أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

من أجل تأهيل التراث الثقافي المادي لإقليم أزيلال

أطلس سكوب ـ

كثيرة هي الأسئلة و الإشكالات التي تطرح حول القضايا التنموية للجبل بالمغرب، ذلك أن الجبل لم يعد فقط ذلك الهامش الذي تأقلم معه أجدادنا، وإنما أصبح اليوم بفعل المخططات الجديدة للدولة وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عنصرا يجب النهوض به من أجل تحقيق التوازن الترابي وضمان العيش الكريم لجميع المغاربة على اختلاف مناطقهم الجغرافية و أوضاعهم الإجتماعية، ولذلك عكف الباحثون من مختلف التخصصات التي تبحث في التنمية بمفهومها الشامل على طرح أفكار ومشاريع يمكن أن تساهم في تنمية الجبل، فمنهم من أشار إلى أهمية التعليم و الصحة في لعبة التنمية، ومنهم من أشار إلى التنمية الزراعية و الصناعية إلى غير ذلك، ومن جهتي في هذا المقال سأتناول دور التنمية السياحية و تدبير التراث الثقافي في النهوض بالأوضاع التنموية للجبل المغربي، وبما أن الجبل بالمغرب مجال شاسع فقد اكتفيت بالأطلس الكبير الأوسط الذي يندرج ضمنه إقليم أزيلال، ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على دور التراث الثقافي المادي بالخصوص في النهوض بأوضاع هذا الإقليم.

بداية لنلقي نظرة خاطفة عن التحديد الجغرافي لهذا المجال وعن تكوينه التاريخي، فالجغرافيين عادة ما يربطون الاطلس المركزي بإقليم أزيلال، وهذا رأي تنفيه بعض الدراسات الميدانية لمتخصصين في جغرافية الجبل وعلى رأسهم André Fougerolles  الذي اعتبر الأطلس الكبير المركزي مجال شاسع يمتد من تيزي ن تالغمت إلى تيزي ن فدغات، وهو مجال تتقاسمه أقاليم متعددة كأزيلال وبني ملال ثم وارزازات ، إلا أن المساحة الشاسعة في هذا المجال هي التي تقع تحت نفوذ إقليم أزيلال، ويتميز هذا المجال الجبلي بتكوين جيولوجي فريد جعل البعض يسميه بالأطلس الكبير الكلسي، لان تكوينه يعود إلى حقب زمنية جيولوجية غابرة يشهد على ذلك أثار الديناصورات بمنطقة إواريضن بنواحي دمنات وبدوار إباقليون بواد أيت بوكماز، وهذا التكوين اثر على تضاريس هذا المجال، إذ يتميز بتضاريس جبلية وعرة تتخللها قمم عالية على مستوى إفريقيا عامة كقمة جبل مكون 4070 وقمة أزوركي 3000 وجبل راث 3600 وجبل أنوغمر 3700 ، وبما ان التضاريس مرتفعة فقد أثر ذلك على طبيعة المناخ الذي يتميز بقسوته وبرودته، إذ تتساقط اكبر كميات الثلوج بهذا المجال. اما بخصوص التكوين التاريخي لهذا المجال فقد التقطنا إشارات من مصادر أوربية ومحلية تشير إلى أن هذا المجال عرف استقرارا بشريا قديما قدر الباحث الفرنسي  simounouعمره بحوالي 3000 سنة قبل الميلاد من خلال دراسته حول النقوش الصخرية الموجودة في جبل رات ( موقع تيزي ن تيرغست بأيت بوولي) ، ومن جهة أخرى فقد أشارت مصادر التاريخ إلى ان هذا المجال تتقاسمه قبائل ذات أوصول مختلفة صنهاجية و مصمودية، وهي اليوم قبائل انتيفة، إنولتان، فطواكة، أيت بوكماز، إمغران، إحنصالن، أيت مصاد، أيت سخمان، و أيت عطا ن أومالو… وتمثل كل قبيلة من القبائل المذكورة محطة أساسية من تاريخ هذا المجال. تعيش هذه القبائل بحكم طبيعة التضاريس و المناخ السائد أنشطة اقتصادية تقليدية يتصدرها الرعي و الترحال في أعالي الجبال ومزاولة بعض الانشطة الزراعية المعيشية في جوانب الأودية، كوادي تساوت ، واد لخضر، واد أيت بوكماز،واد أحنصال، واد العبيد… وعموما فإن الأنشطة الإقتصادية لهذا الجبل هاشة.

لنعد إلى النقطة الجوهرية لهذا المقال و التي تتعلق طبعا بمحاولة بسيطة لتسليط بعض الأفكار على تنمية إقليم أزيلال من وجهة نظر تدبير و تثمين التراث الثقافي المادي، فالتراث الثقافي المادي كما ذهبت إلى ذلك المنظمات الدولية المهتمة بإعادة الإعتبار للتراث الثقافي العالمي وعلى رأسها اليونسكو” هوكل البنايات و المعالم التاريخية ذات الجمالية الاستثنائية” وإذا  أسقطنا هذا التعريف على مجال الدراسة في هذا المقال، سنجد ان إقليم أزيلال يتوافر على مجموعة من المعالم التاريخية التي يمكن تصنيفها إلى مؤسسات قبلية: وعلى رأسها ما يصطلح عليه بالمخازن الجماعية greniers collectifs  وهي مؤسسات للتخزين المشترك بالمجال وتتميز كذلك بخصوصيات معمارية_ هندسية متميزة، ويوجد أجمل هذه المخازن في عالية تساوت بمنطقة ايت مكون( قرية مكداز، إشباكن، أيت حمزة، فاخور) وبمنطقة أيت بوكماز و أيت بوولي وزاوية أحنصال و تيلوكيت…  ومن المعالم التاريخية لهذا المجال نجد البنايات المعمارية البدائية ( ما يصطلح عليه بمخازن الكهوفgrenier de falaise ) و التي تنتشر في جنبات اغلب أودية المجال، ونذكر من بينها ، كهوف تاغيا بأيت عباس وكهوف تساوت …ثم نذكر كذلك المؤسسات الروحية لهذه القبائل وعلى رأسها الزوايا و الأضرحة كمعمار ديني متميز( زاوية تناغملت، زاوية أحنصال، زاوية المنزل، زاوية سيدي بولخلف…) و أخيرا بعض الأسوار التاريخية التي تنتشر بشكل كبير في مدينة دمنات التاريخية… هذه إذن بعض المآثر الثقافية التي يتميز بها الاطلس الكبير الأوسط و التي تحضى باهتمام بالغ من طرف السياح الأجانب الذين يزورون المنطقة نظرا لكونها من رموز الهوية المحلية للمنطقة، كل هذه الخيرات المعمارية تزخر بها المنطقة، إلا أن المشكل يكمن  في إهمال هذه المعالم وتركها عرضة للإندثار و التخريب، و الملاحظ مثلا للحالة الراهنة للمخازن الجماعية سيجد أن أغلبها  فقدت لوظيفتها الأساسية و بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، أمام أعيون الساكنة المحلية و السلطات المسؤولة، ولا ننكر أنه تمة محاولات لتأهيل هذا التراث و النهوض به في إطار ما يسمى بإيجاد بديل لتنمية الجبل، وندل على ذلك بتجربة مشروع الاطلس الكبير الأوسطprojet du haut atlas central  التي بدأت في الثمانينات من القرن الماضي  وهي تجربة رائدة تزعمها مهندسون فرنسييون في إطار الشراكة مع الحكومة المغربية، من اجل تنزيل تجربة جبال الألب الفرنسية Grande traversée des alpes على الأطلس الكبير الاوسط، وقد نجح هذا المشروع في ترك أثار ايجابية على المنطقة يمكن إجمالها في ذلك الإقلاع التنموي الذي عرفته كل من أيت بوكماز و أيت بوولي وزاوية احنصال وعالي تساوت بفعل انشاء مركز الإرشاد السياحي الجبلي بجماعة تبانت CFAMM و الذي يعتبر بمثابة هدية للشباب الجبليين، وبفعل دعم شبكة المأوي السياحية المرحلية gite d’étape التي تمكن المنطقة من دخل مهم من خلال إواء السياح، كما ان المشروع ساهم في انشاء بعض تعاونيات الصناعات التقليدية التي تتقدم منتوجات مهمة للسياح، إلا اننا نتأسف للحالة الراهنة للمشروع، بعد خروج الشركاء الفرنسيين من تسييره، وبالإضافة إلى هذا المشروع فإننا أصبحنا اليوم نتحدث عن مشاريع جديدة رغم بطء تفعيلها وعلى رأسها مشروع ” المنتزه الجيولوجي مكونgéo parc mgoun ” الذي حصل مؤخرا على اعتراف اليونسكو في لقاء بين الويدان، وهو مشروع يرمي إلى تاهيل كل من التراثين الطبيعي و التقافي للجبل، وقد استطاع مند نشأته من ترميم قصبة واحدة (إغرم ن إباقليون) وبناء متحف لعلوم الأرض بمدينة ازيلال  و الذي لم يتم فتحه بعد، ناهيك عن بعض علامات التشوير التي انجزها الجيوبارك في مختلف مناطق التراث التقافي و الطبيعي لأزيلال.

