قد يخال مواطن هذا البلد السعيد نفسه في لحظة معينة واحدا من سكان الدانمارك أو فينلندا أو السويد وهو يتابع بإمعان حديث بعض المسؤولين رفيعي المستوى وقد أفرطوا في تفاؤلهم حول مستوى عيش المغاربة وأنهم قد يصبرون على الفقرولا يصبرون على الظلم ، فقد بولغ في التفاؤل – مما ‘ أغدق وسيغدق’ بل أغلق في الواقع -على المواطن البسيط والمتوسط من سبل العيش الكريم
والحقيقة التي فرارمنها أن خطاب الديماغوجية والاستهلاك الانتخابوي والصراحة المضللة كسلاح تقليدي تجاوزه الزمن لم يعد يجدي نفعا في إقناع عموم المواطنين ممن لا دخل لهم أو من ذوي الدخل
الضعيف والمتوسط ومنهم فئة المتقاعدين غيرالميسورين
صحيح أننا نعيش في وطن مستقر آمن نحبه وتحت راية نفديها بأرواحنا وبروح مغربية ضاربة في أعماق التاريخ ، لكن واقع الحال بالنسبة لمعظم المواطنين خاصة من لا حول لهم ولا قوة ، لا يدفع الى التفاؤل المفرط الذي يتحدث عنه بأريحية غير معهودة ، ونحن نرى كل يوم جحافل من المتسولين (للإشارة فقط دولة إسرائيل لا يوجد بها متسول واحد) والكادحين والعمال المياومين والباعة المتجولين يصلون الليل بالنهار من أجل كسب لقمة العيش وقد أرهقوا بارتفاع تكاليف المعيشة ، كما نشهد على موظفين ومستخدمين وقد غرقوا في مستنقع القروض الاستهلاكية وقروض السكن غير المريحة وأصبحوا كأسرى حرب لدى بنوك الفوائد وما يترتب عنها من مصاريف إضافية ثقيلة
أستحلف بالله المغرمين في خطاباتهم السياسية بالمرجعية الدينية على الأخص أو المرجعية الحداثية التقدمية أو الأصالة والمعاصرة أو كل المرجعيات الأخرى ، ماذا فعلوا مع رموز الفساد من الذين نهبوا أموال الشعب غير المواجهة بالكلمات البراقة الفرجوية وتفعيل إجراءات أوعقوبات غالبا ما تشمل الحائط الأصغر دون الأكبر ، وأين هي تلك الإجراءات الزجرية الفعلية التي اتخذت لاسترجاع ما نهب والحد من أساليب النهب والتسيب على مستوى الصفقات الكبرى ورخص الصيد في أعالي البحار ومافيا العقارات والمقالع ورخص النقل وأباطرة الاقتصاد المافيوزي ولوبيات المال غير المشروع والأعمال التجارية الفاسدة التي تضر بمصلحة الوطن والمواطن والمتاجرة بحقوق المواطن المغربي في السكن والصحة والتعليم والشغل والعيش الكريم
وتغول المدارس الخاصة وفضاءات الترفيه المؤدى عنها بأسعارلا تناقش ومصحات تسلخ جلد المواطن بلا رحمة ولا شفقة
المواطن اليوم تكفيه ضغطة زرواحدة ليسافر إلى كل الدول ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن حقوق مواطني تلك الدول في العيش الرغيد (الصحة والتعليم والسكن اللائق والتعويض عن البطالة أو فقدان الشغل والتعويضات العائلية السخية والاهتمام الزائد بالأطفال والمتقاعدين والمعوزين وغيرالقادين عن العمل أو الحركة ) والحرية والديمقراطية والعدل والمساواة ، فيكتشف بعدها زيف كل تلك الحملات الانتخابوية السابقة لأوانها عندنا وما يصاحبها من استطلاعات رأي مضللة
لست مدفوعا أو مأجورا من أحد ولا بوقا لجهة ما كي أنطق بواقع الحال الذي لا ينكره إلا ظالم أو معاد لهذا الوطن الكريم الذي بنينا فيه أحلامنا بدموع الألم والمعاناة والصبرعلى نوائب الزمن والأقدار الإلهية ، ونحن ننعم فيه بنعمة الأمن
والاستقراررغم كل الإكراهات التي ترهق كواهلنا
وتضع مصير أطفالنا أمام مستقبل غيرآمن في التعليم والصحة والعيش بسبب قروضنا الفردية وقروض الدولة في علاقتها مع المؤسسات الدولية
ومما أثار اشمئزازي أيضا أن تصرف للوزراء أيضا 600 درهم إضافية في الشهر مثل جميع الموظفين وهم في غنى عنها في حين يحرم المتقاعدون من أدنى زيادة وهم يواجهون كل يوم زيادات متتالية في الأسعار ومعاشهم ثابت لا يتحرك . وبالمقابل ، وجدنا دولا كثيرة أغدقت على كل العاملين فيها وحتى المتقاعدين بزيادات سخية في الأجور والامتيازات مباشرة بعد اندلاع موجات الربيع العربي
أما بخصوص عدم تقدير حجم المشكلة عند المصادقة على تعويض رجال السلطة الخاص بالسكن بأثر رجعي يعود الى 2012 ، فذلك أمر ما كان ينبغي أن يكون أصلا رغم تأجيله إلى أجل آخر، والبلاد في حاجة إلى المال والاستثماروالإصلاحات الهيكلية لصندوقي المقاصة والتقاعد كما يقولون
فاللهم أحسن إلى هذه الفئات العريضة من الشعب التي تعيش على الكفاف والعفاف وأغنهم بفضلك عمن سواك وقد قيل فيما سلف من أثر أن الفقر أخو الكفر، وأنه إذا دخل الفقر بابا دخل معه الكفر من النافذة ، وأنه لو كان الفقر رجلا لقتلته ، فلتقتلوا الفقر في هذه الأمة العريقة أو تقللوا من نسبه على الأقل ، لا أن تجهزوا على فئة أخرى متوسطة العيش لتلتحق بطابور الفقراء
عبدالفتاح المنطري
صحافي متعاون