا إلى تخوم الأطلس المتوسط (أيت مساض ونتيفة)”[9]. ولا يستبعد أن الرحل الهسكوريين قد كانوا مستقرين قبل أن يرجعوا إلى الترحال، بسبب الدفع الروماني الذي زحزح المجموعات القبلية الكبرى ( زناتة، مصمودة، صنهاجة) على التوالي وزج بأطراف مهمة منها في الصحراء الكبرى (كما نص على ذلك ابن خلدون، وبعده عبد الله العروي). وبدافع البداوة، وما يفرضه نمط الترحال من تكتل لأجل مصالح مشتركة (كما نص على ذلك جاك بيرك وغيره من السوسيولوجيين). التف الهساكرة في اتحادية كبرى هاجمت من الصحراء أدرار درن (الجبل الحي) أي الأطلس الكبير واعتصمت به منذ أول الإسلام.

وفي بداية الدعوة الموحدية ساند الاتحاد الهسكوري دعوة الموحدين، وهي مساندة عزاها التوفيق إلى الحصار الذي ضربه المرابطين بسلسلة من القلاع والحصون عند المناطق الرابطة بين السهل والجبل على طول الأطلس الكبير[10] لمنع زحفهم نحو السهل.

ولا يستبعد أن يساهم هذا “الحصار” في استقرار الهساكرة خاصة الأماميين منهم (ولتانة، نتيفة..)، كما أن المجال الذي حلوا به كان مجالا خصبا واستراتيجيا على كل المستويات، نظرا لوجود شبكة هدروغرافية مهمة، توفر أسباب ممارسة الزراعة والرعي في آن واحد، ووجود فجاج صالحة للمواصلات نحو الشمال والجنوب وبالتالي مراقبة بعض الطرق التجارية المهمة (كممر تيزي نايت بوولي المسمى سابقا بتزي نتكارن أي ممر التجار).

3-   المرحلة الثالثة: تفتت الاتحاد الهسكوري والانزواء نحو الاستقرار النهائي، مع دخول عناصر جديدة إلى المجال.

     لهذه المرحلة التي نفترض بدايتها من القرن 12م (حيث انفصل الهساكرة عن الموحدين) أهمية كبيرة بالنسبة للمجوعتين اللتين نحن بصددهما (أيت عباس وأيت بوكماز). حيت انقسم الاتحاد العملاق على نفسه، وبدأت تظهر مجموعات قبلية صغيرة، ارتبطت أكثر بالأرض وبدأت معالم حدودها المجالية تتضح أكثر فأكثر، ولا يستبعد أن قبيلتا أيت عباس وأيت بوكماز قد كونتا مجاليهما في هذه الظروف، والرواية الشفوية تفيد بهذا الخصوص أن أيت عباس كانت ضمن حلف هنتيفة، ولأسباب تعلقت بالصراع حول المجالات الزراعية والموارد المائية، نشب صراع داخلي أدى إلى انشقاق أيت عباس عن هنتيفة[11]، وتحصنوا بالسفوح الشمالية للأطلس الكبير المركزي، بين واد لخضر وواد برنات.

ورغم الاستقرار المبكر لهاتين المجموعتين والذي تدل عليه أنماطها المعمارية (المخازن الجماعية) والممارسات الزراعية المختلفة، فان هاتين المجموعتين لا نجد لهما ذكر في نصوص القرون الوسطى باستثناء البيدق الذي ذكر أيت بوكماز في مناسبة واحدة فقط. ولم نجد ورودهما إلا في مصادر جد متأخرة “كالدرة الجليلة” لعبد الله الخليفتي[12]، وكتابات بعض الرحالة كشارل دوفوكو “التعرف على المغرب”، ثم في كتابات بعض الاثنوغرافيين والأنتربولوجيين أمثال إميل لاووستMots et choses berbères وغيره، ونعتقد أن صمت المصادر المكتوبة الوسيطية عن ذكر هاتين المجموعتين يرجع إلى عدة أسباب:

أولها محاصرة عرب بنو هلال لهاسكرة الظل من جهة الشمال، أي منعهم من التوسع نحو السهول، بداية من القرن 7ه/ 13م. ومحاصرة عرب بني معقل الذين وصلوا إلى درعة في تلك الفترات[13]، وهذا الحصار كان له حسب رأي التوفيق عاقبتان اقتصاديتان، الأولى “اعتصام هسكورة بجبالهم الشاهقة ولواذهم به” الثانية ” هي أن وجود بدو رحل على طرق المواصلات التي كانت تربط حصون هسكورة بمراكز تجارية على أبواب الصحراء من جهة وبفاس ومراكش من جهة أخرى قد جردهم من الفوائد التي كانت لهم بمراقبة تلك الطرق”[14].

ونحن بدورنا نعتقد أن هذا الحصار قد ساهم في عدم بروز الكثير من المجموعات الهسكورية المستقرة آنذاك، خاصة تلك المنغمسة أكثر في الجبل ومنها أيت عباس وأيت بوكماز، خصوصا إذا علمنا أن تلك الطرق التقليدية التي تمر من مجالاتها نحو الجنوب لم تعد مطروقة بسبب الحصار المذكور. فانقطع عنها التجار، وحتى عابرو السبيل، فكيف يصل إليها “المخبرون” و”رواة الأخبار”.

السبب الثاني نرجعه إلى وجود دمنات كمركز تجاري  سياسي لهسكورة عامة، فدمنات كانت بتعبير التوفيق (حاضرة الهساكرة) فسيط هذا المركز قد أحجب عن المناطق الهسكورية الأخرى خاصة تلك البعيدة والموغلة أكثر في الجبل.

وتمت سبب ثالث وهو جغرافي صرف، ويتمثل في صعوبة تضاريس مجال أيت عباس وأيت بوكماز، فهالة تلك الكتل الجبلية وصعوبة المسالك التي تمر بين فجاج ضيقة، كانت تحول أقدام العابرون من والى الجنوب نحو ممرات أخرى أقل صعوبة. بل كانت تحد أقدام بعض الوافدين إلى هسكورة عند دمنات، أو ما يجاورها من القرى القريبة في أحسن الأحوال.

ولما تفككت أواصر الاتحاد العملاق، وانزوت مجموعاته إلى الاستقرار أكثر، وانقسمت على نفسها، خاصة في العهد المريني – الوطاسي، دخلت عناصر جديدة إلى مجاله، بعضها تم زرعه من طرف الدول المتعاقبة على الحكم المركزي، وبعضها الآخر أتى في ظروف مختلفة، وسنتعرض لهذا التجديد في البنية القبلية للمجموعات الهسكورية في محور لاحق.

4-   المرحلة الرابعة: من العهد المريني إلى المنتصف الأول من القرن 19، مرحلة القلاقل والصراعات الداخلية.

     لهذه الفترة الحرجة أهمية كبيرة في تاريخ المغرب ككل، فقد تغيرت فيه كثير من الأشياء بسبب الحملة الاستعمارية الأوروبية، التي خلخلت الكثير من بنياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي مرحلة بداية التفاوت بين جنوب البحر المتوسط وشماله، وبداية ما يسمى بحروب الاسترداد، الذي تلاه مباشرة احتلال الايبيرين لسواحل المغرب. هذا الاحتلال الذي أدى مباشرة إلى تراجع هيبة السلطة المركزية، وبروز القلاقل والصراعات القبلية، كما أن هذه الفترات، قد عرفت موجات من الجوائح الطبيعية المختلفة كالجفاف والطاعون والمجاعات..

لم يستثنى المجالين اللذان نحن بصددهما من أحداث هذه المرحلة، حيث شهدت القبيلتين أحداث متسارعة، ووضعيات حرجة لا زلنا نسمع صداها من أفواه بعض السكان المتقدمين في السن نقلا عن أجدادهم القدامى، خاصة أحداث بعض السنوات المتسمة بالجفاف، وهي معلومة عندهم ك “أسكاس ن لاز” أو “عام الجوع”، أو أحداث دامية داخلية. وفي هذه الظروف  ستعود أهمية المخازن الجماعية (اغرمان) لكن بوظيفة جديدة، وهي وظيفة الدفاع والاحتماء، وقد كانت هاتين القبيلتين إلى غاية منتصف القرن 19 تصنفان ضمن القبائل التي لا يطالها حكم المخزن المركزي[15].

5-    المرحلة الخامسة: من منتصف القرن 19 إلى نهاية الحماية

تغيرت في هذه المرحلة أحوال المغرب رأسا على عقب بسبب التدخل الاستعماري المباشر. تغيرت أجهزة الحكم فيه مثلما تغيرت أسباب العيش والرزق، وخلخلت البنيات الاجتماعية والسياسية، وتم تقويض الأنظمة القبلية ذات التوجه الديمقراطي المحلي وخلق نظام جديد ذو سلطة مطلقة وهو النظام القائدي، الذي كان اليد اليمنى للنظام الاستعماري في عملية إخضاع القبائل[16].

 وقد تكونت خلال هذه المرحلة الوجيزة قيادات كبرى كان أهمها: قيادة كندافة، وقيادة متوكة، ثم قيادة كلاوة[17]، هذه الأخيرة التي اكتسحت جنوب المغرب، وجبال الأطلس الكبير الغربي والمركزي، بفضل سياسة الكلاويين المتسمة بالبطش، وضرب اللف باللف، وقلب بعضها على البعض الآخر.

لم تسلم قبيلتا أيت عباس وأيت بوكماز من الزحف الكلاوي، وان تم الخضوع للكلاويين بشكل متأخر وغير مباشر (على الأقل في بدايته) مقارنة مع مجموعات قبلية أخرى، حيث كان الحضور الكلاوي ممثلا في هذه المناطق في قيادات محلية، أهمها قيادة صالح أوراغ في نتيفة السهل، وقيادة عبد الله أشطو في نتيفة الجبل، هذا الأخير الذي كان له دور كبير في تهييئ القبائل المجاورة لقيادته لأجل الخضوع للقيادة الكلاوية، ومنها أيت عباس وأيت بوكماز اللتين أرسلتا خلال شهر يناير 1915 وفدا مشتركا من الأعيان إلى القائد عبد الله أوشطو للتباحث معه حول إمكانية دخولهم في طاعة المخزن[18]. وهي السنة التي أحدث فيها مكتب الشؤون الأهلية بتنانت، والذي ترأسه اليوطنان “ديكرانج فكتور”[19].

لم تسلم القبيلتين كذلك من بطش التهامي الكلاوي، خصوصا عند مرور حركته الموجهة ضد ايت عطا بزعامة سيدي محا سنة 1918 من مجاليهما، وقد تحدث كوستاف بابان، وهو شاهد عيان على الحملة الفرنسية ضد سيدي محا الحنصالي، ورفيق العقيد نوكس قائد الفيلق، عن حركة الكلاوي التي وصفها بالوحشية، حيث قال:” وكان الكلاوي يقود حشدا متوحشا سبب أعمال النهب..”[20] كما تحدث عن مرور حركة الكلاوي من مجال أيت بوكماز، وهو مرور أرجعه إلى غنى هذه القبيلة نسبيان، مما أسال لعاب الكلاوي وجيوشه.

وتحدثت الرواية الشفوية[21] عن هذه الحركة بإسهاب كبير خصوصا بعد عودة الكلاوي والمرور ثانية بمجال أيت بوكماز وأيت عباس، بعد فشله الدريع في إخضاع مجاهدي سيدي محا. ويبدوا أن الكلاوي قد صب جم غضبه على هاتين القبيلتين بسبب هذا الفشل، فنهبها بشكل فضيع، فالرواية الشفوية تقول بهذا الصدد أن الكلاوي أثناء عودته كان يجر أكثر من 140 عجلا كلها من أيت بوكماز، وعدد آخر مهم من الخرفان والأبقار من أيت عباس، كما عاقب بعض الرافضين لطلباته.

وفي مرحلة ثانية، وبعد إخضاع أيت محمد والمناطق المجاورة، ثم إحداث مركز قيادة بأيت محمد، وأصبحتا أيت عباس وأيت بوكماز تابعتان بداية من هذه الفترة لمركز قيادة أيت محمد. وبرزت خلال هذه الفترة (فترة الحماية) زعامات محلية في كلتا القبيلتين. كان أهمها، أسرة “أيت ادير” بأيت عباس التي كانت تكون المشيخة وأجماعة في آن واحد. وأسرة ” أيت كلاووت” بأيت بوكماز، والتي استأثرت بالمشيخة والأمور السياسية للقبيلة عامة.

I- أصول القبيلتين.

1-   قبيلة أيت بوكماز:

      أول الإشارات وصلتنا عن أيت بوكماز، نجدها عند البيدق في كتاب “الأنساب في معرفة الأصحاب”، حيث صنفهم ضمن صنهاجة الظل التي قسمها إلى قسمين وهما ” بنو أيت كفو وبنو صطط”، هذا القسم الأخير هو الذي ينتمي إليه أيت بوكماز الذين يشكلون معية “جراوة” الخمس الخامس لقسم بنو صطط[22].

لا نستطيع من خلال إشارات البيدق تحديد مجال أيت بوكماز بدقة في فترته (أي بداية الدولة الموحدية ق 5ه). وكل ما نعلمه من إشاراته أن أيت بوكماز في ذلك العهد يوجدون ضمن صنهاجة الظل أي بالسفوح الشمالية للأطلس الكبير الأوسط الذي تقابله السفوح الجنوبية والواحات الصحراوية الممتدة من تودغة إلى تافيلالت والى صاغرو وباني..

  لا نعلم كذلك شيئا عن نمط عيشها في تلك الفترات، لكن موقعها الحالي، المتميز ينبئنا بأن هذه المجموعة كانت آنذاك تزاوج بين الرعي وممارسة بعض الزراعات في منخفض وادي أيت بوكماز، ذو تربة جيدة وصالحة لإقامة بعض الزراعات المسقية كالذرة[23]، التي كانت تزرع في المجالات التي توفر إمكانيات السقي. لكن قساوة مناخ مجال أيت بوكماز يحتم على هؤلاء “الرعاة المزارعين” مغادرة مجالهم نحو السفوح الجنوبية عند بداية كل فصل شتاء، وهذه العلاقة مستمرة إلى يومنا هذا، حيث لا زال بعض سكان أيت بوكماز ينقلون مواشيهم عند بداية كل فصل شتاء إلى امغران ودادس.. وهؤلاء يفعلون نفس الشيء لما تشتد حرارة الجنوب، وتقضي على آخر أعشاب مراعيها، وهي علاقة منظمة بمجموعة من الأعراف المعروفة بينهم قديما، وهي مستمرة إلى الآن لكن تحت مراقبة ممثلو الدولة (القيادة). وقد تحدث سبيلمان عن هذه العلاقة أيضا في دراسته حول أيت عطا، الذين كانوا يصلون بقطعانهم منذ بداية فصل الربيع إلى أواخر فصل الصيف إلى وادي أحنصال، وأيت محمد، بل إلى منخفض واويزغت، وأشار إلى أن مرابطوا احنصالن، بزعامة زاوية أحنصال، هم الذين ينظمون هذه العلاقة ويدعمونها[24].

ورغم افتراضنا بأن هذه المجموعة كانت تزاوج بين الزراعة والرعي، فإننا لا نعلم كذلك إن كانت آنذاك تترك مجالها كليا في فصل الشتاء القاسي، ولا تعود إليه إلا مع بداية فصل الربيع. أم كانت توزع مهام الرعي والزراعة بين أفرادها، فيرحل الرعاة مع المواشي، ويبقى المزارعون لمراقبة الحقول، مع العلم أن المجموعة القبلية كما نص على ذلك مجموعة من الباحثين في سوسيولوجيا القبيلة، أنها تتحرك حركة اقتصادية واجتماعية وسياسية واحدة[25].

كيفما كان الحال، فأيت بوكماز مجموعة قبلية ميالة إلى الاستقرار منذ وقت مبكر، وزاوجت بين الزراعة في منخفض الوادي، والرعي في السفوح وعالية الجبل. واستطاعت أن ترسم معالم حدودية لمجالها قبل زحف الاتحاد العطاوي نحو الأطلس الكبير الأوسط. كما أنها راقبت على مدى فترات تاريخية طويلة أحد أهم الممرات الجبلية بين شمال الأطلس الكبير الأطلس الأوسط وجنوبه، وهو ممر دادس، أيت بوكماز مرورا بأيت محمد نحو مراكز الدير والسهل (أزيلال، بني ملال، أبي الجعد..).

ورغم أن هذه المجموعة تبدوا متكتلة، فان أفخاذ ومجموعات طارئة، قد دخلت عليها في فترات مختلفة، ومنها مجموعة اكلوان الذين أتوا من كلاوة الجنوبية على ما يبدوا (وهي إحدى بطون الاتحاد الهسكوري المنهار). ومنها كذلك فخد أيت عطا الذي نرجح دخوله أثناء زحف الاتحاد العطاوي نحو هذه المناطق.

2-    قبيلة أيت عباس.

إن الإشارات و المعلومات المتوفرة حول تاريخ قبيلة أيت عباس تكاد تكون منعدمة ، باستثناء بعض الشذرات المتناثرة و التي تهم أواخر القرن 19 و القرن20، و هي معلومات كلها مستقاة من الرواية الشفوية المحلية. و يعزى هذا الفراغ في المعلومات التاريخية لهذه القبيلة حسب اعتقادنا إلى سببين أساسيين : الأول جغرافي صرف ، يتمثل أساسا في انعزال المنطقة، أما الثاني فيتمثل في انضواء هذه القبيلة خلال العصور الوسطى تحت إمرة إحدى القبائل الكبرى ويصعب تحديد المجموعة القبلية الكبرى التي كانت تنتمي إليها أيت عباس و ذلك راجع إلى اختلاف المصادر الشفوية في تصنيفها. فتارة تذهب هذه المصادر( الرواية الشفوية)، إلى ربطها بأحد اتحاديات هسكورة و تارة أخرى إلى ربطها بصنهاجة، و عموما فقد أخذت الرواية الشفوية المحلية بخصوص إشكالية الانتماء اتجاهين أساسيين:     

الاتجاه الأول: يعد ايت عباس ضمن هنتيفة ، هذه الأخيرة التي تنتمي إلى قبيل هسكورة ، و تقول هذه الرواية[26]، أنه لظروف غامضة انعزلت أيت عباس عن هنتيفة و تحصنت بالسفوح الشمالية للأطلس الكبير الأوسط، و قد نشبت عداوة بين القبيلتين لا زال بعض الشيوخ بأيت عباس يرددون بعض أحداتها نقلا عن أجدادهم،ومن خلال اطلاعنا على بعض تقاليد سكان القبلتين خصوصا ما تعلق بطريقة ” أحواش ” و كدا ” اللعب بالبارود ” في الأعراس و المواسم فهناك تشابه في هذه التقاليد . يبقى هذا الاستنتاج مجرد ملاحظة يتيمة لا يمكن لها و حدها أن تعطي براهين واضحة مقطوع بها بخصوص انتماء ايت عباس إلى هنتيفة .                  

الاتجاه الثاني : يذهب هذا الاتجاه[27] إلى ربط أصل سكان أيت عباس بحاحة ، إحدى بطون مصمودة المستقرة على سيف البحر بين مدينتي الصويرة و أكادير، و يؤيد هذا القول وجود مجموعتين بشريتين بالمنطقة و هما ايت واحي و إجلغيغن، يخترق مجاليهما واد يسمى إلى اليوم “أقا نحاحان” أي واد إحاحان نسبة إلى المجموعتين المستقرتين حوله و يبدو أن انتساب هاتين المجموعتين إلى حاحة أقرب إلى الصواب، لكن من المؤكد أن المجموعات الأخرى لا يعنيها هذا الانتساب

II-البنية الإجتماعية والسياسية الموروثة.

1-    البنية الاجتماعية الموروثة.

أ- البنية الإجتماعية الموروثة في بعض الدراسات السوسيولوجية والأنتربولوجية بالأطلس الكبير.

الجدير بالذكر أن البنية الاجتماعية للأطلس الكبير، قد تناولها باحثون سوسيولوجيوين وأنتربولوجيون كبار أمثال: روبير مونتان (البربر والمخزن..) جاك بيرك (البنيات الاجتماعية للأطلس الكبير الغربي) ارنيست كيلنير (صلحاء الأطلس) أحمد التوفيق (انولتان) علي أمهان (غجدامة). وجربت به نظريات بعضها طبخ في مطابخ سوسيولوجية وأنتربولوجية بعيدة شيئا ما عن هذا المجال (انقسامية كيلنير ونموذج روبير مونتان)، والبعض الآخر حاول أن ينطلق من الواقع المعاش لصياغة نموذج تحليلي مقبول منهجيا وفكريا (نموذج جاك بيرك). فيما جاءت دراسات أخرى متأخرة حاولت أن تجرب كل هذه النماذج، وتنتقي ما صلح من كل نموذج (أحمد التوفيق).

وعلى كل حال فمجتمع الأطلس الكبير ومنه مجال دراستنا، لا يخلوا من “عصبية ابن خلدون”، كما لا يخلوا من “انقسامية كلنير”، كما لا يخلو من صراع ثنائية روبير مونتان “القبيلة والمخزن”، كما أنه لا يخلوا من مما أسماه بيرك “نتاج الطبيعة” أي “أن القبيلة نتاج طبيعي”. وليست مهمتنا هنا، أن نجرب بدورنا تلك النظريات على هذا المجال ونبحث عن ثغراتها لانتقادها، فمهمتنا تقتصر على كشف بعض الملامح الأساسية للبنية الاجتماعية بهذا المجال على أساس استغلال هذه البنية في كشف جوانب من البنية السوسيوثقافية لهذا المجال.

ب‌-  تقسيمات أيت عباس وأيت بوكماز.

   يركز كل باحث من الباحثين الذين اشتغلوا على البنية الاجتماعية للأطلس الكبير، على وحدة من وحدات البنية الاجتماعية، ويجعلها نواة التنظيم ومركزه الأساسي. فنجد مثلا أن مونتان وبيرك يركزان على “تاقبيلت” كوحدة مركزية تدور عليها الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للقبيلة. والتوفيق ركز على الأسرة واعتبرها القلب النابض لمجتمع انولتان.

أما في حالة أيت عباس، وأيت بوكماز، فإننا نصادف تداخل بعض الوحدات وتقاسمها لأهمية المركز والنواة. فإذا أردنا مثلا أن نحدد الوحدة المركزية في هاتين المجموعتين في الفترة الحالية. نجد أن الأسرة سواء كانت ممتدة أو صغيرة تشكل نواة التنظيم الاجتماعي[28]. إلا أن هذه الوحدة (الأسرة) مرتبطة في مراحل أخرى سابقة بوحدة العظم (اغص)، ذلك أن تقسيم الأرض قديما قد تم على مستوى عظام القبيلة (حالة أيت عباس)[29]. ووحدة العظم مرتبطة بوحدة الفخدة، لأن تقسيم مجال أيت عباس مثلا قد تم على مستوى الفخدتين الأساسيتين “أيت حيزم وأيت مكاز”[30] قبل تقسيمه على مستوى عظام كل فخذة، ونفس الشيء بالنسبة لمجال أيت بوكماز، حيث تتقاسمه ثلاثة فخدات أساسية وهي: فخذة أيت ماحيا  وفخدة أيت أوريعت وفخدة أيت حكيم.

لقد اختفت أهمية بعض تلك الوحدات اليوم، بفعل التحولات الاجتماعية المختلفة التي يشهدها المجالين. فالعظم مثلا لم تعد له أهمية لدى الساكنة اليوم، وأصبح أحيانا ذكرى من الذكريات القديمة التي يأتث بها بعض المسنين جلساتهم المناسباتية. والفخذ بدأت أهميته تضمحل ولا تظهر إلا في بعض المناسبات، خاصة الانتخابات التشريعية[31]. أما القبيلة كأعلى وحدة في التنظيم الاجتماعي، فإنها لا زالت تحافظ على بعض سماتها، خاصة الحدود المجالية والاسم وبعض القيم، لكن مؤسساتها القديمة من شيخ عام وأجماعة… قد اختفت وأصبحت هي الأخرى ذكرى من الذكريات، وحلت محلها مؤسسات أخرى بأسماء حديثة لكنها تمتح من الموروث، كمجلس الجماعة القروية، والجمعية المدنية[32]… أما الأسرة فلا زال دورها مستمرا كنواة تنظيمية للإنتاج والاستهلاك الجماعي، وان ظهر في الآونة الأخيرة ميل إلى التخلي عن الأسرة الممتدة والنزوع الى استقلالية الأفراد. على أن وحدة الدوار لا زالت تعيش حيوية كبيرة

2- التنظيمات السياسية الموروثة.

   يذهب بنا الحديث عن السكان وأصولهم واستقرارهم إلى البحث في تنظيماتهم السياسية الموروثة، أو تلك المؤسسات “العرفية” التي ينظمون بها شؤونهم اليومية سواء داخل تلك الوحدات الداخلية المشكلة للبنية القبلية، أو هذه الأخيرة وعلاقتها مع قريناتها من القبائل  الأخرى.

وقد ارتبطت بعض من تلك المؤسسات العرفية الموروثة، خاصة تلك التي تهم الشؤون العليا للقبيلة بمؤسسة “اغرم نتقبيلت” (مخزن القبيلة) كما هو الشأن بالنسبة لأيت عطا الذين ارتبطوا بمحكمتهم العرفية “اغرم أمزدار” بصاغرو. وان كان “اغرم نتقبيلت” هنا لا يرقى إلى مستوى “اغرم أمزدار” عند أيت عطا لكون هذا الأخير يجمع عدد هائل من لفوف كبيرة مختلطة بين لفوف مترحلة وأخرى مستقرة أو في بداية الاستقرار.

 

ü    نظام المشيخة (تمّوغرا).

المشيخة نظام “سياسي” ذو سيمات “ديمقراطية محلية”، وتشمل  في مجالي الدراسة كل القبيلة، بأفخاذها وعظامها وأسرها، وقد كان نظام المشيخة في أيت عباس وأيت بوكماز إلى غاية القرن 19م يتم بطريقة الانتخاب وبالتناوب بين أفخاد القبيلة، حيث يقوم كل فخد بتقديم “أمغار” (شيخ) يحكم لمدة سنة كاملة[33]. فكان الشيخ العام في قبيلة أيت عباس ذات الفخدتين (أيت حيزم وأيت مكاز) ينتخب بالتناوب بينهما، وفي قبيلة أيت بوكماز ذات الأفخاذ الثلاثة (أيت حكم، أيت ميحيا، أيت أوريعت) يتم بنفس الطريقة. ومهام الشيخ العام تشمل تنظيم العلاقات الداخلية للقبيلة بين الأفخاذ والعظام، ويحكم النزاعات بين الأفراد أحيانا لما يستعصي أمرهم على مجلس الدوار (أجموع ن دوار)، كما ينضم الى الوفود “الدبلوماسية للقبيلة” (لجماعت أو اختارن) التي تتكلف بالعلاقات الخارجية للقبيلة في أغلب الحالات.

إلا أن نظام المشيخة بالمنطقتين قد اتخذ مسار التفرد بالحكم والاستئثار بالسلطة من طرف أسر معينة بداية من منتصف القرن 19 على غرار المشيخات في نتيفة وكلاوة.. وكانت أهم هذه الأسر هي أسرة أيت ادير بأيت عباس التي كانت تشكل آنذاك المشيخة واجماعة في آن واحد. وأسرة أيت كلاووت بأيت بوكماز التي استأثرت بكل الأمور السياسية لايت بوكماز آنذاك. ولكن رغم تفرد هاتين الأسرتين “بالحكم” لفترة مهمة وانقلابهما على التقاليد “الديمقراطية” للقبيلة فإنهما لم تصلا إلى مستوى الأسر القائدية كما هو الشأن بالنسبة لأسرة أشطوا بنتيفة أو الأسرة المزوارية بكلاوة.

ü                نظام أجماعة/ الجمّاعت.

تتشكل أجماعة أو لجمّاعت من  12 عضوا من شيوخ القبيلة، وهم الأكثر دراية بمختلف الأعراف، ولهم كلمة مسموعة بين مجموعات القبيلة، بل حتى عند القبائل المجاورة أحيانا.

ü                    أجموع ن دوّار أو مجلس الدوار.

يعقد هذا المجلس بحضور ممثل كل أسرة من أسر الدوار وهو فرد ذكر بالغ، ويسيره شخص يدعى “المقدم” ينتخب لمدة 4 أشهر ويساعده مساعدان يسمان “امساين” يتكلفان بإخبار أفراد الدوار بتاريخ انعقاد المجلس وموضوعه، ورغم تمتع المقدم بصلاحية تسيير المجلس فانه ناذرا ما يقترح موضوع النقاش، بل يثم ذلك بطلب من شخصيين على الأقل من الدوار، وهناك عدة أنواع من “أجموع”.

  • ·        أجموع ن لجامع (مجلس المسجد): ويتناول عدة مواضيع ومنها ما يتعلق بإمام المسجد وأجرته وسكنه ومدة مشارطته… وهناك ما يتعلق بصيانة المسجد ومرافقه، وهناك أيضا جلسة خاصة تعقد عند نهاية كل شهر رمضان لأجل إضافة الشبان البالغين لأجموع نلجامع لأجل المساهمة في دفع تكاليف المسجد، ويتم تحديد أحقية الانضمام بطريقة تقليدية وذلك بقياس عنق المراهق بخيط مخصص لهذا الغرض.
  • ·               أجموع ن لعامت أو مجلس”العامت”: تناقش فيه الأمور المتعلقة بتنظيم الأعراس والحفلات. و”العامت” هي مجموعة من ذكور الدوار البالغين المنضوون في مجلس المسجد السابق الذكر، ويستثنى منهم الطلبة والكهول، واليها يوكل تنشيط العرس أو الحفلة، ويتم تعيين رئيس على هذه المجموعة يسمى “أمغار ن لعامت/ شيخ لعامت” وهو المكلّف بتسييرها وضبطها بمجموعة من الأعراف المتفق عليها، والعارف الأدرى بكل الرقصات والأهازيج المحلية.
  • ·       أجموع ن النايب (أيت بوكماز):

 النايب هو الشخص الذي تكلفه جماعة الدوار للسهر على أمور توزيع المياه وفق الأعراف المتفق عليها، وكدا مراقبة السواقي.

ü                المعاهدات ونظام الاختارن.

يصعب إبداء الرأي في مسألة الاتفاقيات العرفية في قبيلتي أيت عباس وأيت بوكماز، لكون هذا النمط من التنظيم السياسي يتشابه في كثير من مناطق الأطلس الكبير. وعلى العموم فان أهم نمط المعاهدات التي صادفناها في مجال الدراسة، هي معاهدة “تافركانت” أو “أكارتشو” وهو نمط موجود كذلك عند ايت عطا وامغران وغيرهم، لكن هذه الاتفاقية تتم بطرق مختلفة وان كان قاسمها المشترك هو “حليب النساء” – السائل الذي لا يجرأ أحد عل عصيانه- فاتفاقية “تاضا” عند أيت عطا تتم عن طريق استدعاء النساء من اللفين العدويين ويقمن بتبادل الرضع وافطامهم ويرجعون إخوانا بالرضاعة[34]. أما في قبيلة أيت عباس مثلا فكان يتم جمع حليب النساء من كلا الطرفين المتنازعين في إناء واحد (أحلاّب) ويشرب منه كل رجال الطرفين فيصيرون “إخوة” بالحليب. ولا زالت أصداء معاهدة “أكارتشو” التي عقدت في أيام “السيبة” بين أيت سكاط وعظام ايت تحرتوت وأيت عولي سارية المفعول إلى يومنا هذا، حيث يتجنب كلا الطرفين الاعتداء على شخص من الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه المعاهدة، كما أنه غالبا ما تستحضر هذه المعاهدة أثناء فض بعض النزاعات التي تنشب بين الفينة والأخرى بين عظام ومجموعات هذه المجموعة التي شملتها المعاهدة المذكورة. ويقال أن خرق هذه المعاهدة غالبا ما يؤدي بصاحبه إلى مصيبة من المصائب.

يوجد نوع آخر مهم من المعاهدات العرفية وهي “الذبيحة” أو “رمي العار” وهي نمط ارتبط أكثر بالزراع المستقريين[35]. والذبيحة تشترط إسالة دماء حيوان يضحى به لأجل “رمي العار”، وهو اعتراف ضمني بالذنب والخطأ، والسعي إلى طلب المغفرة، وبهذا “فالدم سائل من السوائل الموظفة بكثرة في العلاقات داخل أي نسق ثقافي،والروابط التي تتم بواسطة الدم قلما تزول في ميدان الطقوس”[36] فالدم ربما آخر وسيلة يلجأ إليها لما تنتهي كل وسائل الصلح. كما أن الذبيحة غالبا ما يتكلف بها أشخاص معينين يعرفون “باختارن ن تقبيلت”، وهم رجال كلمتهم مسموعة ويتصفون بالرزانة، وهذا المعطى يزيد من هالة الذبيحة، فلا يرد هنا كلمة وطلب “الاختارن” إلا شخص معتوه متهور، لا يشفق على نفسه من المصائب أو “أمّوتل” بالتعبير المحلي الذي سيصيبه لا محالة بسبب رده لطلب الاختارن وعار الدم المسفوك.

ü      مصطلحات من القاموس السياسي المحلي.

تستعمل في مجال الدراسة عدة مصطلحات ذات تحمل حمولات أنتربولوجية مختلفة، لكنها تعبر عن عدة مواقف ذات تقل سياسي بالمعنى المحلي ومنها:

  • ·       تمخماخت   Tamkhmakht

مصطلح من الناحية الأنتربولوجية له  حمولة سياسية أكثر من الحمولة السوسيو-اقتصادية، فنقول شخص “أمخماخ Amkhmakh ” بمعنى أنه مؤهل لاستقبال الوفود “الرفيعة”، إنه بالإضافة إلى موارده الإقتصادية، له سجل حافل باستقبالات وحفلات فخمة تناسب الوفود المختلفة.

  • ·       ترَوزا Tirriwza:

تعني حرفيا “الرجولة”، وتعني في العمق السياسي والاجتماعي المحلي :الوفاء  بالقول “لكْلْمْت”. كما ترتبط بالمصطلح السابق “تمخماخت” في جوانب أخرى، “فأركاز” (الرجل) هو من لا يتهاون في إكرام الوفود مهما كانت الظروف، إنه ببساطة رجل التحدي.

  • ·       أودماون udmawen:

تعني “الوجوه”، لها حمولات دينية لكنها تستعمل في الدبلوماسية المحلية بمعنى “إختارن ikhatarn” (الكبار) وهم رجال متزنين، ويتمتعون بقدر هائل من الرزانة والتعقل، ويصعب أن ترد طلباتهم.

  IIIالتنظيم الهسكوري بين الاستمرارية والتحول:

   لقد تصدعت الكثير من الاتحاديات القبلية بداية أواخر القرن 19م وبداية القرن 20م لأسباب مختلفة، وقد انهار الاتحاد الهسكوري هو الاخر في تلك الظروف، وان بقيت منه بعض اللفوف صامدة إلى غاية اصطدامها بالنظام ألقائدي، كلف أيت واوزكيط. وقد شكل هذا النظام (القائدي) أحد أهم العناصر التي عجلت بتفسخ النظام القبلي وخاصة نظامه السياسي.

فالقائد هو في الأصل شيخ انتخب بالطريقة المعروفة في النظام القبلي، لكن عدة ظروف ساعدته للأن يتقوى وينفرد بالعرف ويوجه النظام السياسي لصالحه، ليكون قوة  وثروة يصعب آنذاك زعزعتها. إن القائد لا يمكن له أن ينفرد بالسلطة إلا إذا قوض التقاليد السياسية القبلية ذات التوجه الديموقراطي، وهذا بالضبط ما فعله القادة الكلاويون ونوابهم ورثة الاتحاد الهسكوري، ومنهم القائد عبد الله أشطو قائد انتيفة الجبل.

لقد أتت فرنسا بدورها ودعمت هذا النظام، نظرا للاتقاء مصالح الطرفين، فبفضل النظام ألقائدي، استطاعت فرنسا أن تتغلغل في قبائل الأطلس الكبير وسفوحه الجنوبية بتكلفة أقل.

إن النظام القبلي الأقرب إلى الديمقراطية لم يكن يخدم مصالح فرنسا أيضا لذا لجأت هي الأخرى إلى تقويضه، وتفريغه في مؤسسات جديدة تخضع للمراقبة الفرنسية، وعلى رأسها مكاتب الشؤون الأهلية و المحاكم العرفية. وأصبح الضابط الفرنسي هو الأنفلوس، وأصبح مكتب الشؤون الأهلية هو مؤسسة الأربعة والأربعين والإثنا عشر، لكن بصيغ أخر. وقد كان بمجال انتيفة مكتبين فرنسيين وهما: مكتب بزو ومكتب تنانت.

استمر تقويض النظام القبلي الموروث، وتفريغه من محتواه في مؤسسات جديدة مع الدولة المغربية الحديثة، حيث تم تقسيم المغرب إلى مجموعة من الأقاليم العشوائية -لكنها عشوائية متعمدة- كان هدفها تكسير القوة القبلية، وصهر أحفاد القبائل المنحلة في وحدات ترابية جديدة، تراقبها الدولة من خلال عدة مؤسسات، كالجماعات المحلية والقياد والشيوخ والمقدمين. ورغم أن فرنسا قد ساهمت في تقويض النظام القلبي الموروث فإنها لم تلغيه بالكامل. لكن الدولة المغربية الحديثة بالغت في هذا التقويض إلى درجة محاولة مسحه حتى من الذاكرة الجماعية، فكل شيء أصبح تحت مراقبة الدولة، فالفرد مراقب منذ ولادته إلى وفاته عن طريق مجموعة من الوثائق. إن الدولة لا يهمها هنا التنوع، إنها تسعى إلى خلق الانسجام وخلق مواطنين “صالحين” تابعين لها، فالمواطن الآن هو الذي يبحث عن الدولة وليس العكس. ومع هذا الهجوم القوي للدولة على النظام القبلي الموروث، يمكن أن نتساءل عما حققته الدولة من تغيير؟ وهل فعلا بلغت درجة النفاد في المجتمع؟.

إن كثيرا من المظاهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تؤكد بالملموس أن الدولة لم تغير إلا أشياء بسيطة جدا، وتغييرها كان سلبيا أكثر مما هو ايجابي. إننا نعيش الآن الازدواجية في كل شيء: في الاقتصاد في السياسة في الثقافة… إن النظام الموروث رغم تصدع كثير من هياكله واختفاء بعضها دون رجعة، فان تلك الأنوية الصلبة (بتعبير الأستاذ الحسين أقيوح) للموروث لا زلت مستمرة بشكل واعي أو غير واعي، بل إنها لا زالت تتحكم في كثير من الأمور: فالانتخابات مثلا توجهها الآن تلك الثقافة الموروثة، فالحزب السياسي لا يعدو أن يكون إلا (زاوية جديدة) بمواصفات جديدة، والجمعية المدنية لا تعدو أن تكون هي الأخرى إلا صورة للإحدى هيئات “أجماعة” القديمة، فالجمعية خاصة بالمناطق الجبلية نلمس فيها كثيرا من تلك الروح القبلية القديمة، فمشاريعها مثلا محترمة من طرف الساكنة، إنهم ينظرون إليها كشيء في ملكيتهم لأنها من صلبهم، وقد تنجح الجمعية المدنية فيما تفشل فيه الدولة من مشاريع تنموية أحيانا.

لا بد إذن من مشاريع حقيقية إذا أرادت الدولة أن تحقق تغيير حقيقي، إن المواطن لا يفهم في الدولة إلا الخدمات التي تقدم له، ولابد من الديمقراطية عوض البيروقراطية، وهذا يستدعي ضرورة الرجوع إلى تلك الأنظمة القديمة واستلهام نظمها “الديمقراطية”.   

                           

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

–           

–           

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد