اسماعيل عشاق
احتضنت مدرسة براكة بقصبة تادلة يوم الأربعاء 11 يناير 2015 م ندوة تربوية مهمة من حيث توقيتها و مضامينها و نتائجها… فهي تأتي في سياق سعي وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والمجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى تنزيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015/2030 م على أرض الواقع. وفي هذا الصدد، شجع السيد المشرف التربوي أستاذاته وأساتذته على الانخراط الإيجابي مع ممارسة النقد البناء في إطار التقويم الموضوعي لأي مشروع . كما أثنى على المشاركين والمشاركات في هذه الندوة، وقد وصل عددهم إلى 73 فردا، اتسعت لهم قاعة عبد اللطيف العشاب ببراكة وتشرفت باستقبالهم.
في البداية، شكر – السيد المفتش التربوي – للأساتذة والأستاذات تضحياتهم وعطاءاتهم وصبرهم على تحمل الأذى، فالمؤمن هو الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم… وكل اتهام مجانب للصواب في حق المدرسة العمومية يعتبر أذى، والصبر عليه من شيم نساء ورجال التعليم، فالضربة التي لا تقتلني تحييني، ورحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي، وكل نقد جارح يهون في سبيل مدرسة عمومية أعطت وكونت وربت وعلمت… وهي الآن تحتاج إلى تغير العقليات لمواكبة التطورات التي لا ترحم، والتي جعلتها مؤسسة متجاوزة، وصورتها لعامة الناس على أنها عقيمة وعاجزة… بل وصل الأمر بالبعض إلى القول إنه إذا استمرت أزمات المدرسة العمومية في تراكم مستفحل وسارت في خط تقهقري وحافظت على بعض العقليات الانتهازية التي تلهث وراء المال والجاه والسلطة باسم إصلاحات مزعومة… فإنها ستعرف نهايتها المأساوية في حدود 2030 م أو قبلها بقليل.
وقد ذكر الأستاذ المؤطر ببعض مظاهر الاختلالات التي ترزح تحت وطأتها المدرسة المغربية ومنها :
- اختلال العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي: بسبب إصرار رجال ونساء الاقتصاد والمال على أن المدرسة لا بد أن تتحول إلى مقاولة منتجة لأطر ذات كفايات وقدرات وجودة تطلبها سوق الشغل.
- الخصومة الملموسة بين المدرسة وبيئتها الاجتماعية: فالآباء أصبحوا يفضلون عروض التعليم الخاص رغم أن هذا الأخير نال شهرته على حساب تدهور مردودية المدرسة العمومية، وليس بسبب جودة خاصة به والدليل على أنه بقليل من الجهد، وبشيء من التواصل، وبحضور قيمة التعاون الإيجابي، وربط المسؤولية بالمحاسبة يمكن للتعليم العمومي ــ إذا خلصت النيات وحضرت الإرادة السياسية ــ أن يستعيد الريادة وينتزع ثقة محيط المؤسسة.
فأطر التعليم الخاص تعتبر هذا القطاع شرا لابد منه، وهو قنطرة عبور ليس إلا بسبب الإكراهات المادية والمالية والمعرفية النفسية والعلائقية… وبعض رجال الاقتصاد والمالية وأرباب الشركات يستغلون سلبيات بعض أطر قطاع التربية والتكوين ويحاولون استغلال ضعف المدرسة العمومية للإجهاز عليها نهائيا.
- ضعف القدرة الإدماجية للمنظومة التربوية: فإذا كانت مدرستنا معطوبة على مستوى مناهجها وخططها وإدارتها وأطرها، تتألم في صمت وهي مكلومة تشكو من ظلم ذوي القرب… فإنهالن تنتج شخصية مندمجة في مجتمعها ووطنها، مؤمنة بقيم مجتمعها، وبأصالة مبادئ أمتها.
لقد أكد “كاجان” KAGAN أن النمو النفسي للإنسان يتوقف في مرحلة الطفولة، وقد سبق إلى ذلك فرويد FREUD رائد مدرسة التحليل النفسي: “إنما نحن عليه من عقد وسلوكات سلبية ومشاكل في الكبر، إنما يعود ــ في الأغلب ــ إلى ما عانيناه في الطفولة من أزمات ومتاعب”. أما بياجيPIAGET مؤسس المدرسة البنائية التكوينية فيسير في نفس المنحى وهو يؤكد أن “كل شيء يحدث في السادسة”.
لكن كاجان ــ يقول السيد المفتش ــ ينفي نفيا قاطعا من خلال تتبعه لعينة من المتعلمين “بغواتيمالا” من الأول ابتدائي إلى البكالوريا ، وكان هدفه الدفاع عن مبدإ الإنصاف، أن يكون النمو المعرفي يتوقف في مرحلة الطفولة، فالتعلم يتم من المهد إلى اللحد، والإنسان يستطيع مداواة جروح وعلاج أزماته المعرفية في أي وقت شاء.
وخلص السيد المفتش إلى القول، إن المدرسة المغربية الآن واقعة تحت تأثير تمثلات خاطئة تجعل منها كبش الفداء.. وهي قادرة معرفيا على الخروج بسلام من هذه الأزمة إذا خططت تخطيطا استراتيجيا علميا، وفق تآزر فريقها التربوي برجالها ونسائها وجميع الآباء والشركاء والفاعلين، فهي منهزمة نفسيا لأنها لا تثق في قدراتها وإمكاناتها وأطرها، وسقطت بالتالي في تكتيكات العولمة المتوحشة التي تخدم الليبرالية الجشعة الساعية إلى الربح والرفاهية ولو على حساب بني جلدتها.. في عالم أصبح الإنسان ذئبا على أخيه الإنسان على حد تعبير الفيلسوف “هوبز” HOBBES وقد ذكر في هذا الصدد بقولة عزمي بشارة: “العولمة ما هي إلا طغيان قوانين التبادل العالمي المفروضة من قبل المراكز الصناعية الكبرى على قوانين وحاجات الاقتصاد المحلي”.
ومعنى ذلك وكاستنباط خاص، أن الاقتصاد يسقط أزماته على المدرسة، مختفيا وراء هفواتها لتناسي متاعبه النفسية والمنهجية النابعة من طغيان المراكز الصناعية الكبرى وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات التي يمارس ــ جلها ــ فسادا وخروقا ما أنزل الله بهما من سلطان… فالنظام الاقتصادي المعولم يدهس الإنسان بلا رحمة أو شفقة جريا وراء الربح والجشع والسيطرة على جل منابع المقاومة الإنسانية الطامعة في استعادة حرية الشخصية واستقلاليتها وكرامتها… فالاقتصاد المعولم الآن يطبق قولة “تشرشل”: “القوة تنشئ الحق وتحميه”.