أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

وحشية الإنسان ليس لها حد

في مقال حديث للصحفي الإسباني الكبير خوان غويتسيلو، تساءل هذا الأخير، كيف يمكن وضع حد للوحشية في العالم؟ والمقصود من سؤاله، حسب ما ورد في بحر مقاله المفيد جدا، هي العمليات الإرهابية التي وقعت مؤخرا في كل من باريس وسيناء وبيروت وما يقع كل يوم في الشرق الأوسط وفي بعض دول إفريقيا من أعمال وحشية تقشعر معها الأبدان.

في نظري هذا سؤال أساسي ومشروع وجوابه يحمل بعدين أساسيين، بعد أول مرتبط بمشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويتعلق الأمر خصوصا بما يحدث حاليا في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر ومالي ونجيريا ودول أخرى مجاورة، وهي مشاكل جد معقّدة تتداخل فيها قضايا الإرهاب والمنافسة بين الدول الكبرى من أجل الحصول على الموارد الطبيعية المتواجدة بوفرة في تلك الدول بالإضافة إلى سعي الدول المركزية للحرب الباردة “سابقا” لتوفير فضاءات/أدرع واقية حول محيطها الجغرافي وتجارة الأسلحة وغيرها من القضايا المركبة؛

وبعد ثان مرتبط بالتطور التاريخي للحضارة الإنسانية وما يواكبه من مداولة مستمرة بين السلم والحرب، إذ أن العالم لم يخل في عصر من العصور من الحروب التي كانت تطرأ على حياته وتبلغ مداها في فترات معينة كالحربين العالميتين في القرن العشرين وحروب أخرى كثيرة كانت لها علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع تقدم العلوم وازدياد الإنتاج البشري الفلاحي ثم الصناعي والتكنولوجي، وبالتالي فإن ما يحدث حاليا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعتبر فترة من الفترات التي بلغت فيها العملية الحربية مداها ومنتهى وحشيتها عبر التاريخ،

نفهم من ذلك أن العملية الحربية في العالم قد تخمد ثم تتأجج لكنها لا تتوقف أبدا، وهذا راجع حسب نظرتي المتواضعة لطبيعة الإنسان التي تتميز بالعنف والوحشية رغم ما يظهر عليه من تحضر وازدهار، ولو قمنا بمقارنة بسيطة بين وحشية الإنسان ووحشية الحيوان عموما نستطيع أن نقول إن الإنسان حيوان عاقل وناطق وإن المجتمعات الإنسانية ما هي إلا تجمعات بشرية تشبه في طريقة عيشها بعض الفصائل الحيوانية التي تحدد مجالها الجغرافي في الأدغال وترفض كل دخيل عليها ولو كان من فصيلتها، غير أن التجمعات البشرية المتطورة تتميّز بشروطها الخاصة التي تأسست عندها بفضل المعرفة الإنسانية التي ظلت تتجدد مع مسيرتها التاريخية وكذا بفضل الموروث الديني الذي ترسّخ في ذهن الإنسان منذ القدم باعتباره أمانة على عاتقه يجد فيها أمنه النفسي والروحي وملاذه من الخوف من المجهول الذي لا مفر منه ومن مواجهته بعد الحياة.

من هذا المنطلق، فإن ما يحدث للإنسان في هذه الأرض كيفما كانت أبعاده ما هو إلا تطور طبيعي ذو أصل حيواني لذلك الإنسان، ولا غرابة بالتالي في قيامه أحيانا بتصرفات قد تكون أكثر وحشية وأبشع من تصرفات بعض الحيوانات الكاسرة فهو يمثل أعلى الترتيب في سلسلة تلك الحيوانات، وما الحروب الفتاكة والجرائم الفردية والجماعية التي يرتكبها باسم الدفاع عن الفكرة أو الوطن أو النفس إلا بعض من تمظهرات النزوع الحيواني للإنسان، وهي تصرفات تؤكد انتمائه إلى جنس الوحوش الكاسرة التي تسعى دائما إلى السيطرة والاستفراد بالمجال.

لكن المجتمعات الإنسانية تتميّز كذلك بالتفاوت فيما بينها، فقد تواجدت في الأرض دائما مجتمعات متحضرة وأخرى شبه بدائية كما تواجدت دول متقدّمة وأخرى متأخرة أو متخلفة، وهذا يعكس مدى تطور الإنسان حسب الظروف التاريخية والجغرافية التي وجد عليها، فهناك من كان له الحظ في إرث حضاري متقدم وهناك من ورث التخلف والبدائية وهناك ما بينها من تخلف بعد تقدم أو سير إلى التقدم أو تخلف لا يتغير، ليبقى المجمل في كل ذلك هو أن التفاوت بين شعوب العالم لا يلغي انتسابها إلى جنس الحيوانات وإنما يظهر أنها تنقسم إلى فصائل مختلفة داخل ذلك الانتساب بصفتها عاقلة بشكل متفاوت.

ومادامت خطابات السلام لا تجد جدواها في المجتمعات الإنسانية ومادامت نزعات الطمع وحب السيطرة والنرجسية تستحوذ على تصرفات الإنسان فإنه لا يمكن وضع حد لوحشيته اللهم إلا إذا أصابته طفرة نوعية في طريقة تفكيره تصنفه في خانة الحيوانات العاقلة المسالمة والمتعايشة فيما بينها.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد