أكدت بحوث عديدة و كتابات مختلفة أن العدل من الأسس التي تعتمدها الأمم في قيامها الحضاري, وبه يمكن للأمة أن تقود بقية الأمم فالعدل لغة كما ذهب إلى ذلك الجرجاني رحمة الله عليه, هو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط, وفي اصطلاح النحويين خروج الاسم عن صيغته الأصلية إلى صيغة أخرى, وفي اصطلاح الفقهاء: من اجتنب الكبائر, ولم يصر على الصغائر, وغلب صوابه, واجتنب الأفعال الخسيسة كالأكل في الطريق والبول, وقيل العدل مصدر بمعنى العدالة وهو الاعتدال, والاستقامة, وهو الميل إلى الحق.1
والعدل من العدالة, وأرفع ما وصل إليه معناها لدى الشعوب المتمدنة وما شرطه علم الاجتماع في اكتمال العدالة هو:” أن تراعي الأمم فيما تسنه لنفسها من قوانين حقوق الإنسانية برمتها, وهو باعتراف علم الاجتماع لم تصل إليه أمة بعد… العدل في الحكم هو تحري المساواة والمماثلة بين الخصمين”.2 يقول تعالى:” يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا. وان تلووا أو تعرضوا فان الله كان تعملون خبيرا”.3 ويقول عز وجل:” إن الله يأمر بالعدل والإحسان”4 وقد فسر السيد قطب هذه الآية على أن هذا الكتاب جاء لينشئ أمة وينظم مجتمعا ثم لينشئ عالما ويقيم نظاما. جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس, إنما العقيدة وحدها في الآصرة والرابطة والقومية العصبية, ومن ثم جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات, جاء ” بالعدل” الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل, لا تميل مع الهوى. و لا تتأثر بالود والبغض, وتتبدل مجاراة للصهر والنسب, والغنى والفقر, والقوة والضعف, إنما تمضي في طريقها بمكيال واحد للجميع و وتزن بميزان واحد للجميع,.5
وذهب الدكتور يوسف القرضاوي إلى أن الإسلام يتدخل – بقوانينه و وصاياه, بوازع القرآن – للحد من طغيان الأغنياء, والرفع من مستوى الفقراء, وتحقيق الكفاية التامة لكل من يعيش في ظل دولته, مسلما كان أو غير مسلم, عن تيسير العمل الملائم له إن كان قادرا, وعن طريق الكفالة من المجتمع والدولة إن كان عن العمل عاجزا, أو كان قادرا ولم يجد عملا مناسبا أو كان دخله من عمله لا يتمم كفايته من مطالب الحياة.6 ولابد من الإشارة إلى شيء هو أن العدل مرتبط بتوحيد العادل الأول , وهو العادل في الأرض بين الجميع , يقول عز وجل: ” وأمرت لأعدل بينكم “7 يرى سيد قطب في هذه الآية المباركة أنه استعلاء
²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²
1- كتاب التعريفات, ص: 147 , دار الكتب العلمية بيروت – لبنان, الطبعة الثالثة 1405 ه /1988 م
2- روح الدين الإسلامي¸لعفيف عبد الفتاح طباره , ص: 300-301
3- سورة النساء, الآية: 134
4- سورة النحل, الآية: 90
5- في ظلال القرآن, ص: 2190, المجلد الرابع.
6- الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي و الإسلامي.
7- سورة الشورى, الآية:15
والهيمنة بالحق والعدل , “وأمرت” فهي قيادة ذات سلطان , تعلن العدل في الأرض بين الجميع(…) وتكشف هده الآية الواحة عن طبيعة الرسالة الأخيرة, في مقاطعها القصيرة الفاصلة على هذا النحو الجامع الحازم الدقيق, فهي رسالة جاءت لتعطي في طريقها لا تتأثر بأهواء البشر, وجاءت لتهيمن فتحقق العدالة في الأرض, وجاءت لتوحيد الطريق إلى الله كما هو في حقيقته موحد على مدى الرسالات.1
كما قال أبو الحسن التدوي إن المسلمين ظهروا وتزعموا وقادوا العالم وعزلوا الأمم المريضة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها , وساروا بالإنسانية سيرا حثيثا متزنا عادلا , وهذا لأنهم أصحاب كتاب وشريعة الإلهية فلا يقننون ولا يشتر عون من عند أنفسهم , لان ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم,ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملاتهم للناس خبط عشواء قد جعل الله لهم نورا يمشون به في الناس وجعل لهم شريعة يحكمون بها بين الناس.2
يبين لنا مدى العلاقة الوطيدة بين العدل وسياسة الحكم إذ من الأسس التي تعتمدها سياسة الحكم “العدل “, به تستمد الإمارة والقيادة, وبه تنهض الأمة وتقف على دعائمها, وبه تزهى الحياة, وتزدهر, وترقى المعالم الحضارية, فبأخلاقيته استطاع المسلمون أن يفتحوا مجموعة من البقاع.
والهوى من بين الانحرافات التي تؤدي إلى عدم العدل بين الناس وبالتالي ظهور الظلم والجور اللذان يعتبران من سنن سقوط الأمم, لذلك نجد آيات قرآنية تنهانا عن إتباع الهوى, ومن ذلك قوله تعالى:”فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا”3.
وذهب محمد علي الصابوني في تفسيره لهذه الآية إلى قوله:” فلا تتبعوا هوى النفس مخافة ان تعدلوا بين الناس قال ابن كثير :أي لا يحملنكم الهوى والعصبية وبعض الناس إليكم على ترك العمل في شؤونكم بل الزموا العدل على كل حال”.4
ولا بد لكل سنة إلهية من أسس ودعائم تنبني عليها, فمن بين الأصول التي نشأت عليها العدالة كما ذهب إلى ذلك سيد قطب: التحرر الوجداني, والمساواة الإنسانية, والتكافل بين أفراد المجتمع. ولا يمكنننا الحديث عن العدل بدون هذه الأسس.
فجاء في تقسيم سيد قطب لهذه الأسس ما يشير إلى:
– أولا التحرر الوجداني: هو شعور نفسي باطن في الإنسان يستحق بموجبه العدل, إذ انه بمثابة توحيد ضرورات الجسد بأشواق الروح في نظام متكامل.
إن الإسلام بدأ بتحرير الوجدان البشري من عبادة أحد غير الله, ومن الخضوع لأحد غير الله, فما
²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²
1- في ظلال القرآن, ص:3150, المجلد الخامس.
2- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ص:160 – 161 .
3- سورة النساء, الآية:134
4- صفوة التفاسير, ص:236, الجزء الأول.
لأحد عليه غير الله من سلطان, وما من أحد يميته أو يحييه إلا الله, وما من أحد يملك له ضرا ولا نفعا, وما من أحد يرزقه من شيء في الأرض ولا في السماء وليس بينه وبين الله وسيط ولا شفيع, والله وحده هو الذي يستطيع, والكل سواء عبيد لا يملكون لأنفسهم و لا لغيرهم شيئا.1
ولقد عنى القرآن الكريم بهذا المفهوم عناية كبيرة , وهذا يظهر لنا من تحرير البشر من مظنة اتجاههم إلى عبادة أنبيائهم, وهذا يتجلى لنا بوضوح من قوله عز من قائل:” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم”.2
وقد ذهب سيد قطب حين قال: وهكذا, وهكذا. يستمر القرآن في توكيد هذه العقيدة وتثبيتها وتوضيحها, ليصل إلى تحرير الوجدان البشري من كل شبهة شرك في ألوهية أو ربوبية, قد تضغط هذا الوجدان, وتخضعه لمخلوق من عبادة الله, إن يكن نبيا أو رسولا, فانه عبد من عباده لا اله !.3
وإذا تحرر الإنسان وجدانيا من الشعور بالعبادة لأحد غير الله والخضوع له, وامتلأ وجدانه بالشعور بأنه مميز وبأنه على اتصال كامل ودائم بالله عز وجل, فإذا أحس هذا الإحساس لم يتأثر بالخوف من أي شيء لأن قلبه معلق برب كل شيء. يقول عز وجل:” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا, هو مولانا”.4
– ثانيا, المساواة الإنسانية: فقد سوى الإسلام بين البشر جميعا في كل شيء, إذ نجده جاء ليقرر وحدة الجنس البشري في المنشئ والمصير, في المحيى والممات, في الحقوق والواجبات أمام القانون, وأمام الله, في الدنيا وفي الآخرة, لا فضل إلا للعمل الصالح و لا كرامة إلا للأتقى.5
ونجد مجموعة من الآيات القرآنية تقرر هذا المبدأ وتوضحه, ومنها قوله عز وجل:” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أ تقاكم”.6
وقوله سبحانه:” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهم رجالا كثيرا ونساء”.7
فمبدأ العدالة يقوم على أساس المساواة بين جميع أفراد المجتمع الواحد, كما ذهب سيد قطب إلى براءة الإسلام من العصبية القبلية والعنصرية إلى جانب براءته من عصبية النسب والأسرة. فبلغ بذلك مستوى لم تصل إليه ” الحضارة” الغربية إلى يومنا هذا. الحضارة التي تبيح للضمير الأمريكي إبادة
²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²
1 – العدالة الاجتماعية في الإسلام, ص:33, دار الشروق, بيروت, الطبعة: الثامنة, 1404ه / 1983م
2- سورة آل عمران, الآية:144.
3- المرجع السابق, ص:35
4- سورة التوبة, الآية:51
5 – المرجع السابق, ص: 45
6 – سورة الحجرات, الآية 13
7- سورة النساء, الآية: 1
و إفناء الهنود الحمر أفناء منظما تحت سمع الدول وبصرها, كما تبيح له تلك التفرقة النكدة بين البيض و السود, وتلك الوحشية الهمجية البشعة. والتي تبيح لحكومة جنوب إفريقيا أن تجهر بالقوانين العنصرية ضد الملونين. وتبيح لحكومة روسيا والصين والهند والحبشة ويوغسلافيا وغيرها إفناء المسلمين, وما يحدث الآن بالعراق وفلسطين وحدث مثله في الشيشان وأفغانستان من اضطهاد المسلمين ومحاولة القضاء عليهم باسم مطاردة الإرهاب من طرف أمريكا وأذنابها باسم نشر الديمقراطية. لكن نقارن بين هؤلاء الناس, وما حدث في عهود الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرٍضاهم, من عدل ومساواة, وعدم عنصرية.1
– ثالثا, التكافل الاجتماعي: وهو الآخر من الأسس التي تنبني عليها العدالة, ونجد القرآن يدعو في مجموعة من آياته إلى التحلي بهذا الخلق, بل إن القرآن يقرر هذا المبدأ بكل صوره وأشكاله. منها قوله تعالى:” فأما من طغى وأثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى, وأما من خاف مقام ربه, ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى”.2 و يقول عز وجل:” لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت”.3 وقوله سبحانه:” فانطلق حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفهما فوجدا فيها جدارا يريد ينقض فأقامه”4 وهذا الاهتمام القرآني يوضح على أن من أسس العدالة وركائزها في الاستلام التكافل بين الناس, وتعاونهم لصالح المنفعة والخير للأمة الإسلامية.
ومما يمكننا الإشارة له في هذا المطلب أن هناك علاقة ورابطة وثيقة بين العدل وسياسة الحكم, إذ بهذه الأخيرة يتحقق العدل والتوازن بين الأنماط البشرية المكونة للمجتمع.
لذا نجد سيد قطب رحمة الله عليه يقول كلمة بليغة في هذا الصدد:” إن سياسة الحكم في الإسلام تقوم على أساس العدل من الحكام, والطاعة من المحكومين, والشورى بين الحاكم والمحكوم… وهي خطوط أساسية كبيرة”.5
والطاعة من المحكومين مشروطة إذن بكون الحاكم يعرف بأن الحاكمية لله والعدل في الحكم بين الناس والطاعة لله.
وفي هذا الأمر سنتحدث قليلا عن شخصية معروفة في الإسلام بعدلها ووزنها بالقسطاس ألا وهي شخصية الخليفة عمر رضي الله عنه, عمر بن الخطاب المعروف بالفاروق, وفي عهده لم يعرف
²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²²
1 – العدالة الاجتماعية في الإسلام, ص: 46, (بتصرف).
2 – النازعات: 37 – 40
3 – البقرة: 285
4 – الكهف: 76
5 – المرجع السابق:ص: 80
ذكر للفقر, و لا للجور على الأمة, كما يحدث الآن في بعض البلدان الإسلامية, ولعلنا نسترشد من هذه الشخصية بعض معالم العدل والقسط. فقد كان يشعر شعورا عميقا بوجود المساواة بين أفراد رعيته, فلما جاع الناس في عام الرمادة, آلى على نفسه أن لا يذوق سمنا و لا لحما حتى يحيا الناس. وظل كذلك حتى اسود جلده وبسر من أكل الزيت, ثم جاءت السوق عكة من سمن و وطب من لبن فاشتراهما غلام له بأربعين درهما, وذهب إليه ينبئه أن الله أحله من يمينه, وأن قد قدمت السوق عكة من سمن و وطب من لبن وقد اشتراهما له, فلما علم ثمنه قال له, أغليت فتصدق, بهما, فاني أكره أن آكل إسرافا, وأطرق هنيهة ثم قال:” كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم”.1
وبمثل هؤلاء عرفت الأمة الإسلامية أوجها الحضاري واستطاعت أن تقود الأمم, و لابد من العودة.
لحسن بلقاس عضو هيئة تحرير أطلس سكوب