ومن المحاولات الرائدة و الطموحة في مجال النهوض بالتراث التقافي المادي لإقليم أزيلال حاليا نذكر وبكل فخر العمل الذي يقوم به الأساتذة  و الطلبة الباحثون في كلية الأداب و العلوم الإنسانية لبني ملال، وهو عمل كان من نتائجه فتح ماسترات متخصصة في التراث بجهة تادلا_ أزيلال من اجل انجاز دراسات و أطروحات حول مختلف قضايا التراث الثقافي بالجهة، لان التنمية لا يمكن ان تنجح إلا من خلال إنجاز دراسات و أطروحات حول الجماعات البشرية التي نريد تنميتها، ومن هذا المنطلق يبدو جليا فائدة البحث في التراث الثقافي للجهة وهي مسألة ثم إغفالها بشكل مطلق من طرف مختلف التجارب التي ثم ذكرها.

  يبدو إذن وبما لا يدع مجالا للشك أن الإهتمام بالتراث الثقافي ليس موضة و إنما طموح و مصدر بديل لتنمية جبال أزيلال بشهادة مختلف الفاعلين، ولذلك فإننا نرى أنه يجب أن تنصب الجهود في إيجاد مشاريع لتحقيق هذا الحلم من خلال الإقتراحات التالية:

تشجيع البحث العلمي الميداني في مجال التراث الثقافي المادي للإقليم، من اجل تسليط الضوء على مختلف الكنوز المعمارية و الثقافية لهذه المنطقة من المغرب.

على الحكومة و الجماعات المحلية و الفاعلين الجمعويين التعجيل بتفعيل كل المخططات الرامية إلى تأهيل التراث الثقافي للجبل وعلى رأسها مشروع جيوبارك مكون

من واجب الجماعات المحلية أن ترصد ميزانية خاصة بالتراث الثقافي المادي لمجالها الترابي

القيام بأعمال ترميم القصبات و المخازن الجماعية و الزوايا شريطة احترام التقنيات و المواد المحلية في البناء و العمارة.

تشجيع بناء المزيد من التجهيزات السياحية مع مراعاة شروط توفير الراحة للسياح( ماوي مرحلية، فنادق)

تزويد مختلف المناطق السياحية بشبكة الطرق و الكهرباء و الماء الصالح للشرب

تشجيع الصناعات التقليدية المحلية و توعية الساكنة باهمية التراث الثقافي

القيام بالشركات مع المنظمات الدولية الرائدة في التنمية و تثمين التراث المادي

القيام بإنجاز علامات تشوير لمختلف المناطق السياحية…

من إنجاز : محمد زيدان : طالب باحث


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد